الجهوية المتقدمة بالمغرب : مدخل نحو تكريس الديمقراطية المحلية

الجهوية المتقدمة بالمغرب : مدخل نحو تكريس الديمقراطية المحلية 





عتيـق السـعـيد



عاش المغرب ملامح التقسيم الترابي منذ ما يعادل ثمانية قرون قبل الميلاد ، أي حوالي خمسة عشر قرن قبل دخول الإسلام، حيث كرس أسلافنا الأمازيغ إبان حكم القرطاجيين لمفهوم الجماعات كأسلوب في التدبير و الحكم المستند على مبدأ نظام القبيلة، الدي عمل على تدبير المشاكل و الحاجيات المحلية من خلال تنظيم إرتكز على مجالس منتخبة ( مجلس ايت أربعين، مجلس أيت عشرة،..) يتم فيها إختيار الوجهاء و كذا القادة " إمغارن " عن طريق الإنتخابات، غير أن شكل تدبير الشؤون المحلية لم يكن مقنن بنصوص قانونية تؤطر تلك الممارسات. إلا أن النقاشات التي عرفتها القبيلة كانت في الغالب ذو بعد إداري و قانوني و قضائي تتمحور في جوهرها حول القضايا الإجتماعية والإقتصادية و السياسية للسكان المحليين.

وفي فترة الحماية كان لوقع القرار الصادر عن المقيم العام الفرنسي بتاريخ 4 غشت 1912 تقسيم البلاد مدنيا إلى اربع جهات -الرباط الدار البيضاء - جهة الغرب - اسفي مازكان الجديدة - الصويرة موكادور و ثلاثة جهات عسكرية -فاس -مراكش -مكناس. لكن سرعان ما تغير هذا التقسيم سنة 1935 إلى مناطق مدنية و عسكرية، فقد كان لهذه الفترة الإستعمارية الأثر العميق على بناء نمودج الدولة المغربية حيث أفضت إلى تولد تناقض بين نمطين مرافقين لحالة الإدارة المغربية، أحدهما تقليدي و الأخر عصري مرتكزا أساسا على تقسيم المغرب وفق منضور فرنسي إلى مغرب نافع و غير نافع.

فأضحت القطيعة الإبستمولوجية مع هذه الإزدواجية رهان دولة ما بعد الإستقلال، إذ شكل التقسيم الجهوي تثمينا للمجهودات الحتيتة ، و المرتكزة في الأساس على إعطاء الجهة الريادة في التدبير و التسيير، فكان لزاما على الدولة مواكبة هذا التحول بإرساء إطار قانوني تجسد في صدور ظهير 1971 المتعلق بتنظيم الجهات ليشكل بذلك اللبنة الأولى لتشييد تنظيم جهوي جوهره قاعدة ترابية متمثلة في الجهة كسبيل لتحقيق التنمية عبر تكريس الديمقراطية المحلية.

فالديمقراطية المحلية حسب معظم الباحثين في المجال هي تفاعل المواطنين و إشراكهم في التدبير المحلي ، سواء بواسطة الإنتخابات المحلية التي يتم من خلالها إختيار ممثليهم في الجماعات الترابية من أجل تشكيل مجالس محلية، أو من خلال إشراك باقي الفاعلين المحلين من المجتمع المدني في الإقتراح، و المراقبة ، و كذا التسير المحلي عن طريق تشكيل لجان محلية بغية الوصول إلى تنمية محلية مستدامة ، من هنا تعد مشاركة المواطنين في هذه الإنتخابات ركيزة أساسية للديمقراطية المحلية، و تكريسا للامركزية الترابية شرط إحترام و تفعيل مبادئ الشفافية، النزاهة، و ربط المسؤولية بالمحاسبة عبر الإنزال السليم للمقتضيات الدستورية المتعلقة بتكريس الحكامة المحلية

تأتي إذن الجهوية المتقدمة بأبعادها الثلاتة :

أولا : كمدخل ملح و ضروري في وقتنا الحاضر من أجل دعم مسلسل الديمقراطية المحلية بالمغرب لا سيما بعد الخطاب الملكي لـ9 مارس، الذي يعد مرجعا أساسيا لتفعيل ورش الجهوية المتقدمة بخصوصيات مغربية قادرة على مواكبة التغيرات الديمقراطية المستمرة التي تعرفها الدولة .

تانيا : كركيزة تعمل على تحقيق التنمية المستدامة والمندمجة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وبيئيا، مما يجعل النمودج المغربي متميزا في تجربته المجالية التي من شانها تعزيز مبادئ الديمقراطية و إعطائه بالتالي مكانة ريادية إقليميا.

تالثا : كحل لقضية الصحراء المغربية بحيث طرحت اللجنة الإستشارية للجهوية المتقدمة بالمغرب المشروع وفق الإصلاح الدستوري الذي ينص على إعتبار الجهوية مرحلة تمهيدية نحو الحكم الذاتي تكملة للمقترح المغربي لحل دائم لقضية الصحراء.

و يحمل المشروع حسب اللجنة الاستشارية للجهوية المتقدمة، تقليص عدد الجهات الحالية بنسبة 25 في المائة، من 16 إلى 12 جهة، مكرس بذلك للتضامن بين الجهات الذي لا يمكن أن يتحقق دون إرساء دعائم ملموسة و فعالة للديمقراطية المحلية عبر إشراك القطاع الخاص كفاعل أساسي في إعداد، و تدبير وكذا تنفيذ للمخططات الجهوية، و تحقيق ذلك راجع بالأساس لمأسسة الديمقراطية التشاركية .

إن تفعيل مشروع الجهوية المتقدمة يعد بالفعل ورش من الأوراش الكبرى يستلزم تظافر مجهودات كل الفاعلين و المتدخلين في الشان المحلي، إلا أن تباين إقتراحاتهم بخصوص النمودج المغربي للجهوية يجعل لزاما تبني أليات لتدبير الإختلافات مستندة في الأساس على تجاوز الحسابات السياسوية الضيقة و التركيز على المشترك، إضافة إلى تبني مقاربة الذكاء الترابي الكفيلة لتجويد المشروع و الوصول به إلى مراحل متقدمة جوهرها سياسات عمومية تشاركية، و التي من خلالها سيتم كسب رهان الديمقراطية المحلية و بالتالي تحقيق تنمية محلية مستدامة.

من أجل ذلك يحتاج المشروع إلى الموارد البشرية و المالية تنتقل به إلى الأجرأة السليمة و الفعالة التي يستحقها هذا الورش الكبير الذي يقبل عليه المغرب. ليطرح السؤال حول الكيفية التي من خلالها سيتم تدبير تلك الموارد من أجل تجويد الاداء الإداري و المالي بالجهة ؟ و إلى أي حد سيشكل تقييم السياسات العمومية بالجهة مدخلا نحو دعم مسلسل الديمقراطية و تحقيق الحكامة الجيدة ؟

-باحث وكاتب في السياسات الإدارية بالمغرب
 
 
مصدر المقال : http://www.hespress.com

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية