أكثر الأشياء تغيرا في الجغرافيا كوردن وولمن ، جامعة جونس هوبكنس





























أكثر الأشياء تغيرا   ترجمة  أ.د. مضر خليل عمر
كوردن وولمن ، جامعة جونس هوبكنس¨

الجغرافيون معنيون بتفاعلات المجتمعات البشرية مع الأرض ، ومنغمسون بالخرائط رسما وقراءة ، ومهووسون بالنشاطات ذات المرجعية المكانية ، ومولعون بما يشكله المكان من معنى و مشكلة . ولاستكشاف أي واحد من هذه فان المسعى  نفسه . فالإنسان والأرض هما مركز الاهتمام  ، بعد تعريف كل منهما بشكل صريح و واضح . فالتعريف ، في الغالب يمتد بين السطحية والعمق لفهم العلاقات المتداخلة المعقدة بين الإنسان والأرض . ويتجنب المعظم  الأول  (الإنسان) والكثيرون غير قادرين على الثاني (الأرض) بشكل جيد . لذا ، فالقلة هي التي تمارس الجغرافيا بمعناها الحقيقي ، والأكثرية تمارس أجزاء منها ، وفي بعض الأحيان تمارس أجزاء متداخلة منها . وخلال القرن الماضي ، فان موضوعات الجغرافيا ، مثل الجيوبوليتكا ، الدراسات الإقليمية ، التحضر ، دراسات بيئية ، GIS ، والعولمة قد لعبت أدوارا رئيسية في حياة المجتمع . وما زال الحتم البيئي يشكل هاجسا عند الجغرافيين . وكل فرع من فروع الجغرافيا قد اخذ تخصصه الخاص به وترك الجغرافيا خلفه . ويعكس عدد المجاميع التخصصية ضمن جمعية الجغرافية الأمريكية التنوع الكبير في خصائص الميادين الدراسية وصعوبة تحقيق التماسك بينها . فالجغرافيا الطبيعية ، تمتد جسرا بين نظم الأرض الديناميكية و الايكولوجيا السياسية .
ان الانتماء إلى مواد دراسة الجغرافيا قد تضخم ، فالمساهمة الجغرافيا مبرهن عليها في العلوم الإنسانية و الأخرى ، وتم الإشارة إلى ذلك في وسط الصفحات الأولى للأخبار .  فهل سيزدهر الاختصاص في هذا القرن ؟ ولربما لا . ولكن للمحادثة أهميتها وقد تساعد في توضيح الصورة الحقيقية للجغرافيا ، وبسبب المردود الكبير والمنفعة المتزايدة للمجتمع ، فان ممارسة الجغرافيا يجب ان تستدام .
ان الجغرافيين المهنيين هم المدافعين الأساسيين عن العلاقات المتداخلة بين الإنسان والبيئة و ضرورة الاهتمام بها . والجغرافيون ، طبعا ، ليسوا وحدهم المعنيون في فهم هذه العلاقة الجوهرية المعقدة بين الإنسان والبيئة ، ولكنهم مهنيا مطالبون بفهم التفاعل بين المجتمع البشري والطبيعة . وفي الوقت الذي من السهل تأييد هذا الطلب إلا انه من الصعب تحقيقه بالكامل . ومع هذا فالمحاولات موثقة في الدراسات الجغرافية الأكاديمية من الماضي إلى الوقت الحاضر . وان هذا قد اصبح اهتماما حيويا وضروريا لإدامة الجغرافيا وبقائها في المستقبل .
وفي الوقت الذي نركز فيه هنا ، على ان المجتمع والبيئة من الموضوعات الأكثر إستقرارية و حضورا في الجغرافيا خلال المائة عام الماضية . فأربع موضوعات بقيت تقليدية هي : الإنسان والأرض ، المكان أو الإقليم ، الموقع و الخارطة . وهذا الثبات قد أوحى عنوان المقال . بالتأكيد فان العالم في عام 2004 ليس كما كان عام 1904 ، ومع هذا  فالقول الفرنسي المعروف
( الأشياء الأكثر تغيرا ، هي الأكثر بقاء كما هي)  صحيح .
الأسماء المخصصة للموضوعات الأربعة الدائمة متنوعة بتنوع الباحثين ، والى حد ما ، مع الزمن أيضا . وان الفصل بينها إما يضفي عليها بريقا أو يفقدها ذلك ، بين الفصل الكامل
و التفاعل القوي .  وقد حصل فصل إضافي آخر في الجغرافيا  : جغرافيا بشرية وأخرى طبيعية ، ومتخصصون بالموضوع أو في التوجه والمنحى البحثي ، مثل جغرافيا سياسية أم تاريخية ، أو موارد طبيعية  أو مدن . وقد عدت بعض هذه التفرعات من الجغرافيا علوما بحد ذاتها . ويبدو ان هذا مرتبط بالجغرافيين المعنيين  وبالتوسعات في الموضوع نفسه ، و في الموضة وباهتمام قادة الميدان ، أو ظهور وجهات نظر جديدة تتعلق بحدود ميدان التخصص . ولما كان تعريف التاريخ بأنه دراسة الظاهرة عبر الزمن ، فان الجغرافيا هي دراسة الظاهرة في المجال ، وقد يوفر هذا دليلا بسيطا لماهية الجغرافيا .

استمرارية التغير في الأرض والمجتمع
لقد شهد القرن الماضي تبدلات كبيرة في العلم ، وفي التقنيات ، وفي الحضارة ، وفي المجتمع . ومعظم هذه التغيرات حاضرة في موضوعات الجغرافيا الأربع . باختصار فان وصف أي منها و باهتمام خاص ، فان التركيز ينصب على موضوع الإنسان – الأرض ، والذي  يسمى الآن  المجتمع والبيئة .

العلم و التقنيات

بسبب ارتباط الجغرافيا بالأرض فان النظرة الاسترجاعية لمائة عام الماضية تميز المظاهر الرئيسية التالية  : الثورية ، الفائدة ، والموضوعية . ان مفهوم الصفحة التكتونية  وقاع البحر قد فصلا بشكل ثوري ميدان الجيولوجيا أواسط القرن الماضي . باعتماد الذبذبات الصوتية لقاع المحيط خلال الحرب العالمية الثانية قد أوجدت المفاهيم الثورية عن التنوع الكبير لطوبوغرافية قاع المحيط والأقاليم التي يشكلها . بالمثل فان تحليل العديد من المظاهر الطبيعية (الفرق الواضح بين نطاقات السواحل في حافات القارات ، التوزيع المكاني للعديد من الأقاليم الطبيعية ، كذلك مواقع النطاقات النشطة تكتونيا و بركانيا)  يمكن وضعها ضمن هيكل الصفحة التكتونية . وهذا الهيكل له أهمية رئيسية في الجغرافيا سواء أكان التركيز على التاريخ ، الجيومورفولوجيا ، أو الفيزيوغرافيا ، شكل الأرض و العمليات ، فالمصطلحات تستخدم في بعض الأحيان كمرادفات .
التقنيات الجديدة غير الاعتيادية قد أمكنت الإنسان من قياس الوقت و المجال بدقة اكثر موفرة أدوات لتحليل المواد الفيزياوية ، الكيماوية و الحيوية . بالإضافة إلى الكومبيوترات
و الأقمار الصناعية ، النظائر المشعة و غيرها من قائمة طويلة . فالأقمار الصناعية قد مكنت الإنسان  من ملاحظة الأرض بشكل مستمر (يابس ، ماء ، وهواء) . والنظائر المشعة قد وفرت آلية تحديد تدفق المواد عبر النظم الأرضية والقدرة على توفير توقيت مطلق ،  ليس لمتابعة الطبقات وتشكلها فقط ، ولكن (والأكثر حداثة) ،  أشكال سطح الأرض . أما قياس الكتل الطيفية فقد طور القدرة على قياس التركزات الصغيرة للتراكيب الكيمياوية في ما لا يحصى عدده من المواد الجوهرية ، طبيعية وبشرية ، المشكلة للغلاف اليابس ، والغلاف الغازي ، والغلاف السائل، و الغلاف الحيوي للعالم .
  الموضوع السائد في الجغرافيا الطبيعية ،  والآن متميز في الجغرافيا البشرية ، وعلى الأقل خلال النصف الثاني من القرن الماضي ، هو المناخ . فالمناخ قد اصبح من اكثر العوامل أهمية في تحديد الأقاليم الجغرافية وهو من اكثر العوامل سيادة في تحليل استعمال الإنسان للبيئة
وتكيفه معها . وعلى الرغم من آلية و منظور مساهمات الإنسان في الاحتباس الحراري الذي قد تم وصفه قبل قرن مضى ، إلا ان تمييز اهتمامات العامة والمختصين في المناخ عبر الأربعين سنة الماضية يدل على تمييز مساهمة الإنسان في التبدلات المناخية المعاصرة . وهذا قد حفز مشاريع بحثية رئيسية وتوجيهها لاكتشاف قوة التبدلات والآلية التي أدت إلى ذلك ، والتأثيرات الضمنية لتبدلات المناخ على البيئة وعلى شؤون الإنسان المختلفة .
مع أواسط القرن الماضي كانت الثورة الكمية المظهر البارز في الدراسات الجغرافية ، صاحبها التوجه نفسه في الجيولوجيا وفي العديد من العلوم الاجتماعية . وفي الجغرافيا الطبيعية ، وبشكل خاص في الفيزيوغرافيا ، فان التوجه الكمي قد اسهم في التركيز على العمليات الجيمورفية مقابل تطور المظهر الأرضي . وقياس مورفولوجية الظهير الأرضي ، الأنهار ، سفوح التلال ، والمرتفعات وعلى امتداد الأحواض النهرية . و قد تم تركيز التقصي عن التنظيم والتراتب في الظهير الأرضي الذي يوحيه ثبات أو انتظام القياسات التجريبية .  وفي الوقت الذي كان الاهتمام بتطور المظهر الأرضي عبر فترة جيولوجية كبيرة ، فقد تحول الاهتمام إلى فكرة نماذج العملية – الاستجابة في محاولة لتفسير أشكال سطح الأرض . وقد ظهرت مفاهيم التوازن و شبه التوازن مع توازن كتل الماء وتدفقات الترسبات في نظم هياكل العمل . وبطرق ما ، فقد تطابق الاهتمام بالتوازن مع وجهات النظر في الايكولوجيا آنذاك .
وكما هو في اكثر الأبحاث الجغرافية ، فهناك مسالتان جوهريتان ، الوقت و المجال فقد واجها وباستمرار اكثر المشاكل تحديا . ففي المعظم فان الجيومورفولوجيين و جغرافيو الطبيعة قد استبدلو المجال للزمن عند غياب ملاحظات متتابعة في مكان معين ولفترة زمنية طويلة . وفي الفترات الزمنية القصيرة فان الحدث المفرد ، مناخي كان ، تكتوني ، أو بشري ، فانه قد يبدل جذريا المظاهر في سطح الأرض أو يحول المظهر الأرضي بكاملة إلى شكل آخر . والتبدلات المناخية ذات مقياس زمني طويل تكون علاماتها بفترات تتم خلالها عمليات معينة ذات أهمية قد تنتج أشكالا مختلفة من سطح الأرض .  بالمقابل فان الأزمنة الجيولوجية تكون أطول . إنها تقدم عنصرين مهمين  ولكنهما مترابطين ، فبعض المظاهر الجيمورفولوجية قد نتجت عن الماضي ولكنها تقاوم لملايين السنين . وفي الوقت نفسه ، فان العديد من أشكال سطح الأرض وعبر فترة زمنية طويلة قد (ذابت) ونتج عن ذلك أقاليم ذات مرتفعات واطئة . ومن الأسئلة ، الصعبة كيفية إرجاع تأثير العمليات وعبر مختلف المقاييس الزمنية إلى استيطان الإنسان للأرض . وبالعودة إلى بداية القرن العشرين فان نموذج تطور المظهر الأرضي عبر فترة زمنية طويلة نتيجة التركيب ، العمليات ، ومرحلة التشكيل الذي قدمه ويليام مورس ديفز (1899) يبدو غير ذي علاقة لتحليل المظهر الأرضي البشري . بالجانب الآخر ، فان خصائص العمليات الحديثة ، على سبيل المثال ، وحدوث المخاطر الطبيعية فانه ذي علاقة واضحة . بالمقابل فان تذبذب العمليات وتبدلات في شكل سطح  الأرض تصاحب النظم المناخية المختلفة .
ويفرض المقياس المكاني مشاكل أخرى ، فدراسة انتقال الحصى في الجداول أو السيول لتقييم التعرية في سفوح التلال لا يفسر كيفية تكون الجبال . فالاثنان مساهمان ، الزمن والمجال . وفي العقود الماضية فان نماذج الحاسبة الإلكترونية عن تطور المظهر الأرضي بدأت بتوفير هيكل جديد لدراسة كمية لأشكال سطح الأرض . فالنماذج الكمية عن تطور المقطع الطولي للأنهر مستندا على افتراض بسيط عن الارتفاع uplift والتعرية يمكن ان تحاكي مفاهيمنا عن العمليات . واكثر حداثة ، نماذج تضم مبادئ نقل الترسبات والتعرية لصخور القشرة ، حيث يبدو أنها تتطابق مع مظاهر مورفولوجية الجبال ، قدمات الجبال ، وأقاليم الأراضي المنخفضة . ويبدو ان مثل هذه النماذج تمتد بين المقاييس من الدقيق إلى الكبير . مع هذا ، فان اختبار درجة توافق العمليات مع الشكل يبقى غير واضحا .   ان القدرة على تحديد تاريخ تعرض سطح الأرض إلى الارتفاع
و التعرية قد أضافا بعض المحددات للنموذج .
قادت ثلاثة اتجاهات رئيسية في علوم الأرض العديد من المعطيات في أبحاث الجغرافيا الطبيعية والبشرية . وبشكل مصاحب فان الجغرافيا الطبيعية قد تغيرت إلى نظام علوم الأرض محتفظة بمفاهيم المنهج التكاملي للأرض ، الماء ، الهواء و الحياتية . وعلى طول النظرة الكلية فان المختصين يزداد عددهم . و تعكس موضوعات الفيزيوغرافيا و المجتمع – الطبيعة وجهة النظر هذه . وعدد من معطيات هذه القصة قابلة للتطبيق في العديد من الموضوعات الجغرافية .

المجتمع والبيئة

         ان التفاعل بين نشاطات الإنسان والبيئة الطبيعية من الاهتمامات الثابتة في الجغرافيا ،  وتعود في جذورها إلى كتابات هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد ، والى الالكسندر فون همبولت في القرن التاسع عشر . وقد عرض كلاكن Glacken في أطروحته الموسومة "آثار على ساحل روديسيا" التغيرات والتنوع في المواقف تجاه الطبيعة ومكان الإنسان فيها . والى حد ما ، فان تفاعل الإنسان مع عمليات الطبيعة في إيجاد و تعديل المظهر الأرضي قد اصبحا قريبين لدرجة يشكلان تركيبا للعديد من المظاهر الجغرافية . فخصائص الأقاليم أو الأماكن لا يمكن فصلها عن التوزيع المكاني ، كلاهما موصوف بالرسم ، وبالخرائط تتضح هذه العلاقات ، وهي تتسع مع الأيام . وفي الوقت الذي يكون فيه نشاط الإنسان على الأرض (في المجال) مؤثرا أو متأثرا بالبيئة ، فان الظواهر المهمة الاقتصادية ، والاجتماعية و الحضارية فإنها في الغالب تضم العديد من العناصر المكانية القوية ، وعناصر أخرى تكون فيها العناصر البيئية الطبيعية أو الحيوية صغيرة جدا . وقد ميز كلاكن خطرين ، التأثير البيئي و الإنسان كعوامل جغرافية . واليوم اكثر من أي وقت مضى ، فان المظهر الطبيعي يرى كمسرح يمثل عليه الإنسان . بالمقابل ، وعلى الرغم من الجذور التاريخية العميقة ، فان تأثير البيئة على شؤون الإنسان قد وردت في كتابات هوتنكتن (1945) و آرائه انتشرت  في القرن الماضي وتتوجت بفكرة الحتم البيئي . وعلى الرغم من تمييز أهمية الجغرافيا والعمليات الطبيعية ، ورغم ان الجغرافيين قد استعرضوا بشكل واسع مفهوم "الحتمية" ، إلا انه كان بسيط جدا لدرجة لا يساعد في تفسير العديد من العوامل المؤثرة في توزيع المستقرات البشرية على سطح الأرض .
         وبتمييز واضح لدور الإنسان كعامل جغرافي جاء كتاب جورج بيركنز مارش (الإنسان والطبيعة أو الجغرافيا الطبيعية كما عدلها نشاط الإنسان) (1864) . وبتأشير التأثيرات المدمرة على الزراعة ، وعلى الأعشاب ، وأثر قطع الغابات على المظهر الأرضي ، فانه في الشرق الأوسط وفي أوربا فان التأثيرات العديدة لنشاطات الإنسان واضحة حسب رأي مارش . وفي عام (1956) صدر كتاب بعنوان (دور الإنسان في تغيير وجه الأرض) ،  وفي عام (1990) صدر كتاب ( الأرض كما حورها نشاط الإنسان) ، وكلاهما يعكسان التأثير التراكمي لنشاطات الإنسان على الأرض و منافسته للقوى الطبيعية في التغيير .
         و يتفاقم تأثير الإنسان  بنسبة أسية (مرفوع إلى قوة) جراء انبعاث الملوثات وانتشارها على الأرض ، وفي الهواء وفي الماء وانتشارها على مستوى العالم . وبمفردات اليوم فان تأثير التوسع الحضري لا يشمل مشكلة الفضلات فقط ، بل ومشكلة توفير الطعام و الماء الصالح للشرب للسكان الحضر .
         وبحدود فان الثورة الكمية تشكل قوة موحدة للجغرافيا ، على الأقل في جلب مختلف الاهتمامات لمناقشة موضوع مشترك عام ، رافق ذلك تطور النمذجة باستخدام الكومبيوتر ، ونظم المعلومات الجغرافية  ، التي حولت الميدان إلى تجسيد الكتروني ومكنت من القيام بدراسات اكثر شمولية لعمليات سطح الأرض ونشاطات الإنسان و تفاعلهما . ونتيجة الاهتمام بالتغيرات المناخية، فقد طورت نماذج تكاملية  عن دينامية الغلاف الغازي ، ودرس التنوع في غطاء الأرض في المجال والزمان في وقت واحد ، ونظر لها مع خيارات صناعة القرارات . وقد جاءت هذه الدراسات نتيجة تعاون الجغرافيون مع باحثين في تخصصات علمية متنوعة .، وقد كانت الخطوات الجبارة لتطوير نماذج معقدة كبيرة . ومن هذه الأبحاث جاء التحذير : فضلات تدخل – فضلات تخرج ، وهل الافتراضات معقولة ؟ هل تمثل الواقع ؟  وبشكل اكثر صعوبة ، كيف يمكن ان يدرك الشخص مخرجات نموذج مكون من آلاف الكيكابايتgigabytes   (وحدة قياس كبيرة جدا لذاكرة الحاسبة الإلكترونية) ؟. هذه أسئلة صعبة ، إلا ان المنظور يأخذ بالأنفاس .
         وبتمييز مستوى و عدد التفاعلات الذي لا يعد ولا يحصى بين الإنسان والبيئة فان الصعوبة تزداد لإيجاد تمييز حاد فاصل بين تأثير البيئة على المجتمع ،  و الإنسان كعامل جغرافي مؤثر على البيئة . اكثر من هذا ، فان هذه العلاقة المتبادلة  تمييز حقيقة مفادها ان الطريقة التي تستخدم بها الأرض في مكان معين هي ليست ناتجة عن ظواهر أصلية في المظهر الأرضي ولكن في الغالب عن قوى اجتماعية من مواقع بعيدة . فالنشاطات البشرية ليست ببساطة ((تعدل)) ولكنها تشكل و تنتج بيئات جديدة .
         لذا فان ثوران المتحمسين للكمية و النماذج يدعو إلى استجابة العديد من الجغرافيين وغيرهم القائلين بالتنوع اللانهائي للمؤثرات البشرية ، والحضارية ، والاجتماعية ، و الاقتصادية على سلوك الإنسان ، فهي عديدة لا يمكن حصرها  بالعدد الذي تتقبله نماذج الحاسبة على كثرتها. وفي الواقع فان محاولات تكميم السلوك البشري قد يحجب أو يضلل استيعاب أسباب وكيفية استخدام المجتمعات و تبديلها لمظهر الأرض . مع هذا ، فان هذه الخصائص الاجتماعية هي مركز تفسير كيف يدرك الإنسان المجال وينتجه ، وهذه هي الجغرافيا . وهذا تعارض مهم بين العام و الخاص ، وسيخضع هذا إلى تعليق موجز عن الإقليم و المكان .

تتغير الصورة وتبق الموضوعات ثابتة

         تتوالى البراهين عن تأثير الإنسان على النظم الطبيعية في الأرض ، بما فيها تأثيره على التغيرات المناخية ، وقد حفزت هذه التغيرات طلبات لصيانة الطبيعة والحفاظ عليها . بالطرف المقابل ، فإنها حملت أفكارا مفادها ان البيئة الطبيعية ساكنة static وان محدودية نشاطات الإنسان لم تؤثر على المنظر الطبيعي الذي لم يتشوش بعد . ولكن هذا غير صحيح . ومن الصعب تصور ان تدميرا مستمرا للمظهر الطبيعي  سيجعل من موطن الإنسان  (الأرض) فعالا في المستقبل .
         ومن وجهة نظر مهنية فان دراسة المجتمع والبيئة هو موضوع تقليدي في الجغرافيا وله عمر بحد ذاته . فهناك برامج ، وأقسام علمية ، ومدارس وحتى جامعات متخصصة بالبيئة ، قد ازدهرت ، والعديد منها مستقلة عن الجغرافيا . وكثير منها اقترحت وتمت رعايتها في مؤسسات مزدهرة يقودها جغرافيون ، ولم يكن هذا عرضيا ولكن ليقودوها إلى رحاب الجغرافيا . وهذه الظاهرة ليست حكرا على موضوع الإنسان والبيئة في الجغرافيا .
         لقد ازدهرت الدراسات الحضرية في ستينات القرن الماضي ، وفي بعض الأحيان بالاشتراك مع التخطيط . وكان الجغرافيون في مقدمة هذا المسعى ، الذي شهد ولادة عدد من التخصصات الثانوية مثل الاقتصاد الحضري و التخطيط الحضري . والنماذج الجغرافية الكلاسيكية لكرستالر و لوش والتي أكملت بنماذج جديدة تستند التوزيع المكاني المتوقع للإيجارات والتأثير الأكثر أهمية لايزارد الذي طور نظرية الموقع وعلم الإقليم الذين لعبا دورا رئيسيا في الدراسات الإقليمية .
         يمكن تصنيف الدراسات الحضرية كدراسة منطقة (إقليم) ، أو مكان ، أو موضوع مكاني ، وجميعها جغرافيا . وان التركيز على الحضر \ الإقليم  له توجهه الكمي القوي . فالفرضيات العلمية قد وضعت لتفسير القوى المحفزة لإنتاج الجغرافية الاجتماعية ، والحضارية ، والعمرانية استنادا إلى نظريات اقتصادية ، أو كلاسيكية ، أو ماركسية قصد استيعاب المجال
والعرق . وقد خصص التقصي الفلسفي الغني لاستكشاف سبلا جديدة للنظر إلى الإقليم والمكان ، بما فيها التمييز بين العلم النظري و العلم المحدد ، وقد كان هذا ليس في الجغرافيا وحدها بل في النظرية الاجتماعية ، كما ورد في أعمال هارفي و انتريكن و توان و العديد غيرهم . وهذه التقصيات هي التي أعطت الجغرافيا شمولية لمعظم وجهات نظرها . لقد عززت الخصائص الانتقائية للميدان ، موفرة سبل استيعاب معطيات الموضوعات الأربع : المجال ، المكان ، الخرائط ، و المجتمع و البيئة . وقد رفد الجغرافيون وما زالوا ، الدراسات الحضرية والإقليمية بمساهمات رئيسة ، لكن وزن البحوث ، وميزانية البحث العلمي ، واستيعاب هذه الميادين يقع خارج الحقل الأكاديمي .
         وكان للجغرافيين دور قيادة في دراسة المناطق الأجنبية (خارج الوطن) بعد الحرب العالمية الثانية  ، وضمت الدراسات طيفا واسعا من باحثين في اللغات ، التاريخ ، علم الإنسان ، الاقتصاد ، العلوم السياسية ، وصاحب ذلك شكوك عديدة . وعلى الرغم من وجود العديد من البرامج إلا ان عددها بدأ يتضاءل ، وبإهمال ما يتعلق بالشرق الأوسط ، فان نتائج الاختبارات العرضية للمعرفة الجغرافية تأتي متطابقة ، ولعلها تنعش الجغرافيا الإقليمية . فالانتماء إلى دروس الجغرافية متزايد ، وشكرا للمحاولات التي قام بها العديد من الجغرافيين ، وشكر أيضا إلى الجمعية الجغرافية الوطنية .
         لقد جرى تحول في التحليل المكاني وبمختلف المستويات باستحداث نظم المعلومات الجغرافية . ان تكامل عدد غفير من المتغيرات المشتركة في المكان أو المجال في العالم أمر مستحيل على الورق ، والآن  أصبحت ممارسة شائعة إيجاد شبكة متغيرات باعتماد نظم الملومات الجغرافية . والأكثر من هذا ، فان التكامل قد سمح بإجراء تحليل رياضي و إحصائي للبيانات بما يعزز وصف الأنماط المكانية . وبالربط بين التحسس النائي و GIS ، ورسم الخرائط باعتماد التقنية الرقمية ، والرادار ، وتقنيات معالجة المرئيات ، إضافة إلى نظم تحديد المواقع GPS فقد انفتحت آفاقا واسعة للتحليل المكاني و دراسة العمليات على سطح الأرض من الفضاء . لقد أصبحت تقنيات GIS  في موقع القلب في المشروع الجغرافي ، وبقي الجغرافيون المساهمون الرئيسيين فيها . يضاف إلى ذلك ، فان الجغرافيون مستمرون في المساهمة في استيعاب و تفسير ما تقوم به الخرائط ، وما تحسن القيام به وما لا تؤديه بشكل جيد . وبما أن إنتاج الخرائط يستغرق وقتا وبكلفة عالية ، لذا لا يمكن السيطرة عليه لمن يرون أنفسهم جغرافيين فقط .

المستقبل

         باستعراض التبدل المذهل خلال القرن الأرضي فان مغامرة المستقبل يشوبها الهلع . وان تجربة الماضي القريب قد توحي باتجاهات التقصي في المستقبل القريب . وبينما تعكس الموضوعات توجهات الجغرافيا الطبيعية ، إلا ان تغطية السلوك البشري وما يحيط به يشكل اهتماما وتنوعا . وفي الوقت نفسه فان استمرار المساعي المستقلة و النوعية و التحليل الذاتي ستحافظ على أهميتها .
         ان النماذج الكبيرة والمعقدة والشاملة للنظم الأرضية و تفاعلاتها مع نشاطات الإنسان سيبقى لها دور في المشاريع الجغرافية . وعلى الرغم من توجيه الاهتمام نحو البيئة إلا ان النماذج ستسلط الضوء على عدد كبير من العناصر المنفصلة في النقل أو التصاميم الحضرية مثلا . وسيصاحب ذلك عبء في الفهم وتفسير النتائج لمثل هذه النماذج ، ويجب ان يكون هذا مرافقا لتطويرها ونموها .
         ان تقنيات الملاحظة ، وعلى مختلف المقاييس الجغرافية ، ستسمح بزيادة التغطية المكانية في جانب ، مع تعاظم الدقة في الجانب الآخر . كذلك ستتطور و تزداد  طرائق تبويب و معالجة البيانات المكتسبة بواسطة هذه التقنيات . وببعض الوسائل في الاستقطاب المقابل من المقياس
و التقصي ، وجزئيا موجه لإيجاد نماذج تتطلب استيعاب العمليات ، و جزئيا لتسهيل تقنيات الملاحظات و القياس فان الدراسة الميدانية ومعالجاتها ستزدهر هي الأخرى . فالنماذج الذكية هي ليست بديلا عن ملاحظة البيانات الأساسية ، بل ان الاثنين مكملان لبعض . وبشكل مهم وخاص في الجغرافيا الطبيعية ، ولربما في الأجواء الاجتماعية تكون الحاجة إلى برامج ملاحظة لفترة زمنية طويلة .
                  ان وجهة النظر المكانية ، أو الجغرافية هي جوهرية في إضفاء معنى لتاريخ الإنسان و الحاضر المتبدل بشكل مستمر . فالتوليف (التركيب) مهم وجوهري إذا كان الهدف إيجاد شيء جديد وافضل من مجموع أجزاء منفصلة . وتتطلب العديد من العناصر التي تؤثر  بالطريقة التي يستوعب بها الإنسان و يمارس فيها نشاطاته على سطح الأرض عمقا وسعة أفق
و ارتباط نادر . فالمسالة محيرة و لها مشاكلها ، ولكنها مهمة و ساحرة .
         وعلى الرغم التغيرات التي لا يمكن تفاديها ، إلا ان الموضوعات الأربع للجغرافيا (المكان، الموقع المكاني ، الخارطة ، والتفاعل بين المجتمع والبيئة) ستبقى ثابتة . وكما تم ملاحظته آنفا ، فإنها متداخلة ، وللجغرافيا حق تاريخي متفرد في كل منها . إضافة إلى ذلك ، ففي اللحظة التي يستفيق العالم فيه على الأهمية للعلاقة المتبادلة بين المجتمع والبيئة (مشكلة حقيقية طبيعية – اجتماعية – جغرافية) فان الجغرافيا تبنى على ارثها المتفرد فرصة و مسؤولية لتوفير نظرة ثاقبة لمسائل العالم . فالأدوات الجديدة للملاحظة ، وعلى مقاييس مختلفة ،  تسهل عملية التعاون واقامة دراسات مشتركة . يصاحب ذلك تعاظم الإدراك بأهمية موضوع المجتمع – البيئة ، وهذا ما يعزز الفرصة للتعاون العلمي المشترك . والنتائج الجديدة ، والتقنيات الجديدة ، و الإقرار الواسع بالمسالة وأهميتها ، فإنها جميعا تؤدي إلى تغير هائل . وما بقي كما هو ، موضوع الجغرافيا نفسه .
         هل ان التركيز على المجتمع – الطبيعة سيكون وحده الموحد لتعريف الجغرافيا وبما يرضي مختلف التخصصات و زوايا النظر ؟ ولربما لا ، فالعديد من مظاهر نشاطات الإنسان
و سلوكه يمكن ان تستفيد من المنظور الجغرافي الذي يركز على المجال أو المكان أو على الخارطة كوسيلة لإدراك توزيع الخصائص في المجال . وفي الوقت نفسه ، وعلى امتداد الميدان تبقى تقصيات خاصة وأماكن طموح و جدال و إقناع في حقل الجغرافيا مطلوبة كمنظور و طموح لرؤية سلوك الإنسان تاريخيا ، و بيئة العالم هي التي تدعو إلى ذلك .
 



¨ Annals of the Association of American Geographers , 94(4) , 2004 , pp. 723 - 728 

ليست هناك تعليقات :

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية