نقص الغذاء والأمن الغذائي العالمي " الدكتور مهدي الزغبي - جامعة دمشق- كلية الأداب الثانية - قسم الجغرافيا





























 نقص الغذاء والأمن الغذائي العالمي " الدكتور مهدي الزغبي - جامعة دمشق- كلية الأداب الثانية - قسم الجغرافيا




 يواجه العالم في الظروف الراهنة مشكلة حادة تتعلق بعدم كفاية الغذاء بالنسبة لعدد كبير من سكانه، ومن تدني مستوى الاكتفاء الذاتي الغذائي واتساع رقعة سوء التغذية في العديد من مناطقه، مما جعل مشكلة الغذاء مركز اهتمام العديد من العلوم لما لها من انعكاسات خطيرة، وكانت جغرافية الزراعة في مقدمة هذه العلوم، حيث تتناول الجغرافية هذه المشكلة من جوانبها المختلفة وتحاول معالجتها بأسلوبها المتميزة والمعروف بالوصف والتوزيع والتركيب التحليل ومن ثم وضع الحلول، وعلى الصفحات القليلة التالية محاولة للتعريف في هذه المشكلة ومن ثم توضيح لأهم أسبابها وأخيراً محاولة لتبيان إمكانيات حلها: أ- التعريف بالمشكلة: تفيد العديد من تقارير الأمم المتحدة أن ملايين من البشر يموتون من سوء التغذية والجوع كل عام، ويقصد بسوء التغذية عدم كفاية الفرد من البروتينات والفيتامينات اللازمة لاحتياجات الجسم، والتي قد تعود أساساً لنقص الطعام، أما الجوع فهو عدم كفاية السعرات الحرارية اللازمة للجسم في الغذاء الذي يتناوله الإنسان والذي يقدر بنحو 2000 من السعرات الحرارية Calories يومياً ليقوم الجسم بوظائفه الحيوية، والمؤسف هنا أن هذا الرقم غير متوفر لقسم كبير من البشر يقدر بنحو الثلثين وهو الذي يعيش في جنوب شرق آسيا وشمال غرب أمريكا الجنوبية ومعظم أفريقيا(1). وتنطوي تقديرات التطورات الأخيرة في مجال الأمن الغذائي على عدد من الصعوبات، بالنظر إلى عدم كفاية البيانات الخاصة بعدد كبير من البلدان، 

ورغم ذلك فأن بعض هذه البيانات تقدم وبدون أدنى شك عدداً من النماذج والأمثلة التي تساعد في التوصل إلى استنتاجات منطقية في هذا المجال، فمثلاً في الفترة الممتدة مابين عامي ( 1989- 1991) كان هناك 14 بلداً فقط يقل فيها مستوى إمدادات الطاقة الغذائية عن 2000 سعة حرارية، إلا أن هذا العدد قد زاد إلى عشرين دولة مع مطلع القرن الحالي، كما أشارت المعطيات إلى أن أكثر من 29 دولة تعرضت في منتصف العام 2001 إلى نقص حاد في المواد الغذائية وكانت بحاجة إلى معونات غذائية، وكان أكثر من نصف هذه الدول في أفريقيا، وثلاث دول في أسيا هي أفغانستان وكمبوديا ومنغوليا، وكانت في مقدمة البلدان الأفريقية التي شهدت أسوء تدهور في إمدادات الطاقة توجو وتنزانيا وليبيريا والصومال والكونغو الديمقراطية وزمبابوي(2). وقد أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن سوء التغذية يمثل أعظم تهديد يواجه الصحة العامة على سطح الكرة الأرضية، وأظهرت الدراسات الصادرة عن هذه المنظمة أن واحد من كل أثني عشر فرداً عبر أرجاء العالم يموت بسبب سوء التغذية، وقدر معدل الوفيات الناجمة عن سوء التغذية بنحو 58% من إجمالي معدل الوفيات في عام 2006 حيث لقي نحو 36 مليون فرداً مصرعهم بسبب المجاعات أو الأمراض الناجمة عن نقص التغذية، كما أقرت المنظمة المذكورة أن سوء التغذية يمثل المساهم الأكبر ضمن الأسباب المؤدية إلى وفاة الأطفال، ويتوقع الخبراء أنه بحلول 2025 سيرتفع عدد الأشخاص الذين سيعانون من نقص في الغذاء إلى أكثر من 1.4 مليار نسمة (3). وتظهر معطيات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة FAO مدى حدة وحجم المشكلة، حيث تشير هذه المعطيات إلى إن عشرات الملايين في العالم مهددون بالموت في الوقت الراهن، بسبب الجوع والأمراض الناجمة عن سوء التغذية، في حين أن أكثر من مليار ونصف المليار إنسان يعانون من الجوع ومن مختلف أشكال سوء التغذية، وثمة تقديرات تفيد بأن ربع أطفال البلدان النامية يعانون في هذا الوقت من سوء التغذية، وتبعاً لمعطيات الأمم المتحدة فإن سبعة ملايين طفل يموتون سنويا بسبب الجوع، أي حوالي ألف طفل في اليوم الواحد، أي طفل واحد خلال كل خمس ثوان، ووفقاً لتقديرات البنك الدولي فإن 19 مليون شخص معرضين للجوع وسوء التغذية في منطقة الساحل الغربي لأفريقيا، وفي 2013 كان ثمة 34 بلداً في حاجة إلى معونات غذائية خارجية منها 27 بلداً في إفريقيا (4). ومن هنا يتضح حجم مشكلة الغذاء في العالم بصفة خاصة، والتي أصبحت واحدة من المشكلات الكونية التي تواجهها البشرية جمعاء، لا بل ربما أكثرها حدة في عصرنا الحالي، كونها تمس مباشرة حياة وبقاء مئات الملايين من الناس، وتتجلى كونية المشكلة الغذائية على نحو آخر أيضاً، ففي حين تعاني بلدان عديدة من الجوع وسوء التغذية، تسعى بلدان أخرى إلى تحقيق التوازن في الوجبات الغذائية وفي نوعية الغذاء، وفي الوقت نفسه تجهد بلدان عديدة أخرى لحلّ مشكلة الفائض في المواد الغذائية أو معالجة المشكلات الصحية الناجمة عن الإفراط في استهلاكها لدى بعض الشرائح الاجتماعية فيها.

 وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلت على المستوى العالمي لمواجهة هذا الخطر والتي بدأت عندما دعا مؤتمر دول عدم الانحياز في الجزائر في عام 1973 إلى عقد مؤتمر عالمي للنظر في مشكلة الغذاء، ثم توالت بعدها العديد من الجهود المبذولة في المضمار نفسه وخاصة تلك التي قادتها الأمم المتحدة، والتي دعت إلى وضع سياسة عالمية لمواجهة هذه المشكلة، كما دعت إلى زيادة المعونات التي تقدم للدول الفقيرة عن طريق برنامج الغذاء العالمي (WEP) وضمان الاستقرار لتجارة المنتجات الغذائية، وإلى تكوين مخزون من السلع الغذائية الضرورية ليتحقق تأمين الغذاء وفقاً لتعهد دولي تحترمه جميع الدول، غير أن الجهود المبذولة ليست كافية لحل هذه المشكلة، إذ أن الدول النامية عليها أن تتحرك فيما بينها، فالأمر يعنيها بالدرجة الأولى(5). فالفقر وانعدام الأمن الغذائي مازالا وجهان لعملة واحدة في قسم كبير من دول العالم الثالث، ولقد حدثت تغيرات جذرية في الزراعة في بعض هذه الدول، مثل تكوين المجتمعات الريفية وأدوارها، والأهمية النسبية للإنتاج الزراعي في الاقتصاد ككل، ودور الحكومة في التغيرات الاقتصادية، ومع ذلك فمن المهم أن تكون السياسات العامة المتبعة لهذه الدول"صحيحة"، بخاصة في تلك البلدان التي تملك قاعدة موارد طبيعية ضيقة واقتصاديات هزيلة، حيث يرتبط الأمن الغذائي هنا ارتباطاً وثيقاً بتحسن التجارة، وتنويع 




الإنتاج الزراعي، وإدارة الموارد الطبيعية، ومن هنا فإن التركيز على مشكلات زراعية معينة له دوره الكبير في تحقيق الأمن الغذائي المستدام، فالإنتاج الزراعي والصناعات التي ترتبط به سيظلان قاعدة أساسية لا للأمن الغذائي العالمي فحسب، وإنما لحياة مئات الملايين في القرن الحادي والعشرين. مما سبق يتبين لنا أن هناك مشكلة غذاء حقيقية يواجهها العالم وأن هذه المشكلة حادة وتستحق كل الاهتمام الذي أصبح يوجه إليها في الوقت الحاضر، مما يستدعي الوقوف على أهم أسبابها هذه المشكلة ووضع التصورات الممكنة لحلها. ب- أسباب المشكلة: إن من أهم أسباب المشكلة الغذائية العالمية هو ذلك الاختلال مابين نمو الإنتاج الزراعي- الغذائي، ونمو السكان الذي يتم بوتائر متسارعة في البلدان النامية كما سبق ورأينا، وإذا كان التزايد السكاني لايشكل مشكلة كبيرة في الدول المتقدمة حيث أنه إلى جانب كونه محدوداً بالنسبة للزيادة في الدول النامية، فأن الدول المتقدمة لها قدرة عالية على توفير الغذاء، وهكذا فأن المشكلة تبرز بشكل خطير في الدول النامية ذات النمو الديموغرافي المتزايد والقدرات المحدودة على توفير الغذاء، وهذه الدول هي التي تعاني من المشكلة الغذائية الحقيقة. ناهيك عن تخلف وسائل الزراعة وبدائيتها، وعدم تطبيق الأساليب العلمية والعصرية في الزراعة، وعدم اهتمام السلطات السياسية في الدول النامية بالزراعة بالشكل المطلوب، فنجد كثير من الأراضي تعاني من مشاكل كثيرة أهمها التملح والجفاف والتلوث والأمراض والآفات التي تصيب الإنسان والحيوان والنبات، وفقر الفلاح وعدم امتلاكه لرأس المال اللازم للزراعة، وضيق الرقعة الزراعية وتقزمها خاصة في الدول المزدحمة بالسكان كمصر والهند واندونيسيا، حيث تظهر البطالة المقنعة في الزراعة بشكل واضح، هذا عدا عن سوء التخزين وعدم وجود وسائل فعالة للحفاظ على الإنتاج، 


فعلي سبيل يتسبب سوء التخزين بإتلاف حوالي30% من المحصول الغذائي في تنزانيا بواسطة الحشرات، وإضافة إلى كل ماسبق تنتشر الصراعات المحلية وهي من أخطر الكوارث الإنسانية التي ابتلت بها دول العالم النامي، فالصراعات القبلية والعرقية في كل من السودان والصومال وأثيوبيا وغيرها تكون علي حساب إنتاج الغذاء التي ستحصل عليه من الخارج بل وتعيق فرص التنمية في هذه الدول، ولن تتحقق زيادة مستويات المعيشة بإنتاج لا يتعدى مستوى الكفاف، وإن قلة المهارات والمعارف والتكنولوجيات الملائمة مقرونة بعدم كفاية فرص الوصول إلى الأسواق، والسلع والخدمات، وسوء حالة المؤسسات، كلّها عوامل تؤدي إلى إعاقة زيادة الإنتاجية، والنتيجة هي أن مستوى الإنتاج والإنتاجية ما زال أدنى من الإمكانات المتاحة (6). 

أن تخلف غالبية البلدان النامية، والذي يتجلى في تدني مستوى تطور القوى المنتجة في الزراعة، وفي تخصصها الضيق في مجالي الزراعة وإنتاج المواد الأولية، وفي فقر السواد الأعظم من السكان وضعف قدراتهم الشرائية، يفاقم بدوره المشكلة الغذائية لديها، فضلاً عن ذلك كله، فإن تركيز بعض هذه البلدان على إنتاج السلع الزراعية المخصصة للتصدير، والتي تخصص لها أفضل الأراضي وأكثرها خصوبة على حساب المواد الغذائية التي لا تزال في الغالب تنتج في ظروف تقليدية وبدائية، وكل ذلك يجعل إنتاجية العامل في القطاع الزراعي في هذه البلدان يؤمن الطعام لشخصين فقط في أفضل الأحوال، في حين إن مثيله في البلدان الغربية يطعم أكثر من 20 شخصاً، وتصل هذه النسبة إلى 80 شخصاً في الولايات المتحدة الأمريكية (7). وأن واحد ومن العوامل التي لا تقل أهمية عما سبق وذكر في ظهور وتفاقم المشكلة الغذائية، يتمثل في الدور المهم الذي تلعبه الشركات العابرة للقوميات في الاقتصاد العالمي وفي اقتصاديات البلدان النامية تحديداً، فهذه الشركات فرضت نفسها كلاعب رئيسي وأساسي في أسواق المواد الغذائية إنتاجاً وتسويقاً، حيث تمارس احتكارها لهذه المواد وتستخدمها في حالات عديدة كسلعة للمضاربة في أسواق أخضعت كل شيء للتسليع ولمنطق الربح، كالأرض والماء والغذاء والدواء وغيرها (8)، وقد صارت هذه الشركات تسيطر اليوم على مساحات شاسعة من الأراضي في الأرياف في البلدان النامية، سواء من خلال شرائها أو استئجارها لسنوات طويلة وبمبالغ رمزية، أو من خلال الدخول كشريك مع جهات داخلية غالباً ما تكون قريبة من مراكز القرار في السلطة في البلد المعني، فتكسر هذه الشركات بنشاطها نمط الإنتاج الزراعي التقليدي المتوارث في هذا البلد، وتعيد توجيه الزراعة فيه باتجاه زراعات عصرية (( تصنيعية )) أو ترفيهية وهنا نذكر في هذا السياق ما يحصل في كينيا، التي يعاني غالبية السكان فيها من سوء التغذية نتيجة النقص الهائل في المواد الغذائية، بينما يشهد هذا البلد نمواً سريعاً في زراعة الزهور، بحيث تحوّل إلى أكبر مصدّر للزهور إلى بلدان الإتحاد الأوروبي، علماً بأن القسم الأكبر من الإنتاج والصادرات يتم بواسطة شركات أجنبية (9). إن هذه الشركات الغذائية بقدر ما تتحدث عن إنتاج الغذاء، فإنها لا تتحدث عن الفول ، والذرة، والقمح، ... بل تشير بدلاً من ذلك إلى الفراولة، واللحوم، والأزهار، حارمة بذلك السكان المحليين من زراعاتهم المحلية، والتي تؤمن حاجاتهم الغذائية الضرورية، مع ما ينطوي عليه ذلك من تهديد للأمن الغذائي في البلدان النامية، ولا تعمل تلك الشركات على احتكار سوق المواد الغذائية في العالم فحسب، بل وتحدد أسعارها من دون ارتباط بقانون العرض والطلب في أغلب الأحيان، ومن دون الحاجة إلى السوق، فالغذاء ينتج ليس من أجل إطعام الناس بقدر ما ينتج من أجل جني الأرباح القصوى، ولهذه الغاية تحدد الأسعار، بحيث تصبح المواد الغذائية الأساسية بعيدة عن متناول أعداد متزايدة من الناس في مختلف أنحاء العالم وليس في البلدان النامية وحدها، فارتفاع أسعار هذه المواد وبنسب مفتعلة ومبالغ فيها في أحيان كثيرة، هو أحد الأسباب والعوامل التي تساهم في تفاقم المشكلة الغذائية في العالم (10). وتوجد ثمة أسباب أخرى، عديدة ومتداخلة، تساهم أيضاً في ارتفاع أسعار المواد الغذائية، كمحصلة لارتفاع كلفة الإنتاج 




الزراعي على المستوى العالمي، فالنمو السريع الذي تشهده اقتصاديات بلدان كبيرة كالصين والهند وبلدان أخرى، وتسارع وتيرة التصنيع فيها، أدى من جهة إلى ارتفاع مستوى المعيشة في هذه البلدان، ومن ثم إلى ازدياد أحجام ونسب استهلاك المواد الغذائية فيها، كما أدى من جهة أخرى، إلى تسارع الطلب على النفط فيها، وبالتالي إلى ارتفاع أسعار مكونات أساسية للإنتاج الزراعي كالآلات والأسمدة والمبيدات وارتفاع كلفة نقل هذه المواد إلى الأسواق ومن ثم ارتفاع أسعارها (11)، كما أن قلة العرض على المواد الغذائية وارتفاع الطلب عليها كونها سلع أساسية وكما نعلم من مبادئ علم الاقتصاد يؤدي إلى ارتفاع شديد في أثمان هذه المواد. ج- الحلول المقترحة:







 إن حل المشكلة الغذائية في العالم يتطلب بالدرجة الأولى العمل على خلق الظروف الملائمة لزيادة إنتاج المواد الغذائية، وهذا يعني قبل كل شيء العمل على الحد من النمو السكاني السريع انطلاقاً من مبدأ الوقاية قبل العلاج وهذا أمر في غاية الأهمية يساعد على التخلص من هذه الأزمة المتفاقمة. وكذلك فإن حسن توزيع موارد الثروة ومنجزات التقدم العلمي مابين مناطق العالم، يأتي في مقدمة الإجراءات الواجب اتخاذها لحل المشكلة الغذائية في العالم، وفي هذا المجال تؤكد دراسات منظمة الأغذية والزراعة أن أزمة الغذاء العالمي ليس هي أزمة إنتاج بقدر ماهي أزمة توزيع، وإن حل مشكلة الغذاء لايبدو مستحيلاً في ضوء هذا المفهوم، وفي ضوء سوء استغلال الموارد المتاحة والتي تبدو بوضوح في استهلاك الدول المتقدمة من الحبوب والتي يوجه قسم كبير منها للاستهلاك الحيوانات ومع أن الإنتاج الحيواني يشكل جانباً هاماً من الغذاء اللازم للإنسان إلا أن غذاء الحيوان يمكن تدبيره أو تدبير جزء كبير منه من موارد أخرى لاتصلح كغذاء للإنسان (12)، وأن هذه الدول لاتحصل على كل حاجاته من الغذاء فحسب ولكن غالبيتها تعاني أيضاً من وجود فائض من الغذاء لديها تضطر إلى تخزينه وحبسه عن الأسواق بل وتلجأ أحياناً إلى تدميره أو أتباع السياسات التي تحول دون إنتاجه، ويينتشر هذا الأسلوب في الوقت الحاضر حيث تقوم الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغنية بزراعة مساحات أقل للتخلص من مشكل الفائض من المنتجات الزراعية لديها وذلك في الوقت نفسه الذي يعاني فيه الملايين من سكان العالم من الحرمان والجوع وسوء التغذية. وقد يقول البعض لماذا لاتشتري الدول المحتاجة حاجتها من الغذاء من الدول ذات الفائض؟ والجواب على ذلك أن اغلب الدول النامية هي دول فقيرة لاتتوافر لديها رؤوس الأموال لشراء هذه المنتجات. وفي "القمة العالمية للأمن الغذائي" التي انعقدت في روما في أعقاب الأزمة الغذائية العام 2008، والتي شهد العالم خلالها ارتفاعاً باهظاً بلغ نسباً قياسية في أسعار المواد الغذائية ولاسيما الأساسية منها، وأدى إلى أعمال شغب واضطرابات في عدد من البلدان الفقيرة، في هذه القمة تجلى الانقسام "الطبقي" بين دول العالم، فقد أحجمت الدول الغنية عن المشاركة في المؤتمر، باستثناء الدولة المضيفة إيطاليا، وفشلت القمة في انتزاع تعهّد من الدول الغنية بتأمين مبلغ 44 مليار دولار لانتشال ملايين الناس من الجوع، عن طريق تقديم المساعدة للدول النامية من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء (13). 



إن هناك إمكانيات متاحة يمتلكها العالم لزيادة إنتاجه من الغذاء وتتمثل في التوسع الأفقي والرأسي في إنتاج الغذاء، وتظهر إمكانيات التوسع الأفقي في محاولة العمل على إضافة أراضي جديدة إلى الرقعة الزراعية سواء باستصلاح أراضي في مناطق مختلفة من العالم، أو بتحويل قسم من المراعي إلى أراضي زراعية لكي تنتج المحاصيل الزراعية أو بتوفير المياه لزراعة الأراضي الصحراوية الهامشية، وعموماً تمتلك البشرية إمكانيات كبيرة للتوسع الأفقي الزراعي متركزة بصورة أساسية في أقاليم السهول المدارية في أمريكا الجنوبية وأفريقيا واستراليا، وبصورة أقل في النطاق الجاف من أفريقيا وآسيا الغربية والوسطى وأمريكا الشمالية، أما التوسع الشاقولي فيعني محاولة زيادة كمية الإنتاج من الحقل، ويأتي ذلك عن طريق التقدم التكنولوجي من حيث تطور وسائل الإنتاج (14)، فالإنتاجية لن تتحسن إلا باستخدام تكنولوجيات حديثة، بما في ذلك استخدام الآلات والأدوات الزراعية، والأصناف النباتية والحيوانية المحسنة والمتأقلمة، واستخدام الأسمدة الكيمائية والمبيدات وتوفير موارد الأعلاف المحلية وإجراءات الصحة والوقاية النباتية والحيوانية. ولابد إجراء تغييرات جذرية في موقع البلدان النامية في التقسيم الدولي للعمل وكذلك في التخصص الإنتاجي، وخصوصاً في المجال الزراعي، والعمل على تنويع بنية الاقتصاد فيها، بحيث تصبح قادرة على تأمين حاجاتها من الغذاء، سواء كان ذلك بتطوير الإنتاج أو بتوظيف القسم الأكبر من حاصلات صادراتها في تحقيق هذا الهدف، وهو يتطلب أيضاً العمل على وقف الزحف العمراني الواسع على مساحات كبيرة من أفضل الأراضي الصالحة للزراعة، وزيادة الاستثمارات وفرص الحصول على المياه قبل كل ذلك، والمقدرة على حفظ المنتجات الزراعية، وتجهيز المنتجات ذات القيمة المضافة، وهذه العناصر، إلى جانب السياسات والمؤسسات الداعمة، تتمتع بإمكانية تحسين الإنتاجية بدرجة كبيرة، وتوليد الدخل والإسهام إسهاماً كبيراً في الحد من الفقر.‏ وهنا يفيد البنك الدولي في إحدى تقاريره، إن بإمكان أفريقيا تفادى مشكلة نقص الغذاء إذا تصدت لشبكة معقدة من القواعد والرسوم والتكلفة العالية والتي تخنق تجارة الغذاء الإقليمية، وإذا ما لجأت إلى زراعة مساحات شاسعة من الأراضي غير المستغلة، فإزالة القيود بين الحدود من شأنه تفادى أزمات غذائية مع إتاحة الفرصة أمام المزارعين للتجارة بحرية أكبر مع بعضهم البعض وتوصيل الغذاء إلى المناطق التي تعانى نقصاً منه، وبالإضافة إلى ذلك يرى البنك الدولي أن تخفيف القيود على تجارة المواد الغذائية من شأنه أن يدر ما يقدر بنحو 20 مليار دولار في صورة إيرادات سنوية للحكومات الأفريقية، و أشار البنك المذكور كذلك إلى أن الحواجز أمام تجارة الغذاء ترفع أيضاً التكلفة على



المستهلك والمزارع معاً (15).




وأيضاً لا بد من إجراء تعديلات جوهرية في السياسات الزراعية والغذائية، وينبغي أن تُنتزع هذه السياسات من أيدي الشركات العالمية الكبرى، ويجب أن تعاد الأرض والماء والبذور إلى المزارعين حتى يتاح لهم تحقيق الاكتفاء الذاتي، وبيع منتجاتهم في الأسواق المحلية بدلاً من تخصيصها للتجارة الدولية، والعمل على الاستفادة القصوى من الأرض الزراعية عن طريق الزراعة الكثيفة أو المختلطة.

كما إنه يفترض أن تعمل الدول المتقدمة على رفع إنتاجية الأراضي الزراعية في البلدان النامية من خلال إتاحة الفرص لها لاستخدام أفضل الإنجازات العلمية والمعرفية والتكنولوجية التي توصلت إليها الدول المتقدمة في المجال الزراعي، والتي جعلت من هذه الدول مصدراً مهما للمنتجات الزراعية المختلفة، فمن أجل حل أزمة الغذاء في العالم يجب على الدول المتقدمة التخلي عن أنانيتها وعن "سرية المعرفة" لها وتحديداً في المجال الزراعي، الأمر الذي يتيح زيادة إنتاج الغذاء وتحسين نوعيته وتأمين القوت اللازم لمئات الملايين من الجياع ومن الذين يعانون من سوء التغذية وفي جميع أنحاء العالم (16)، وهنا يراهن كثير من الخبراء الزراعة والأغذية على إمكانية حدوث فائض من السلع الغذائية العالمية باستخدام التكنولوجيا الحديثة والتي أطلقوا عليها البعض اسم الثورة الخضراء The Green revolution ، حيث يتم إنتاج كميات كبيرة من الغذاء عن طريق تهجين الجينات الوراثية التي تدخل في إنتاج القمح والأرز والذرة وغيرها (17).

وأخيراً، فإن هذه المشكلة إنما هي مشكلة كبيرة ومتعددة الجوانب وأن حلها لايرتبط فقط بزيادة الإنتاج الزراعي وتخفيض كلفته، بل بوضع إستراتيجية متكاملة لاستثمار الموارد الاقتصادية كافة، والتي تقوم على توحيد الجهود في اتجاه واحد وهدف واحد وهو زيادة إنتاج الغذاء بالطرق العلمية السليمة، وتبرز الحاجة الملحة لمعالجة المشكلة الغذائية المتفاقمة، ليس فقط نتيجة لعواقبها الكارثية على حياة مئات الملايين من البشر على سطح الكرة الأرضية، بل وكذلك لانعكاساتها الخطيرة أيضاً على الأمن والاستقرار في الكثير من البلدان وعلى المستوى الدولي عموماً.

المصادر والمراجع
1- صالح، حسن عبد القادر. الجغرافيا الاقتصادية. جامعة القدس المفتوحة، 1999، ص144.
2- أبو العينين، حسين. الموارد الاقتصادية. مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، 1984، ص115.
3- سوء التغذيةhttp://ar.wikipedia.org/wiki/ أطلع عليه بتاريخ 19-10-2014.
4- / أطلع عليه بتاريخ 1-11-.2014http://www.fao.org/news/story/ar/item/180095/icode
5- هارون، علي أحمد. جغرافية الزراعة. دار الفكر العربي. القاهرة 2000، ص 354.
6- عجمية، محمد عبد العزيز، العقاد، مدحت. الموارد الاقتصادية. دار النهضة العربية. بيروت 1988، ص 241-248.
7- http://www.resourcecrisis.com/index.php/food/745-107 أطلع عليه بتاريخ 6-11-2014
8- أبو العينين، حسين. الموارد الاقتصادية. مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، 1984، ص312.
9- http://www.lebarmy.gov.lb/ar/news/ أطلع عليه بتاريخ 18-11-2014.
10- http://www.resourcecrisis.com/index.php/food/745-107 أطلع عليه بتاريخ 22-11-2014
11- http://www.lebarmy.gov.lb/ar/news/? أطلع عليه بتاريخ 3-12-2014.
12- الديب، محمد محمود إبراهيم. الجغرافيا الاقتصادية. الطبعة الخامسة، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1986، ص517-519 بتصرف.
13- http://www.lebarmy.gov.lb/ar/news/? أطلع عليه بتاريخ 3-12-2014.
14- سارة، حسن منيمنة. جغرافية الموارد والإنتاج. دار النهضة العربية. بيروت 1988، ص 79-81.
15- http://www.albankaldawli.org/ar/news/feature/أطلع عليه بتاريخ أطلع عليه بتاريخ 4-12-2014.
16- .htm\ http://www.fao.org/arabic/newsroom/focus//gmo أطلع عليه بتاريخ 4-12-2014.
17- الثورة الخضراء http://ar.wikipedia.org/wiki/أطلع عليه بتاريخ 6-12-2014



محبتي وتقديري

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية