هل توقَّفَ الاحترار العالمي؟


هل توقَّفَ الاحترار العالمي؟
ديفيد موريسون وجون آر ماشي ومارك بوزلو
ترجمة زينب عاطف



أدَّى التراجُع الواضح في معدلات ارتفاع درجات الحرارة العالمية في الآونة الأخيرة إلى إحداث حالةٍ من الالتباس العام بشأن تغيُّر المناخ. فما الحقيقة وراء هذا «الاستقرار» المزعوم في درجات الحرارة؟

حَظِيَ موضوع الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري باهتمامٍ علميٍّ كبيرٍ لأكثر من نصف قرن، وتتجلَّى تبعاته على نطاقٍ واسعٍ في ارتفاع درجات حرارة اليابسة والمحيطات والتغيُّرات الكبيرة في الغطاء الجليدي في القطب الشمالي، وارتفاع مستويات سطح البحر، وعدد وافر من عوامل الضغط على النُّظُم البيئية في جميع أنحاء الأرض، مثل هجرة خنفساء اللحاء نحو القطبين وقضائها على مساحات شاسعة من الغابات. مع هذا، تُجادِل بعض المنظمات القوية في حقيقة هذا التغيُّر المناخي ودور ظاهرة الدفيئة المتسببة فيه. وفي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، توجد حالة واسعة النطاق من الالتباس العام، أو بالأحرى الإنكار التام للاحترار العالمي.




يوضِّح الشكل نسبةَ ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي وفقًا لقياسات مرصد مونا لوا منذ عام ١٩٥٨. لاحِظ التغيُّرات الموسمية الصغيرة المتكررة؛ إذ يتراوح إجمالي الزيادة الثابتة بين ٣١٥ جزءًا من المليون و٤٠٠ جزء من المليون، ويُظهِر المنحنى المتجه قليلًا لأعلى التسارُعَ في معدل ترسُّب ثاني أكسيد الكربون. وثاني أكسيد الكربون (CO2) هو غاز الدفيئة الرئيسي في الغلاف الجوي، ومن ثَمَّ فإنه المسبِّب الأساسي لتغيُّر المناخ. يتسبَّب تزايدُ تأثيرِ الدفيئة الناجِم عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الإخلال بتوازن الطاقة؛ حيث يزيد من درجة حرارة الأرض سنويًّا، إلا أن جزءًا فقط من هذه الطاقة الزائدة يؤدِّي إلى زيادة درجات حرارة الهواء على سطح الأرض، التي تكون عُرضةً أيضًا لعدة أشكال من التأثيرات الأخرى.

إن أحد أكبر مصادر سوء الفهم العام الحالي هو التراجُع الذي حدث في معدلات ارتفاع درجة الحرارة (فيما يُعرَف ﺑ «استقرار» درجات الحرارة)، الواضح في متوسط درجة الحرارة العالمية لسطح الأرض على مدار السنوات الخمس عشرة الماضية، عقب الاحترار السريع خلال السنوات الخمس والعشرين السابقة عليها. ومما زاد ارتباكَ البعضِ حقيقةُ أن علماء الغلاف الجوي والمناخ يميلون إلى التقليل من أهمية هذا الاستقرار المزعوم ويُواصِلون التأكيد على ارتفاع درجة حرارة الكوكب بمعدلٍ خطير. إذن ما الحقيقة وراء تبايُن الآراء بين العلماء ومنتقديهم حول حقيقة هذا الاستقرار المزعوم ودلالته؟

أدلة على الاحترار العالمي

قبل مناقشة قضية درجة حرارة سطح الأرض، من المفيد أن نستعرض الحقيقةَ العلميةَ لاستمرار تغيُّر المناخ العالمي. لقد أصبحَتْ حقيقةُ تأثيرِ ظاهرة الدفيئة والآثارِ الناتجة عن زيادة ثاني أكسيد الكربون في الجو معروفةً منذ العمل الرائد لسفانت أرهنيوس في عام ١٨٩٦؛ فقد جرت مراقَبةُ الزيادة الثابتة في نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي مباشَرةً منذ بداية الثورة الصناعية بدءًا من عام ١٩٥٩، وأُعِيدَ النظرُ فيما حدث من زيادة في السنوات السابقة على هذا باستخدام العينات الجوية المحفوظة في الجليد. وفي مايو عام ٢٠١٣ وصَلَ تركيز ثاني أكسيد الكربون إلى ٤٠٠ جزء من المليون، وهذا أعلى بنحو ٤٣ في المائة من مستوياته في الفترة السابقة على الثورة الصناعية، ويُعزَى السبب في كل هذه الزيادة تقريبًا إلى ما قام به الإنسان من حرقٍ للوقود الحفري وإزالةٍ للغابات. وتخبرنا أساسيات الفيزياء بأن التأثير المتزايد لظاهرة الدفيئة بفعل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سوف يؤثِّر على درجة حرارة الكوكب، لكن السؤال المهم هو: كم سيكون مقدار هذا التأثير؟

لقد استطعنا لأول مرة خلال العقدين الماضيين قياس الاحترار الناجم عن ظاهرة الدفيئة، وتعقُّبَ مكان استقرار الحرارة الزائدة. تعمل غازات الدفيئة الزائدة على حبس الحرارة في الغلاف الجوي وتقليل الأشعة تحت الحمراء المنبعثة في الفضاء، ويعمل هذا الاختلال في التوازن على امتصاص الأرض لكميةٍ أكبر من الطاقة تفوق المنبعث عنها، وتئول معظم هذه الطاقة إلى المحيطات، لا إلى سطح الأرض أو الغلاف الجوي. وأصبح من الممكن الآن للمرة الأولى قياس درجات الحرارة العالمية للمحيطات باستخدام مجسَّات «آرجو» لأعماق المحيط، وهي شبكة عالمية تتكوَّن من أكثر من ٣ آلاف محطة قياسٍ تقيس درجات حرارة المحيط حتى عمق كيلومترين. ومن آثار ارتفاع درجة حرارة المحيط ارتفاعُ مستوى سطح البحر بفعلِ التمدُّد الحراري للمياه، الذي يحدث حاليًّا بمتوسط ٣٫٣ ± ٠٫٤ ملِّيمتر سنويًّا (بِناءً على بيانات الفترة من عام ١٩٩٣ وحتى عام ٢٠٠٩).

تظهر آثار الاحترار العالمي في كثيرٍ من الأنظمة الطبيعية، وتحدث معظم التغيُّرات الكبرى في المنطقة القطبية الشمالية؛ ففي المحيط القطبي الشمالي تضاءَلَ الحدُّ الأدنى للغطاء الجليدي الصيفي بأكثر من ٥٠ في المائة، كما وصَلَ سُمْك الجليد المتبقِّي إلى نصف ما كان عليه منذ ثلاثين عامًا. كذلك يتقلَّص حجم الغطاء الجليدي في جرينلاند سريعًا، وفقًا لقياسات الأقمار الصناعية التي تستشعر إجمالي الكتلة الجليدية، وفي صيف عام ٢٠١٢ فُقِدت كمية هائلة من الجليد تقدَّر ﺑ ٥٠٠ كيلومتر مكعب. لا يذوب معظم الجليد في مكانه، وإنما تعمل المياه السطحية الذائبة على تسهيل تدفُّق الجليد وتتسبَّب في ذهاب معظمه إلى البحر، بعد ذلك يوفِّر ارتفاعُ درجة حرارة المحيط الطاقةَ اللازمة لإذابة هذا الجليد. ثَمَّةَ فقدان مُشابِه للجليد في المنطقة القطبية الجنوبية، ناجِم في الأساس عن تآكُل الجروف الجليدية الطافية من الأسفل بفعل مياه البحر الأكثر دفئًا.

تُثبت جميع هذه الأدلة تفاقُم ظاهرة الاحترار العالمي في الآونة الأخيرة، لكن ماذا عن الأدلة المستقاة من درجات الحرارة العالمية لسطح الأرض؟

استقرار درجات الحرارة

تُستقَى درجات الحرارة العالمية لسطح الأرض، التي يُستشهَد بها عادةً، من قياس جزءٍ صغيرٍ فقط من ميزان الطاقة العالمي. ومع ذلك، فهي مهمة لسببين: الأول أنها جزء من التسجيل المستمر لقياسات مقياس الحرارة التي ترجع إلى قرن ونصف قرن من الزمان (ويعود استخدامها لدى الجيولوجيين إلى فتراتٍ أبعد من ذلك)، على عكس قياسات حرارة أعماق المحيط أو فقدان الجليد القطبي، التي تقتصر على العقود القليلة الماضية. أما السبب الثاني، فهو سهولة فهم العامة لهذه القياسات؛ حيث ترتبط بفهمهم لمعنى الاحترار.

يرجع تذبذُب درجات حرارة سطح الأرض إلى العديدِ من الأسباب الأخرى بخلاف الاحترار الناجم عن ظاهرة الدفيئة. على سبيل المثال، تتأثَّر هذه الدرجات إلى حدٍّ ما بالتباينات الصغيرة في الاحترار الشمسي (دورة النشاط الشمسي)، كما أنها تخضع على المدى القصير لسيطرة الطقس والدورات الممتدة لعدة سنوات، مثل ظاهرة «النينو-التذبذب الجنوبي»، التي يحدث فيها إعادة توزيع هائل للحرارة بين المحيط والغلاف الجوي. شهد عام ١٩٩٨ أحد أكبر أحداث «النينو-التذبذب الجنوبي» في التاريخ، والذي نتج عنه ارتفاع في درجات الحرارة المقيسة. ولهذه الأسباب، يفضِّل علماء المناخ الذين يبحثون في آثار الاحترار الناجم عن ظاهرة الدفيئة توزيعَ درجات حرارة السطح على جداول زمنية تزيد مدتها عن عقدٍ من الزمان، للمساعدة في تقليل الاضطراب الناجم عن الدورة الشمسية وظاهرة «النينو-التذبذب الجنوبي» وغيرهما من التغيُّرات القصيرة المدى الناجمة عن الانفجارات البركانية.




منظوران لتغيُّرات متوسط درجات الحرارة العالمية منذ عام ١٩٧٠. في الصورة العليا تمَّ توصيلُ البيانات بخطٍّ مستقيم، أما في الصورة السفلى فقد تمَّ توصيلُها معًا بعدة قِطَع مستقيمة مكوِّنَةً شكل «درجات السُّلَّم». تعكس الصورتان الزيادة نفسها في درجة الحرارة، وقدرها ٠٫٧ درجة مئوية على مدار اثنتين وأربعين سنة، لكن ردَّ فعلنا يختلف وفقًا لطريقة عرض البيانات. يوضِّح كلا الرسمين البيانيين درجات الحرارة السنوية، وفقًا للمتوسط المأخوذ للفترة من عام ١٩٦٤ حتى عام ١٩٩٤.

يختلف المناخ عن الطقس، كما أنه لا يتحدَّد بالتغيُّرات القصيرة المدى التي تحدث خلال السنة الواحدة؛ فقد ساد اعتقادٌ لوقتٍ طويلٍ أن المناخ يُقَاس على مدًى من عشرين إلى ثلاثين سنةً في المتوسط؛ لذا فمهما كان الاستقرار الذي يظهر في سجلات درجات الحرارة السنوية، فإن التقلُّبَاتِ القصيرةَ المدى هي التي تتحكَّم فيه، ولا وجود لحالة الاستقرار في درجات الحرارة ذات الدلالة المناخية. إلا أننا غير مستعدين ولا يمكننا الصبر لمدة عشرين أو ثلاثين سنةً من أجل تقييم حقيقة التغيُّر المناخي؛ لذا فإننا نجد استقرارًا واضحًا بالنظر فقط إلى قياساتِ درجة حرارة سطح الأرض خلال العقد الماضي.

يعرض الرسمان السابقان طريقتين للنظر إلى تلك البيانات، فكلاهما يعرض تمثيلًا بيانيًّا لدرجات الحرارة العالمية المَقيسة من عام ١٩٧٠ وحتى عام ٢٠١٢. يصل الشكل الأول البيانات بخطٍّ مستقيمٍ واحدٍ لاستنتاج متوسط الاحترار على مدار نصف القرن الماضي، أما الثاني فيصل البيانات نفسها بمجموعةٍ من القِطَع المستقيمة. ويعكس الشكل الذي يحتوي على قِطَعٍ مستقيمةٍ متعدِّدةٍ استقرارًا في درجة الحرارة من عام ٢٠٠١ وحتى عام ٢٠١٢.

يوضِّح هذان الرسمان البيانيان طريقتين على الدرجة نفسها من المعقولية للنظر إلى هذه البيانات، تشير إحداهما إلى ارتفاعٍ ثابتٍ في درجة الحرارة، بينما تشير الأخرى إلى درجات سُلم أو «سُلم متحرك». يوضِّح الشكلان أن درجات الحرارة ترتفع، إما على نحوٍ متواصِل وإما على فتراتٍ متقطِّعة، ولك أن تختار. كانت درجات الحرارة في كل عقدٍ على مدار نصف القرن الماضي تزيد عمَّا كانت عليه في العقد السابق، ووقع العامان الأشد حرارةً في العقد الماضي، وهما ٢٠٠٥ و٢٠١٠.

هل «الاستقرار» القصير المدى في درجات الحرارة مهمٌّ؟ ربما يكون كذلك عند النظر إليه على نحوٍ منفصِلٍ، لكن عند النظر إليه في سياق الأدلة الأخرى على الاحترار السريع لكوكب الأرض، فإن هذا التذبذُبَ الأخير في بيانات درجة حرارة السطح لا يُعَدُّ دليلًا ضد الاحترار العالمي؛ فالحرارة تستقرُّ على كوكبنا، سواءٌ ظهرت في بيانات درجة حرارة السطح القصيرة المدى أم لم تظهر.

الخلاصة

لقد أصبح هذا الاستقرار القصير المدى في درجات الحرارة الحُجَّةَ الأساسيةَ لمَنْ يُشكِّكون في حقيقة الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري، أو مَنْ ينكرونها بالكامل. وحجتهم هذه جزءٌ من موقف إنكاري عام لا يعترف بحقيقة وجود علم المناخ. يُقال أحيانًا إن ثاني أكسيد الكربون جزء صغير من الغلاف الجوي ولا يمكن أن يُسهم في تغيُّر المناخ، أو أنه من السخيف أن نتخيَّل أن أيَّ شيءٍ يقوم به البشر يمكن أن يكون له تأثيرٌ هائلٌ على كوكبنا. ويؤكِّد هذا المقال أن علماء المناخ يرَوْن ببساطةٍ وجودَ ارتباطٍ بين درجات الحرارة وتركيز ثاني أكسيد الكربون، ويزعمون بسذاجةٍ أنه ارتباط يقوم على علاقة سببية؛ ومن ثَمَّ إذا لم ترتفع درجات الحرارة بانتظام مع ارتفاع ثاني أكسيد الكربون، فإن هذا يدحض فكرةَ تغيُّرِ المناخ بالكامل.

لا يعترف هؤلاء المنكرون بالأدلة الواسعة النطاق على تغيُّر المناخ، ولا بآلاف الأبحاث العلمية المنشورة سنويًّا التي تقوِّي فهمنا للمناخ ولم تُدحَض علميًّا أبدًا. ويشبه أسلوبُهم أسلوبَ مُنكِرِي التطوُّر، الذين يتجاهلون تمامًا أبحاث علماء التطوُّر ويجزمون ببساطةٍ أن علماء الأحياء يؤمنون تمامًا بصحة كلام داروين، ويفسِّرون بسذاجةٍ جميعَ الأدلة وفقًا للعقيدة الداروينية.

إن المنكرين لعلم المناخ وعلم الأحياء التطوُّري يشوِّهون العلم على نحوٍ مغالًى فيه، وغالبًا ما ينجحون بسبب عدم فهم الكثيرين لآليات العلم الحقيقية.

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية