الجهوية المتعثرة في المغرب مريمة عساوي جامعة المولى اسماعيل مكناس شعبة الجغرافيا.




















الجهوية المتعثرة في المغرب

مريمة عساوي  
جامعة المولى اسماعيل مكناس  
شعبة الجغرافيا.

عرف المغرب خلال القرن العشرين تطورات وتحولات متداخلة على جميع المستويات، تدخلت في إفرازها عوامل داخلية ومؤثرات خارجية، مما أصبح يطرح عراقيل حقيقية لتدبير وإعداد التراب المغربي، ومن أهم السياسات التي نهجها المغرب لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، سياسة الجهوية، لذلك نسعى من خلال هذا المقال الكشف عن معنى الجهوية وأهم التطورات التي عرفتها بالمغرب، فهل حققت هذه السياسة حاجيات المواطنين؟ وهل استطاعت معالجة الاختلالات السوسيومجالية والبنيوية التي يعرفها المجال المغربي.

يعرف المجال المغربي تنوعا ثقافيا وطبيعيا (المجال الاطلنتي، الصحراوي، المتوسطي، الجبلي ....)، الشيء الذي أفرز أنماط عيش مختلفة منذ القدم و أنظمة اجتماعية غنية بمختلف أشكال تدبير المجال، تبعا لخصوصيات كل وحدة جغرافية، أو ما يمكن الاصطلاح عليه بالدرايات المحلية، لذلك فالجهوية في المغرب قديمة قدم الإنسان. فقبل الحماية الفرنسية كان المغرب يعرف تقسيما على أساس ما هو قبلي في علاقاته بالسلطة المركزية.

جذير بالذكر أن مرحلة ما قبل الحماية لم تعرف إشكالية استغلال الموارد، حيث كان المجال مفتوحا والكثافة السكانية ضعيفة، ولا تكون النزاعات إلا في فترة الأزمات الطبيعية ( الجفاف، أوبئة...)، بالعكس كانت التنظيمات الاجتماعية غنية، رغم بساطتها من الناحية التقنية، مبنية على روح التضامن والتعاون. 

بتوقيع معاهدة الحماية مع فرنسا سنة 1912، دخل المجال المغربي مرحلة جديدة، حيث أدخلت المستعمر سياسات ومقاربات جديدة، كان الهدف منها التحكم في المجال أمنيا، فتم تقسيم المغرب إلى جهات عسكرية ومدنية، إذ كان منطلقها مبنيا على أساس طبيعي استكشافي، كالتقسيم الذي وضعه '' جون سيريليي'' سنة 1922، على إثره تم تقسيم المغرب إلى ست جهات، وعدله سنة 1948 إلى 12 جهة طبيعية، ولأول مرة أخذ بعين الاعتبار العنصر البشري، ورغم ذلك يبقى بحث استكشافي أكثر مما هو تحليل وبحث للتراب. موازاة مع ذلك، فإن السياسة الاستعمارية وضعت أساسا لسياستها الجهوية والتنموية بالمغرب، عبر شق الطرق، والسكك الحديدية وإنشاء السدود وإعداد المجالات السقوية.

مع ''استقلال'' المغرب برزت على السطح إشكاليات واختلالات موروثة عن الفترة الكولونيالية، وبذلك تبنت الإدارة المغربية الفتية سياسة الأقاليم سنة 1958 عوض الجهات، حيث تم تقسيم البلاد إلى 12 إقليم، و 19 إقليم سنة 1959، إلا أن هذه المقاربة، زادت من تكريس الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية بين مناطق المغرب، ومع ظهير 1971، ظهرت البوادر الأولى لأول سياسة جهوية حديثة بالمغرب، وقد تبلور ذلك مع تقسيم 1976، حيث تم تقسيم المغرب إلى 12 جهة اقتصادية، باعتماد مقاربة جديدة مبنية على سياسة اللامركزية ونهج مخططات اقتصادية، وما يمكن تسجيله على جهوية 1976 طغيان المقاربة الأمنية على حساب ما هو تنموي، لذلك ظهرت أصوات معارضة ومنددة لهذه السياسة، الشيء الذي أدى إلى تعديل الدستور سنة 1992: اعتماد الجهات كجماعات محلية ذات استقلال مالي وشخصية معنوية. 

لقد أدت الأبحاث الأكاديمية الجغرافية والسوسيولوجية بزعامة الباحثين المغاربة إلى اعتماد المغرب على تقسيم جهوي جديد أكثر دقة سنة 1997 بموجبه قسم المغرب إلى 16 جهة، على إثره عرف إعداد المجال وتدبيره بالمغرب طفرة كبرى بتبني الحوار الوطني لإعداد التراب الذي أفرز الميثاق الوطني لإعداد التراب سنة 2001، الذي يمثل إطارا قانونيا وتوجيهيا لمختلف تدخلات الفاعلين، وكذلك التصميم الوطني لإعداد التراب في نفس السنة، وبعده التصاميم الجهوية والإقليمية.

راكم المغرب تجارب مهمة لإعداد وتدبير التراب، أفرزت تحسنا تنمويا في مجالات مختلفة، إلا أن نجاعتها تبقى محدودة للتخفيف من التباينات المجالية والسوسيوقتصادية، والتي تتجلى في مظاهر الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية ( التعليم، الصحة، السكن غير المندمج، الفقر ...)، مما أنتج الإجرام والفساد في كل المناطق وفي كل المجالات، أما على المستوى المجالي، فقد أفرغت مجالات واسعة من ساكناتها مقابل مجالات "محظوظة" مكتظة بالسكان. 

إن محدوديات السياسات السابقة، جعلت الدولة مرة أخرى تعتمد على سياسة جديدة، وهي سياسة الجهوية الموسعة التي أفرزت تقسيما جديدا بمعايير جديدة، بدأت ميلادها سنة 2009، وثمنها دستور 2011، وطبقت في 2015. 

الجديد الذي أتت به الجهوية الموسعة، إضافة لمعيار الوحدة الترابية، تقوم هذه السياسة على التضامن والتكافل واعتماد التوازن والتناسق للتكيف مع التطورات الداخلية والخارجية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تسعى الجهوية الموسعة إلى تحقيق ديمقراطية محلية وحكامة ترابية جيدة تتجاوز سلبيات السياسات السابقة بخصوص تداخل الاختصاصات بين السلطة والمجالس المنتخبة قصد إعطاء دينامية وتنافسية حقيقية بين الجهات الإثني عشر، حيث أصبح انتخاب المجالس الجهوية بواسطة الاقتراع المباشر، مع منح اختصاصات واسعة للمجالس. وما يميز الجهوية الموسعة اعتمادها على الأقطاب الاقتصادية عوض العواصم الجهوية لتحقيق الإقلاع الاقتصادي.

إن تحليل الواقع المغربي الحالي يكشف أن السياسات السابقة كانت تعتمد على الارتجالية في التدبير، التي زادت من تعميق التباينات الاجتماعية ( فقر مدقع، غنى فاحش ...) والمجالية ( أوساط تفتقر لأدنى شروط العيش ...)، الشيء الذي أدى إلى ظهور حركات احتجاجية منددة بصون كرامتها.

لقد كرست السياسات السابقة الإزدواجية في كل المجالات، والموروثة بشكل عام عن الفترة الاستعمارية التي خلخلت بنية المجال والمجتمع المغربيين، فمتى ستستطيع الحركات المنتقدة لسياسة الدولة بتحقيق ''التوافق'' وتوحيد صوتها لمواجهة سياسات اللوبيات المفضوحة.

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية