كارثة بيئية تهدد واحة تودغى المغرب محمد فقهي أستاذ باحث بسلك الدكتوراه










كارثة بيئية تهدد واحة تودغى المغرب  محمد فقهي  أستاذ باحث بسلك الدكتوراه

تعتبر الواحات نموذجا متميزا لتأقلم الإنسان مع ظروف الوسط الطبيعية الصعبة، كما شكلت هذه الأوساط مهدا للحضارات بالمغرب ومجالا للتعايش ونموذجا للتضامن بين السكان. فالواحات ليست منظومات إيكولوجية طبيعية كما يعتقد البعض، بل هي نتاج للذكاء البشري من خلال تطبيق عملي لتقنيات ملائمة لبيئة قاسية ابتدعتها معارف ومهارات توارثتها الأجيال.

وتعرف واحات المغرب في الوقت الراهن تدهورا كبيرا بسبب التغيرات المناخية بالدرجة الأولى، يزيد من حدة هذا التدهور الضغط الديمغرافي و الحضري الذي تعرفه هذه الأوساط، وكلها عوامل ساهمت في فقدان حوالي عُشْر واحات في الجنوب المغربي لأكثر من 40% من غطائها النباتي. [1] وانطلاقا من الدور الاجتماعي والبيئي والاقتصادي المهم الذي تلعبه الواحات، وما تمثله كحاجز نباتي ومناخي ضد زحف الرمال، فإن المحافظة عليها أصبح أمرا ضروريا.

تعتبر واحة تودغى بالجنوب الشرقي المغربي واحدة من بين هذه الواحات التي عرفت بدورها عدة تحولات شملت عدة مجالات مختلفة، ساهمت في خلق دينامية بشرية و مجالية وما رافقها من تزايد الحاجيات لاسيما منها الموارد المائية، خاصة مع ظهور أنشطة جديدة أصبحت تشكل عناصر هامة داخل نظام استعمال المياه.

لقد ارتبط وجود الواحات وباستمرار بتواجد الموارد المائية، كما أن ندرة هذا المورد والرغبة في التحكم فيه استدعى وباستمرار وجود حياة بشرية متماسكة وجد محكمة نشأ عنها ما سُمي عند الباحثين "بالحضارة المائية"، هذه الحضارة التي تقوم على خلق التوازن بين العناصر المكونة للمجال وهي المناخ والماء والتربة والنباتات والإنسان والحيوانات. [2] وهو نفس الأمر الذي ينطبق على واحة تودغى، إذ أن وجودها مرتبط أساسا بواد تودغى والعيون المائية التي تغذيه، والذي يخترق هذه الواحة انطلاقا من جبال الأطلس في اتجاه الجنوب نحو تافيلالت.

وقد عرفت هذه الواحة عدة تحولات شملت مجالات شتى: اجتماعية واقتصادية ومجالية... خلفت عدة انعكاسات متعددة ولاسيما منها البيئية بفعل التدخل البشري غير الرشيد وغير الواعي بتوازن هذه البيئة. فبفضل المؤهلات السياحية التي تزخر بها المنطقة، والتي تغري العديد من السياح سواء الأجانب أو المغاربة، وهو ما يجعلها قبلة لهم، كيف لا وهي تقع على طريق ألف قصبة وقصبة، إضافة إلى الموقع الاستراتيجي كمحطة تربط بين ورزازات ومرزوگة... وهو الأمر الذي جعل مجلة "فوربس" الأمريكية تصنف مضايق تودغى من بين أهم المناطق السياحية التي تستحق الزيارة بالمغرب. [3]

غير أن زيارة هذه المجالات لا يمكن أن يتم دون أن يخلف عدة انعكاسات وخاصة تلويث الموارد المائية بسبب الفضلات و ملوثات عدة و انتشار الأزبال وخصوصا المواد البلاستيكية، كما أنه يتم استغلال هذه المياه بشكل غير معقلن لتنظيف وسائل النقل وغسل الملابس و الأواني، إلى جانب أن المؤسسات السياحية المحيطة بهذه العيون تحصل على حاجياتها من المياه مباشرة باستعمال المضخات من هذه العيون. 

من بين الأمور كذلك التي تساهم في تلويث المياه، و خاصة في منطقة تودغى العليا هو عدم توفر هذه الأخيرة على شبكة الصرف الصحي، مما يؤدي إلى اللجوء إلى استعمال الآبار المدفونة من أجل التخلص من المياه المستعملة، و بالتالي تلويث الفرشة الباطنية، نفس الشيء ينتج عن استعمال محطات تعمل بالبنزين لإنتاج الطاقة الكهربائية. إذ أصبحت تظهر بوادر تلوث هذه المياه، و هذا ما يؤكده أحمد صدقي بالقول: " تظهر حاليا و بشكل جلي مؤشرات بيولوجية للتلوث على طول الواد (واد تودغى)، خصوصا في شماله بحيث يلاحظ وجود الحلازين الثابتة في الماء، مما يعني أن المادة العضوية الضرورية للتغذية متوفرة لها وهذا يؤشر على تلوث ذلك الماء". [4]

بل أكثر من ذلك، فالتزايد الديمغرافي الذي تعرفه الواحة يساهم في خلق دينامية مجالية وما يرافقها من تجهيزات وخدمات اجتماعية بغية تلبية متطلبات السكان وعلى رأسها التجهيزات التحتية المرتبطة بالصرف الصحي. أضف إلى ذلك أن مركز مدينة تنغير يعرف من حين لأخر تدفق هذه المياه في وسط الواحة بالقرب من مجموعة من الأحياء السكنية (الصورة رقم 1)، مما ينتج عنه غمر الأراضي الزراعية بهذه المياه الملوثة.





ولا يقتصر تأثير الظاهرة الحضرية ومختلف الأنشطة المرتبطة بها على زيادة الضغط على الفرشة الجوفية و بالتالي تراجعها، بل يؤدي كذلك إلى تلويث الموارد المائية عن طريق قذف مياه الصرف الصحي دون أية معالجة في إحدى الشعاب المحاذية للواحة لتتسرب عبرها إلى واد تودغى في منطقة أيت امحمد، حيث يستغلها الفلاحون في سقي الأراضي الزراعية، و هو أمر وإن بدت له مردودية آنية فستكون له عواقب وخيمة على التربة والنباتات والماشية والإنسان في وقت لاحق، فخلال جريانها على السطح فإنها تتسرب إلى باطن الأرض لتلوث الفرشة الباطنية.







كما يتم اللجوء إلى تصريف مياه الصرف الصحي بمركز مدينة تنغير في مجرى واد تودغى (الصورة رقم 2)، وهو الأمر الذي لا يترتب عنه فقط تلويث مياه واد تودغى التي تستعمل في سقي الأراضي الزراعية بالواحة، بل تؤثر كذلك على المزروعات والمغروسات التي تمتص هذه المياه الملوثة، وبالتالي التأثير على جودتها وعلى صحة السكان وماشيتهم.





هذا بالإضافة إلى التأثير على المياه الجوفية جراء تسرب هذه المياه الملوثة إلى باطن الأرض، وهو ما سيؤثر كذلك على صحة السكان خاصة إذ استحضارنا انتشار عدد كبير من الآبار التي تستغل في إطار الاستهلاك المنزلي أو حتى لإغراض فلاحية، دون نسيان مخاطر هذه المياه على الأسماك التي تعيش بالواد، مما يؤدي إلى موتها كما حدث مؤخرا بمنطقة تجماصت بمدينة تنغير، حيث تعرض عدد كبير من الأسماك للموت بسبب تلوث مياه الواد (الصورة رقم 3)، الأمر الذي سيخلف عدة انعكاسات سلبية على التنوع البيولوجي بالواحة.

لا يتوقف تلوث مياه الواد عل موت الأسماك فقط، بل يؤدي كذلك إلى تشكيل مجال لانتشار العديد من الحشرات الضارة التي تؤثر على صحة السكان القاطنين بالقرب من أماكن تلوث هذه المياه من خلال لسعات هذه الحشرات. إلى جانب الروائح الكريهة التي تنبعث من هذه المياه...

ونفس الأمر ينطبق على النفايات بمختلف أنواعها بما فيها النفايات الطبية، التي يتم طرحها بدون أية مراقبة، مما يجعلها معرضة للتعرية الريحية والنهرية، وهذا ما يساهم في تلويث المجال، وكذا الموارد المائية السطحية و الجوفية.

إن تلوث المياه ليس إلا غيضا من فيض من مظاهر المخاطر التي تهدد تحقيق التنمية المستدامة بواحة تودغى، خاصة في هذا الوسط الذي يتميز بهشاشة موارده الطبيعية ولاسيما منها الموارد المائية التي تشكل عصب حياة المنظومة الواحية. وبالتالي فالوصول إلى تنمية شاملة ومستدامة بالمنطقة لا يمكن أن يتم من دون إعادة الاعتبار للواحة ولمكوناتها الأساسية. وهو الأمر الذي يفرض ضرورة تضافر جهود الجميع: مؤسسات ومنتخبين ومجتمع المدني من أجل العمل على حماية الواحة أو على الأقل التخفيف من المخاطر التي تهدد استمرارية وتوازن الواحة.

الهوامش: 
[1] مؤتمر "واحات و صحاري متأقلمة، مجالات مبادرة ". "الواحات توازن بين حضور الإنسان و تنظيم المجال"، ص:6. المكسيك 8 دجنبر 2010.
[2] محمد أيت حمزة : "التوازن الإكلوجي الواحي بين التنافس و التكامل"، الملتقى الرابع للجغرافيين العرب، الرباط،2006، ص:78.
[3] http://www.forbes.com/sites/annabel/2014/11/25/the-10-coolest-places-to-visit-in-2015/
[4] أحمد صدقي: منوغرافية بيئية 2008، ص:11.

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية