تحولات المغرب القروي في طبعة ثانية ...للباحث عبد الرحيم العطري.

تحولات المغرب القروي في طبعة ثانية ...للباحث عبد الرحيم العطري.

















 


مصطفى محسن نشر في مراكش بريس يوم 24 - 12 - 2011

كتاب "تحولات المغرب القروي: أسئلة التنمية المؤجلة" للأستاذ عبد الرحيم العطري
تصدر قريبا، بحول الله، الطبعة الثانية من كتاب “تحولات المغرب القروي: أسئلة التنمية المؤجلة” للأستاذ تحولات المغرب القروي في طبعة ثانية للباحث عبد الرحيم العطري، و ذلك بعد نفاذ الطبعة الأولى التي صدرت في نهاية سنة 2009، و تجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب قدم له عالم الاجتماع المغربي الدكتور مصطفى محسن بالتقديم التالي:
الخطاب السوسيولوجي و تحولات المغرب المعاصر
أسئلة المعرفة، رهانات الفهم، و تحديات التنمية
بقلم: الدكتور مصطفى محسن
في الكثير من مجتمعات العالم الثالث التي لم تنجز حداثتها الذاتية بعد، و لم تستكمل مشروع بناء “دولتها الوطنية” الوفاقية المستقلة، و لم تقم أيضا قطيعة عميقة لا مع “الإرث التقليدي” لماضيها الخاص من جهة، و لا مع رواسب “الإرث الكولونيالي” بكل حوامله و تأثيراته و رهاناته المتعددة من جهة ثانية. في هذه المجتمعات، بالتحديد، تحتل “المسألة القروية، أو الزراعية أو الفلاحية” بما هي جزء لا يتجزأ من “المسألة الاجتماعية” في كافة أبعادها و جوانبها، مكانة هامة و وازنة، و على صعد مختلفة. و ذلك لعدة اعتبارات معرفية و اجتماعية، نذكر منها على سبيل التذكير و الإشارة لا الحصر، ما يلي:
أولا:ما يزال “العالم أو الوسط أو المجال القروي”، حسب اختلاف هذه التسميات و مرجعياتها الموجهة، يعاني، في مجتمعنا، من الكثير من مظاهر الإقصاء و التهميش و تعثر مشاريع التنمية و التطوير و الإصلاح. و بالرغم مما بذل من جهود كبيرة، منذ الاستقلال إلى الآن، في سبيل تحديث “المجتمع القروي”، و إنمائه اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا و سياسيا، فإن ما انتهت إليه هذه الجهود لا يعدو أن يكون، في نظر البعض، سوى “تنمية معطوبة أو معاقة أو مشوهة”، لم تتمكن من أن تنفذ إلى صميم البنيات المادية و الرمزية لهذا المجتمع القروي، فتحوله مفاعيلها و تأثيراتها الإيجابية صوب الانخراط المنتج في مسارات الديمقراطية و الحداثة و التنمية البشرية الشاملة المستديمة التي تروج لها خطابات و مشاريع هيئات وطنية و دولية مختلفة.
ثانيا: في هذا الوضع المأزمي الذي يعيشه الوسط القروي تتصدر مشكلات نوعية خاصة و معقدة، و ذلك مثل أزمة التربية و التعليم و التكوين بكل ما لها من جذور و أبعاد و امتدادات و آثار سلبية على استثمار “الرأسمال البشري” و تكوين “المواطن” و ترسيخ قيم و ثقافة الحداثة و المواكبة الحضارية...إضافة إلى قضية المرأة، بما لها من جوانب و دلالات سوسيوثقافية و اقتصادية متعددة، فضلا عن مشكلات الطفولة و الشباب و الشيخوخة و الأسرة و الإدارة و الخدمات الاجتماعية و كذلك أوضاع العمل الحزبي و طبيعة “المشاركة السياسية، و السلوك الانتخابي أو السياسي للمواطن القروي، و ثقافته السياسية...”. و ما يؤسس كل ذلك من ميكانيزمات و عوامل تجعل من هذه المشكلات و الأوضاع متميزة، و لو بشكل نسبي، عن نظيراتها في الوسط الحضري المغربي راهنا، و الذي يشهد أنماطا متباينة و متواترة من التغير أو التحول الاجتماعي الملموس.
ثالثا: إلا أنه، و مع أخذ الحيثية الآنفة بعين الاعتبار، يستفاد من بعض الدراسات السوسيولوجية و الأنثروبولوجية الغربية و الوطنية معا، أن المجتمع المغربي، بمجاليه القروي و الحضري، ما يزال، متسما بتشابك علائقي معقد بين ما هو “قروي” و بين ما هو “حضري”. و ما تزال وتائر التفاعل و دورات الانتقال أو “الهجرة أو التهجير” المتبادلة بين بعض عناصر “الثقافة القروية ” و “الثقافة الحضرية” وتائر و دورات نشطة و فاعلة، و ذلك ضمن مستويات من “القرونة أو التمدين” تحدد تأثيراتها شروط السياقات الاجتماعية المتباينة.
إن الحضور المتواصل، في الوسط الحضري للعديد من العادات و الأعراف و التقاليد القروية، و ما يرتبط بها من علاقات دموية و زبونية و ولاءات قبلية و تقليدية مختلفة، في مقابل انتقال الكثير من القيم المدينية من موضات و أساليب استهلاك و أنماط عيش إلى العالم القروي، و لكن من دون توفره على “بنيات مستقبلة” متطورة و قادرة على التبادل المتكافئ مع مستحدثات التغير الجديدة، كل هذا يبرز ما يعيشه مجتمعنا المغربي، من نمط لا متوازن من “المثاقفة” بين القروي و الحضري، مثاقفة ما تزال تحتل فيها عناصر و مكونات الثقافة الحضرية موقع الهيمنة و التصدر. الأمر الذي يضع “المسألة القروية” في واجهة الاهتمام و التفكير، و يطرح علينا أكثر من سؤال حول مدى تأثير هذه التداخلات السوسيوثقافية على مشاريع التنمية و تجارب التحديث و التحول الديمقراطي، لا سيما و نحن نواجه الآن في “زمن العولمة” و تبلور “مجتمع المعرفة و الإعلام و التواصل” تحديات و استحقاقات كبرى و على أكثر من صعيد.
مناسبة هذا الحديث هي أننا ارتأينا أن نستهل به تقديمنا لكتاب السوسيولوجي المغربي الواعد عبد الرحيم العطري، و هو مصنف يضم مجموعة دراسات ذات جوانب و أبعاد نظرية تحليلية و تطبيقية معا، عالج فيها الباحث/المؤلف، من منظور علم الاجتماع، بعض قضايا و مكونات “المجتمع القروي” و ذلك مثل: الإشكالية العقارية و المخزن و الجماعة و الأعيان و العائلة و الهجرة و المجتمع الواحي...مستنجدا في المقاربة و التفسير و التأويل و جمع البيانات الكمية و النوعية، بمرجعيات نظرية و منهجية و بتقنيات و أدوات بحث متعددة. و لم يكتف المؤلف، في البحث و التحليل و الاستنتاج، بمجرد عرض معلوماتي للمعطيات و الأرقام و المضامين، بل اجتهد في تقديمها عبر منظور تساؤلي نقدي حي، واع بديناميكية المجتمع المبحوث و بديناميكية و نسبية ما ينتج حوله من “معرفة علمية”. إضافة إلى ما اعتمده المؤلف في تحرير هذه الدراسات من أسلوب في الكتابة، متسم بقدر لا يستهان به من السلاسة و الجاذبية و الوضوح، و دون انزياحات دلالية مؤثرة.
كل هذه المقومات و المميزات الإيجابية تمنح، في تقديرنا، لعمل الأستاذ العطري، مواصفات و إمكانات الانفتاح على قضايا و مجالات فكرية و سوسيولوجية متنوعة، كما تؤهله لامتلاك نوع من الاقتدار على مخاطبة شرائح واسعة و متنوعة من القراء و المهتمين... و لهذا لا نود أن تفوتنا فرصة هذا التقديم لنشترك: مؤلفا و مقدما و قارئا، في أن نجعل من هذا العمل الجاد أفقا أرحب للتفكير و التحاور و التساؤل حول ما يقدمه أو ينفتح عليه من أفكار و طروحات و رؤى. و حتى يكون سعينا هذا مناسبا لطبيعة المقام، نجمل بعض أهم تلك الأفكار و التساؤلات النقدية فيما يلي:
أولا: لقد أنتجت الدراسات الكولونيالية، بل و الاستشراقية بشكل عام، و سواء قبل أو أثناء الفترة الاستعمارية أو بعدها تراثا كميا و نوعيا ذا أهمية وازنة، كرس لمقاربة أوضاع و مكونات المجتمع المغربي. و نستحضر هنا من بين أبرز هذه الدراسات التي تناولت المغرب و أوساطه و بنياته القروية خاصة أعمال كل من: روبير مونطاني و ميشو بلير و إرنست غيلنر و روني غاليسو و دافيد هارت و جاك بيرك، ثم ريمي لوفو و غريغوري لازاريف و جون واتربوري، إضضافة إلى أعمال أخرى ذات مجال اهتمام أوسع مثل دراسات إيفانز بريتشارد و أشكينازي و ماسكراي و دافيز، فضلا عن هانوتو و لوتورنو و روندو و مونييه و فالينسي...إلخ.
و إذا كان الرواد من هؤلاء قد ساهموا، و لاسيما خلال الفترة الاستعمارية، في تأسيس ما يسميه البعض ب”سوسيولوجيا الأهالي” كمحور أساسي ضمن “السوسيولوجيا الكولونيالية”، التي استهدفت تشريح بنيات و مؤسسات و آليات اشتغال المجتمع المغربي بوسطيه الحضري و القروي، فإن ما يمكن التساؤل حوله هو: إلى أي حد تمكنا من الحسم في اتخاذ موقف علمي نقدي منتج بدل بقائنا حبيسي تلك الثنائية الموقفية القديمة، المتمثلة إما في موقف النقض أو الرفض أو التحفظ أو الإلغاء المجاني أحيانا لمجمل التراث الكولونيالي، على اعتبار غلبة بعده الإيديولوجي على مضامينه المعرفية، و لأنه أنتج، في جله، من طرف باحثين هواة من مسؤولين و حكام مقيمين و عسكريين و إداريين، لا من طرف مختصين، اللهم إلا فيما ندر، و لأن هذا التراث أيضا قد شكل، في شروطه الاستعمارية تلك، سندا “علميا” داعما للمؤسسة الاستعمارية في توجهاتها و سياساتها و مصالحها العلنية منها و المضمرة، أو التموضع في موقف التبني التبعي و الاستلاب شبه الكلي لهذا التراث المعني، فنوظفه، في مقاربة أوضاع مجتمعنا، في القرية و المدينة معا، كما لو كان معرفة مكتملة تامة و ناجزة، و ذلك إلى الحد الذي تصبح فيه بعض الخطابات المستندة إلى هذا الموقف و كأنها تتحدث عن واقع “متخيل أو افتراضي” لا مكان له في الواقع العيني الملموس، و إنما فقط في أذهان و خلفيات و تصورات منتجي هذه الخطابات الواهمة؟
ثانيا: و إذا كان هذا الأدب الكولونيالي قد أنتج حول المجتمع القروي المغربي، عدة منظومات مفاهيمية و مقترحات نظرية و منهجية، و نماذج تحليل و عدد بحث و تفسير و تأويل، فإن التساؤل النقدي عن الثبات العلمي و الصلاحية المعرفية و الاجتماعية لكل مكونات هذا “العتاد” يظل مشروعا على أكثر من مستوى. في هذا السياق بالذات يمكن أن نشير إلى ما عالجته هذه السوسيولوجيا من ظواهر و مفاهيم كالقبيلة و المخزن و السيبة و الجماعة، و من نخب و سلط و زعامات محلية: الشيخ و المقدم و القائد و الأعيان و الشرفاء، و من مؤسسات: كالعائلة و الجامع( الكتاب/المسيد)، و أشكال تعاون مثل: التويزة و الوزيعة و لحمية، و أدوار و مواقع: كالخماس(الشريك) و الرباع و الخباز و العزاب و السارح(الراعي)، و علاقات القرابة و الزواج و الجوار و المصاهرة و المنازعات العقارية و أساليب استغلال الأرض و البيع و الشراء و السكن و التملك، و طقوس الأعياد و المناسبات و شعائر المقدس و المدنس، و ما يرتبط بذلك من عادات و أعراف و تقاليد و قيم و معايير و رؤى للعالم، أي بمضمون “الثقافة القروية” في مدلولها السوسيو أنثروبولوجي العام.
و لعل مما يثيره التفكير في هذه المفاهيم و الظواهر كلها، ضرورة التساؤل التالي: ما هي أهم معالم الثبات و التغير، أو القطيعة و الاستمرار في أبعاد و مضامين و دلالات هذه المكونات، و خاصة مع بروز راهن لهيمنة مكونات و مؤسسات حديثة مثل: المدرسة العصرية و الحزب و الدولة و المجتمع المدني و الهيئات المنتخبة، و تقنيات حديثة في العمل و الإنتاج و التنظيم و تدبير الشأن المحلي؟ ثم بأي معنى ما تزال تلك الظواهر و المكونات تحضر في العالم التمثلي للمواطن القروي؟
ثالثا: و نحن نثير، هنا، هذه الإشكالات و القضايا، نجد أنفسنا، محفزين بالشعور حقا بفضيلة الاعتراف و بحس الأمانة العلمية، ملزمين بالتنويه و التثمين لتلك الجهود الفكرية و العلمية و التربوية التي بذلها رواد البحث السوسيولوجي في المغرب، و ذلك في سبيل “توطين السوسيولوجيا” في المغرب المعاصر، انطلاقا مما ساهموا به، ضمن ما كان متاحا لهم من هوامش تحرك و من إمكانات مادية و معنوية متواضعة، من تنظير و بحث و تأطير لأعمال أكاديمية أو “بحوث خبرة” لا شك أنها تشكل تراكما محمودا في هذا المجال. نذكر من بين هؤلاء الرواد على سبيل المثال فقط، أسماء وازنة مثل: عبد الكبير الخطيبي و محمد جسوس و بول باسكون و رشدي فكار و عبد الله حمودي و عبد الله العروي...غير أن هذا لا يمنعنا أن ننسى ما تخرج من “المدرسة الفكرية”، على سبيل افتراض وجود بعض ملامحها جدلا، من أجيال متلاحقة من الأساتذة الباحثين و المثقفين و الأطر، ممن تحتل بعض أعمالهم القيمة حضورا متميزا و واعدا في المهد الفكري و الثقافي العام ببلادنا راهنا، و بل و حتى خارج حدود المجتمع المغربي و العربي. إلا أنه و بالرغم من اعترافنا و تقديرنا الصادق للجهود الفكرية لهؤلاء الرواد و من تلاهم من “تلامذة و أتباع”، فإن أسئلة مؤرقة متباينة الخلفيات و المناحي تظل هنا حاضرة مولدة للكثير من شواغل التفكير و أفضية التحاور، و ذلك من قبيل ما يلي:
أ: إلى أي حد استطاعت الجهود الوطنية أن تبلور موقفا نقديا و حواريا من/مع السوسيولوجيا الكولونيالية. و ذلك عبر قراءتها قراءة علمية معمقة قمينة بتفكيك منهجي لإوالياتها و أسسها المعرفية و الإيديولوجية، و فرز ما هو علمي فيها مما هو تاريخي مرتبط بخلفيات هذه السوسيولوجيا و رهاناتها السياسية و اشتراطاتها و مصالحها و توجهاتها الفكرية و الحضارية المتداخلة المعقدة؟ ثم أين يمكن موضعة مساهمات السوسيولوجيين المغاربة و العرب ضمن الطروحات النقدية التي وجهها للأدبيات الكولونيالية مفكرون غربيون بارزون من عيار جورج بالاندييه و موريس غوديلييه و جون زيغلر و بيرتراند بادي و غيرهم ممن ينتمون إلى تخصصات و حقول سوسيولوجية و أنثروبولوجية و فلسفية مختلفة؟
ب: ضمن أي حدود يمكن القول بأن مسيرة البحث السوسيولوجي في مغرب “الاستقلال” قد ساهمت، في أن تنجح و لو ضمن شروط و مواضعات معينة، في وضع الأسس البانية لتوجه أو توجهات أو تيارات “وطنية” ذاتية في التنظير و البحث و بناء المفاهيم و إنتاج التصورات المنهجية و نماذج التحليل و التفسير و التأويل، أي منظومة من “العدد” النظرية و التطبيقية “المطابقة” لأوضاع و خصوصيات و عوائق و إمكانات البحث السوسيولوجي في مجتمعنا المغربي؟ ثم هل تمكنت هذه المسيرة، بصيغة أخرى، من المساهمة في التأسيس لما وسمه البعض ب “سوسيولوجيا التحرر أو الاستقلال أو الثورة”، في مقابل “سوسيولوجيا التبعية أو الاستعمار”؟
هذا مع ضرورة التذكير، في هذا المساق، بأننا لا نؤمن بما يروج له، حاليا في وطننا العربي، من رؤى و تصورات “ساذجة” في جلها حول ما يدعى ب “إقليمية أو جهوية أو عروبة” العلوم الاجتماعية و الإنسانية، و الدعوة إلى تأسيس “علوم وطنية أو قومية” في هذا المجال، و قد تم تخليصها و تحريرها من “غربيتها” و من حواملها و مرجعياتها المعرفية و السوسيوتاريخية المؤسسة. إن ما ندعو إليه حقا، في إطار منظور نقدي تجاوزي ل”منظومات مركزية المعرفة الغربية” في هذه الميادين، هو أن تصب الجهود العلمية الوطنية في مسار محاورة و تدعيم و تطوير و إثراء “المشروع الكوني” للعلوم الآنفة.
الواقع أنه ما كان لنا أن نطرح هذه الإشكالات في هذا التقديم للكتاب القيم للأستاذ عبد الرحيم العطري لو لم يكن لهذا المؤلف فضل الانفتاح على بعضها و التحفيز على إثارتها، مما يحمد للباحث و يشكر عليه، إلا أنه يبدو لنا مفيدا أيضا، و عطفا على ما سبق، أن نختتم هذا التقديم ببعض الملاحظات الفكرية و المنهجية و نجمل أهمها فيما يلي:
أولا: تأسيسا على ما سقناه من أفكار و قضايا و تساؤلات تتبدى لنا ضرورة التفكير و العمل على صياغة منظور فكري نقدي حواري و تكاملي لمجمل “المنتوج المعرفي الغربي” في العلوم الاجتماعية: ماضيا و حاضرا و توجهات مستقبلية، و نظريات و مفاهيم و مناهج و براديغمات و أطرا معرفية و اجتماعية و تاريخية موجهة. و يظل الهدف هو ملحاحية التوصل إلى بناء معرفة سوسيولوجية متواصلة من جهة مع البعد الكوني لمشروع العلوم الاجتماعية، و من جهة ثانية مع الخصوصيات و الشروط الثقافية و السوسيوتاريخية لمجتمعنا المغربي في عمقه القروي بالأساس.
ثانيا: و إذا كنا، للحقيقة و التاريخ و تقدير الأمانة العلمية، لا يمكن بأية حال تجاوز ما أنجزه رواد مغاربة و عرب في مسيرة بناء نقدي للمنظور المنوه به أعلاه، مثل عبد الكبير الخطيبي و محمد جسوس و بول باسكون ممن سلف ذكرهم، أو غيرهم من المفكرين العرب المعاصرين المرموقين، لو أردنا أو نوسع الاهتمام بنقد المعرفة الغربية، مثل: عبد الله العروي و محمد عابد الجابري و طيب تيزيني و حسن حنفي و محمد جابر الأنصاري و هشام شرابي و محمد أركون و إدوارد سعيد، أقول: إذا كنا نؤكد على الاعتراف في التأسيس للرؤية النقدية، فإننا نرى أنه من المفيد رفدها بما يمكن أن يدعمها من المقترحات و التصورات و الأفكار.
و في هذا الإطار نقترح ما وسمناه ب”منظور النقد المتعدد الأبعاد” و الذي جعلنا منه مرجعية فكرية أو إطارا إرشاديا موجها لقراءتنا و رؤيتنا للعديد من قضايا و إشكالات الفكر و المجتمع العربيين. و يقوم هذا المنظور، من حيث خلفيته المؤسسة، على نقد إبستيمولوجي و ثقافي و سوسيوتاريخي و حضاري متعدد المكونات و الأبعاد و العناصر، و لكن في إطار حوار فكري نظري و منهجي منفتح تكاملي حذر متجنب، ما أمكن، للوقوع في منزلقات المغالاة و الاختزال و الإلغاء المجاني و الدوغمائية الساذجة، محتضن لشتى ألوان التعدد و التنوع و الاختلاف، و نركز في هذا النقد، على العناصر المحورية التالية:
أ: نقد للذات/ النحن في كافة الأبعاد الآنفة، و لمنتوجاتها المعرفية و المادية و الرمزية ماضيا و حاضرا و توجهات و مراهنات مستقبلية.
ب: نقد للآخر/ الغير/ الغرب في كل المكونات و الأبعاد الآنفة
ج: نقد اللحظة الحضارية على نفس المستويات و الأبعاد، و باعتبارها زمن تفاعل و تبادل و تحاور، أو حتى مواجهة أو صراع، بين الذات و الآخر في سياق سوسيوحضاري تاريخي محدد في الزمان و المكان.
ثالثا: غير أننا ينبغي أن نذكر هنا بأننا في مجال العلوم الاجتماعية لا ننتج معرفة علمية تامة و مكتملة، و إنما أقصى ما يمكن التوصل إليه، هو معرفة نسبية محدودة مخترقة بالكثير من العوائق و المحددات الذاتية الإيديولوجية و الاجتماعية، و بالتالي فنحن لا نتوصل عبر البحث و التحليل و التفسير و الاستنتاج، سوى إلى صياغة “ترسيمات أو خطاطات أو شبكات معرفية” تكون لنا بمثابة البوصلة الإرشادية الموجهة لنا في قراءة و فهم و تحليل الواقع و الاقتراب من معرفة مكوناته و تفاعلاته و آليات تحركه و اشتغاله، و يبدو لنا أن الكثير من الطروحات و التصورات و الرؤى السائدة حول العالم القروي في مجتمعنا المغربي، تظل في حاجة ماسة إلى استحضار هذه الاعتبارات و الحيثيات المعرفية كلها، و ذلك تجنبا لأي تشويه أو اختزال للواقع أو إجباره على الخضوع قسرا لبعض النظريات و المفاهيم و التصورات بدل الاستئناس بها في مقاربته و فهمه و تحليل علمي موضوعي لإوالياته و مكوناته و ظواهره المختلفة.
رابعا: لا خلاف على أن الهدف المحوري للبحث السوسيولوجي هو إنتاج معرفة حول الواقع المبحوث متسمة، و لو بقدر نسبي محدود، من العلمية و الموضوعية و الصلاحية و الثبات، إلا أن هذا لا يلغي أبدا مكونا هاما من مكونات هذه المعرفة، ألا و هو نجاعتها التاريخية و الاجتماعية الملموسة. تلك التي تتمثل في إمكانية الاستفادة العلمية من توظيفها في ترشيد أساليب و سيرورات استصدار و صنع و تنفيذ القرار الاجتماعي على صعد و مستويات متعددة. و ذلك على عكس ما هو معيش في مجتمعاتنا من واقع شقي ل”طلاق بائن” بين ما يمكن وسمه ب”القرار العلمي”، أي نتائج و خلاصات و توصيات البحوث العلمية المختلفة و بين “القرار الاجتماعي” الآنف الذكر.
و هنا يمكن أن نتساءل، انطلاقا مما يستششف من مضامين كتاب الأستاذ عبد الرحيم العطري: إلى أي حد استطاعت البحوث السوسيولوجية تخصيصا أن تنتج حول “تحولات المغرب القروي” معرفة علمية متسمة، ما أمكن، بالصدقية و الموضوعية النسبية، و قادرة على رصد و فهم هذه التحولات، و أيضا صالحة للإفادة منها في توجيه و تدعيم مشاريع و برامج التنمية و التطوير و التغيير، في العالم القروي بالذات مما يسهم في أن يفك عن بعض مجالاته أطواق العزلة و الإقصاء، و يقدره على امتلاك أهلية الانخراط فيما يطمح “المغرب الجديد” إلى بنائه من “مشروع مجتمعي ديمقراطي حداثي” مؤصل، مندمج في محيطه الوطني و القومي و الإقليمي، و متواصل مع سياقه الكوني الإنساني الشامل، و مع استحقاقاته و مستجداته العولمية الراهنة؟
لا يغطي كتاب العطري هذه القضايا و الإشكالات و المجالات الواسعة كلها، و لا يدعي ذلك، و لكنه يطمح، بكل تواضع علمي، إلى أن يجعل من مضامين عمله هذا نافذة معرفية مفتوحة يطل منها القارئ الباحث أو المهتم على بعض أهم مشكلات و أزمات و أوضاع العالم القروي، بله المجتمع المغربي بشكل أعم. و هنا تكمن، في تقديرنا، قيمة و راهنية و فائدة هذا الكتاب معرفيا و اجتماعيا، الأمر الذي يجعل منه إثراء للبحث السوسيولوجي، بل و للمكتبة المغربية و العربية عامة. لذا فنحن نأمل أن يكون عامل تحفيز على إنجازات أخرى قيمة، و لا سيما من طرف طاقات شبابية باحثة، نرجو أن تكون واعدة بالكثير من العمل الجاد و العطاء النوعي و الاجتهاد الصادق، كما هو شأن هذا المجهود السوسيولوجي المفيد.




ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية