ما هو المجــال؟


ما هو المجــال؟

 
 
 
 
 
 
 
 
" الأمم… حيوانات واسعة ينسجم تنظيمها مع بيئتها" بودلير(1)



بن محمد قسطاني

تبدو المجتمعات التقليدية كأنها أمام إدراك إسقاطي وتمثلي للمجال، إدراك مبني على الحس العملي ومدة استجابة المجال للاستمرار الديمغرافي أولا وكتلبية للحاجات الدفاعية ثانية؛ وذلك في إطار دوائر متداخلة يعضد بعضها البعض، بدءا بالدائرة الميثولوجية والمؤثثة بالرمز المرتبط بالجذور والأصول أساسا إما مكانا وموقعا أو جنيالوجيا وخوارق، وذلك تأسيسا للهوية والشخصية والتمايز. وتضم هذه الدائرة دائرة مجال اليومي المكتسب، المؤسس بالعرف والمحافظ عليه بالشرف والعار والقصاص. ويتقاطع هذا المجال مع دائرة الحدود والثغور إما استرجاعا أو تمديدا. ثم تتوج الدوائر بمجال الممكن والحلم، مجال الغد، مهما كان بعيدا. وتسعفنا الدوائر هذه بفهم التقاطعات بشكل ديناميكي وليس بشكل تنضيدي.

يعتبر مفهوم المجال من أكثر المفاهيم إشكالية، لما يحمله من غنى في الدلالة والإيحاء، ولما يتصف به من تعقيد ومفارقة. فهو مفهوم يجيد لعبة الوجه والقناع والإخفاء بالإبراز، يخفي أحيانا ما ينبغي أن يظهره ويبرز أحيانا أخرى ما هو من المفروض أن يختفي… يبدي الوضوح والجلاء والبساطة بل والبداهة الحدسية، ويضمر اللبس والغموض…

وبناء على ذلك يعتبر التسلح بالمعطيات الكافية والتحلي باليقظة ضرورة منهجية، حتى تتم إمكانية فك شفرات الرموز والمؤشرات وربط الدلالات بمدلولاتها، دون انزياح أو استطراد في المعنى…

ولعل أنجع السبل لمقاربة مفهوم المجال، المنهجية الشمولية الديناميكية وحذر تعدد المحتوى، انطلاقا من أولية كون مفهوم المجال بؤرة تقاطعات لعدة معارف، من فلسفة ورياضيات وعلم نفس وجغرافيا واقتصاد، بل وأنثروبولوجيا وسوسيولوجيا، دون إغفال الفن والعمارة وعلم الجمال… وهذا ما يفضي إلى البعد الإشكالي العميق للمفهوم انطلاقا من تساؤلات متمفصلة حول دلالاته العميقة والسطحية، ومدى مردودية توظيفه واستعماله نظريا وعمليا. تساؤلات من قبيل: ما المجال؟ ما هي تجلياته؟ أبعاده؟ تقاطعاته؟ ما هي تمثلاتنا وتصوراتنا حوله؟ كيف نستعمله ونستغله؟ مرجعياته وخلفياته؟ هل يملك كينونة واقعية حقيقية؟ أم هو نتيجة تحديد وبناء ومواضعة؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي قد تساعد في القبض بناصية المعنى.

اعتبر أرسطو المكان مقولة منطقية ذهنية ومعنى كليا لا تستقيم المعرفة بدونه. والمكان، بذلك وكمقولة، محمول في قضية أو تصور ساذج(2)، ليدرجه بذلك في العلم المنطقي العملي الذي اعتبره أداة العلوم (أورغانون). وهو بذلك يموقع المقولات، وضمنها المكان، في حيزها المعرفي الدقيق كمعطى ذهني أولي غير وجودي، وهو فرز دقيق له شأنه المنهجي والإبستمولوجي…

إلا أن بعض فلاسفة الإسلام، لم يدع مفهوم المكان في مستواه المعرفي/المنطقي، بل صعد في تناوله نحو الأنطولوجيا. فاعتبر الرازي مثلا، المكان قديما إلى جانب الزمان والنفس والهيولى والبارئ(3). وهو توجه "وثني" واضح لا تخفى أهميته وقيمته أثناء الفحص الأنثروبولوجي… أما بالنسبة لابن سينا وابن رشد فقد نقلا المفهوم إلى المجال الطبيعي. فالمكان عند ابن سينا: "ليس بجسم ولا مطابق لجسم، بل محيط به، بمعنى أنه منطبق على نهايته انطباقا أوليا"(4). وعند ابن رشد: "هو النهاية المحيطة لكونها استكمالا للأجسام المتحركة وغاية تحريكها"(5).

إلا أن كانط، كان وبحق الفيلسوف الذي تأمل مفهوم المكان، وأعطاه كامل العناية: يعتبر المكان عند كانط إطارا قبْليا ضروريا للمعرفة وفق "حاسة الخارجية كخاصية ذهنية للإنسان بها نتصور الأشياء موضوعة خارجنا في المكان"(6). وحتى يقرب مفهوم المكان وفق التمثلات البيداغوجية اعتبره إحساسا حدسيا خارجيا مقابل الزمان كإحساس داخلي(7). لقد طبع تصور كانط لمفهوم المكان وصياغته له، اعتباره له تصورا ضروريا قبليا يستعمل كأساس لكل الحدوس الخارجية… وبذلك فهو شرط إمكان الظواهر. لكن دون أن يكون، رغم ذلك، مفهوما تجريبيا يشتق من تجارب خارجية، كما أنه ليس مفهوما استدلاليا. إنه حدس خالص وليس مفهوما.(8) وبذلك نخلص من تحديدات كانط إلى شمولية "مفهوم" المكان عنده، فهو ذلك الحدس المحيط والذي لا يحاط به، عكس المفهوم، الذي لا ينبغي أن يضم أي تصور –بتعبير كانط- في حين، أن، المفهوم، منتم إلى مجموعة من التصورات.

إنه منطلق المفارقة. وهو أمر جد إيجابي وذو مردودية معرفية دلالية كبيرة استثمرته العلوم الإنسانية أثناء تناولها لمفهوم المجال.

إلا أن انطلاق كانط في مناقشته لمفهوم المكان من الحركة كما تصورها نيوتن، ومن التصور الأقليدي الهندسي، حصره في مستوى البداهة والحدسية والعفوية، وهو ما مكنه منه حقله المعرفي التاريخي.

ولم تحصل قطيعة إلا مع الهندسات اللاأقليدية والعلم الفرضي-الاستنباطي الذي يصوغ فضاءات هندسية رياضية استدلالية أكسيومية. إذا كان التصور الجديد يتفق مع كانط على أن المكان ليس مفهوما تجريبيا، فإنه يحطم، وبقوة، البداهة الكانطية وحدسيتها، ليصبح الفضاء مجالا يبنى منطقيا واستدلاليا وهو بذلك ليس معطى بل هو إنتاج وصياغة، وهو استنتاج محوري انتهى إليه كانط بحسه الأنثروبولوجي العميق عندما أقر بعدم إمكانية التحدث عن المكان إلا من وجهة نظر الإنسان.(9)

وهكذا اتسمت المقاربة الفلسفية الكلاسيكية لمفهوم المكان، من حيث الاتجاه، إما بالتجريد والنظرية اعتمادا على المفهمة البعيدة الغور نحو المعرفة والوجود، دون الاهتمام بالأبعاد القيمية له كواقع وحقيقة واستثمار، وإما كحدس مباشر يضم ولا يضم. الأمر الذي أعطى للتناول صبغة الماهوية والأنثروبولوجية بالمعنى الكانطي الأولي المفضي إلى تأمل شروط الإنسية الوجودية والمعرفية أو الأخلاقية بعيدا عن اليومي.

لقد أحدثت الإبستمولوجيا المعاصرة رجة في تصور المكان. وذلك إثر الثورات الرياضية والفيزيائية، سواء مع نظريتي الكوانطا والنسبية، أو مع الهندسات اللاأقليدية، الثورات التي مكنتنا من إعادة سبك تصور هذا المفهوم ببنائه وصياغته مع التصورات الفلسفية الكلاسيكية. وبذلك تغير التوجه نحو العلاقة، بدل الماهية، وبدأ الاهتمام بالأبعاد والمقادير (إحداثيات، إنغلاق، انفتاح، ما بين، تبادلية، تقاطع…) بدل الحدس والطبيعة. ففتحت الرياضيات والفيزياء بذلك البعد النسبي للمجال.(10) وهي الخلفية المعرفية التي تحكمت في التصورات المعاصرة حول المجال، سواء كمجال الإدراك في علم النفس أو المجال الجغرافي أو حتى الأنثر-سوسيو-ثقافي…

إن القبْلية التي كانت حدسية، والتي سيراد القطع معها بالبناء والصياغة، ستنتقل إلى كون المجال ليس سوى ذلك المعطى الموجود مسبقا والمحدد المعيق للحريتين الذهنية والفعلية، لكن مع فعل إنساني سيتلاءم مع مفهوم المعمور oekoumène الجغرافي ليتجاوزه إلى ربط واع بين المجال كموطن والمجال كسلطة والمجال كرمز ومعرفة… تلك هي الأنثروبولوجيا وذلك قدرها المجبر للإنسان الذي لا يمكن أن يكون سوى ما هو، عبر شروط محددة، منها المجال والتراب والإقليم والأرض والمسافة والامتداد.. فإذا بنا أمام الاختيار الجبري، أو الجبر الاختياري، وأمام جدلية الفعل والانفعال، ذلك القانون الفيزيائي النيوتوني الذي سيتمدد ليسع النسبة والفهم بدل السببية والحتمية الساذجتين، والتكاملية والديناميكية بدل قانون العطالة. وإذا كان من درس نستفيده من مفهوم المكان في الفيزياء المعاصرة فهو اعتماد حيز الموضوع بدل حيز الذات(11).

كان ذلك سيكون له أثره في تفجير وتشظية المعرفة حول المجال، من الوثوقية إلى المرونة الاستطرادية subsidiaire.

تلك بعض الأفكار الممهدة والكاشفة والمرجعية حول مفهوم المكان-المجال، كمفهوم قبل/مجالي préspatial تؤطره الفلسفة والرياضيات والفيزياء. فما هو المجال الآن في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية؟

يرى لالاند في معجمه أن المجال "ليس شيئا وليس إحساسا، ولكنه إنتاج وبناء ذهني: مثال التجريد"(12) ثم يضيف:إنه "بالنسبة لعلماء النفس لا يوجد سوى مجال واحد هو الذي ندركه واقعيا وهو المجال البصري".(13)

نستنتج من التعريف، الطابع الحسي للمجال، ذلك الطابع الذي يؤكد عليه علماء النفس، من جهة، والطابع التجريدي البنائي من جهة ثانية. وهي ثنائية تعزز الطابع الإشكالي المفارق الذي انطلقنا منه منذ البداية. ولا نرى في الإشكالية تلك سلبية، بل هي مرونة الدلالة ومن ثمة مردودية الاستعمال.

أما معجم علم النفس، فيتحدث عن مجالات وليس عن مجال واحد، فهناك المجال السمعي ومجال الجسم ووضعه، ومجال الإشارات والمواقف والمجال البيئي والإسقاطي (لدى بياجي) ثم المجال الحيوي. ويعطينا كارل لوين تعريفا يقول فيه: إن المجال هو "مجموع محددات حالية، داخلية وخارجية لسلوك شخص أو جماعة".(14)

وإذا كانت هناك فائدة من استعراض التناول النفسي لمفهوم المجال، ففي إحالته لعلاقة المجال بالجسد والحس والمواقف ومن ثمة التعلم وفق المحددات المعطاة انطلاقا من مجال الذاكرة والماضي، بل والمستقبل وفق مجال المتخيل والاستشراف سلوكا مع الآخر, وفي قياس حجمه ومدى أهميته، ومدى أهمية المسافة التي تفصل به ومدى قوته, ما يمكن الاصطلاح عليه بالمجال الاستراتيجي…

يعرض معجم الرموز(15) للمكان بشكل شمولي تكثيفي جد موح عندما يحدد: "يعتبر المكان، وهو غير مستقل عن الزمن، حيز الإمكانات –ويرمز في هذا المعنى إلى فوضى الجذور- كما أنه حيز الإنجازات-وهو بذلك يرمز إلى الكون والعالم المنظم… ليشمل مجموع الكون، بتحييناته وقدراته". ويمكن أن نستخرج من التعريف عدة نتائج أهمها:

ـ محايثة الزمن للمكان، ومن ثمة ضرورة الطبيعة الدينامية لأي استعمال لمفهوم المكان والمجال، وإلا سقطنا في تمثل طوبوغرافي ترابي فج يسقط حتميات الإيكولوجيا على الفعل الإنساني ويسقط في الجغرافوية الساذجة géographisme naif

ـ المكان حيز الإمكانات، وهي إشارات ذكية لتلك الازدواجية المعقدة، من أثر المجال المعطى والمحيط على الإنسان بشكل بديهي، مع ما يوفره هذا المعطى من الإمكانات والاحتمال وقدرة الإنسان على تغيير الأثر والمعطى نفسيهما.(16)

ـ لا يتحمل الإنسان فوضى الجذور، حتى منذ الوثنيات الأولى، ومن ثمة الدور الجينيالوجي للأساطير الباحثة عن البدايات و"الساعية إلى المآلات"، والطابع اللاواعي لفوضى الجذور هذا إيجابي من حيث القدرة على الاختلاف وامتصاص الغريب. ومن ثمة البعد الديمقراطي العميق للمجال…

ـ المكان حيز الإنجازات، ومن ثمة الوجدانية المحايثة للوطن-الوثن، للعلاقات المورفولوجية، للذاكرة والفعل اليومي والترشيد والحكمة والعرف والآفاق والعهود والمواثيق…

ـ يشمل المكان مجموع الكون بتحييناته التي تعطيه الطاقة والحيوية الكافية للاستمرار.

ـ أخيرا، يجمع المكان-المجال بين جدل الحتم والغير المنتظر ومن ثمة المردود الحيوي للمفهوم والذي يحيل إلى التقليد الألماني الذي يعادي الوضعوية، وهو انفتاح على ثقافات الفهم والاحتمال(ماكس فيبر بدل دوركايم)(17).

إن لمفهوم المجال، بكل ما سبق، مردودية إبستمولوجية كبرى نظرا لمرونته وعلاقته المحايثة بمفهوم الحركة والعلاقة، هذا على مستوى الدلالات الذهنية. أما المردود السوسيولوجي فيتضح انطلاقا من علائقه بالسلطة والمعرفة والإخفاء وهي العلائق التي تشغلنا هنا بالأساس.

إن المقاربة المجالية مزدوجة الفعل، فهي وصفية وتفسيرية. وصفية للمجال كما يفعل وينشر ويستعمل ويستغل، وتفسير وتبرير للأفعال تلك عبر الكشف عن المسكوت عنه واللاواعي به والمتحكم في الفعل، رغم الادعاءات المضادة للفاعلين المجاليين.

ولا يمكن أن نوقف التعريفات التي تقترحها المعاجم حول مفهوم المجال دون الإلمام برأي الجغرافيين وهم أهل حق محوري.

يرى معجم الجغرافيا أن المجال هو "التراث ومكاسب التهييئات السابقة، الاقتصادية منها والاجتماعية والسياسية، ومسرح رهانات قوة دائمة…" كما يسعفنا بمقارنة المجال الجغرافي كما حدد في التعريف، مع المجال الاقتصادي الذي حدده F.Perroux والذي يرى: "أنه مجال مجرد شبه رياضي (مجموع العلائق المجردة) وضد الابتذال". ومن المقارنة ندرك أن المجال الجغرافي حقل واقعي للرهانات وصراع القوى. وقد يكون حسب J.R.Boudeville إما متجانسا أو غير متجانس –مستقطب- أو تصميما، وهو تطبيق على مفهوم الجهة وليس على مفهوم الوطن كما فعل Perroux. إن المجال أيضا وسيلة للتوصل إلى هدف وغاية.(18)

هكذا، ومع الجغرافيا، تتضح المعالم الواقعية للمجال، فنحن هنا، وإن كنا لا نستبعد الخصائص الذهنية للمفهوم، نستحضر بعده الترابي التهييئي, متجانسا كان أو غير متجانس، وفق جدل الباحث والمبحوث بذاتيته التي لا يمكن إلا أن تؤخذ بعين الاعتبار، كما أن المجال يمكن أن يقارب كخطاب ومتن يستنطق مضمونه ويفك شكله.

المجال، السلطة، الرمز(19):

يتقاطع مفهوم المجال، بشكل ضروري، مع مفهومين آخرين هما السلطة والرمز، إذ امتلاك المجال امتلاك للسلطة، كما أن امتلاك السلطة امتلاك للمجال، وامتلاك الرمز امتلاك للسلطة والمجال، وبذلك يصبح الفعل المجالي فعل سلطة وثقافة رغم كون المجال يبدو غالبا محايدا ولا مباليا، وهو سلوك مساعد في اقتصاد التحكم والسلطة(20). تحاول السلطة أن تحتوي المجال بالمعرفة، ويحاول المجال المقاومة بالعقبات الطبيعية أو الثقافية، بالتلون والقناع كما تحاول المعرفة أن تنشئ لنفسها مجالا داخل المجال، وتتعقد اللعبة تبعا للأطماع والرهانات والقوة، فالذي هو أولى بالبروز يجب أن يبرز والذي عليه أن يختفي يجب أن يختفي عبر العنف والعقاب أو التعزير وفق الإنارة والتفريد تجاوزا للهلامية ورغبة في الفرز، مظهريا وفعليا، وعبر سلوكات احترازية واحتياطية مثل منع ربط العلاقات المؤدية إلى التماسك والوحدة، أو تحطيم قنوات الاتصال المادي والرمزي, ثم جميع وسائل المساومة والابتزاز، وهو ما عبر عنه فوكو جيدا بنموذجي الجذام والطاعون(21).

تعتبر السلطة منتوجا يجب أولا إنتاجه، ثم بعد ذلك تسويقه ونشره في المجال وفق قوانين اقتصاد السلطة ليكون قابلا لاستهلاك مهيئ له. وإذا كانت مسألة إنتاج السلطة تبدو سياسية محضة وإذا كانت العمليتان الأخيرتان أكثر اجتماعية وتجاوزا للدولة, فإن الفحص المجالي يكشف أن اللعبة مجالية كلها عبر ضرورة عملية تشبع الفعل السياسي في حقل الدلالات التي تنتشر حتى تطال الأفراد. ومن ثمة الحرص على الاستعلام الدقيق والاستخبار المنتشر، من أجل فهم الأمزجة استعدادا لاستثمار النعم وزرع الولاءات أو قمع الأطماع والتطاولات.

إن تدبير السلطة، وإن كان فعلا نخبويا، فهو فعل لا يمارس إلا في جسد المواقع والإمكانات، ومن ثمة اليقظة المستمرة والتواجد الدائم، خصوصا في مجال السلطة نفسها، ثم في ترسيخها وتمديدها وصيانتها، ومن ثمة ضرورة احتساب بعد الاختلاف وترشيد اليومي، تبريرا للهيمنة، وإلا سقطنا في تجزؤ لا ينتهي. إن السلطة حامية للمجال حتى يتخذ معنى وشكلا وشخصية وهوية، والثقافة تمنع السلطة من العسف والجرح الجسدي المؤدي لانتحار السلطة ذاتها بدون حد أدنى من ترميقه. وغياب حد أدنى من التوافق ينتج الخندقة والتشظي: Espace du latin spatium, du verbe spaô : je tire, j'attire.

إن المجال شيء يتغير، يختلف، يتقطع، ينقسم، يتمدد، لكن رغم كل ذلك يملك "هوية" وشخصية، وقابل للمحلية والتعريف(22) تبعا لخصائصه كتراب كإقليم وتاريخ وإيقاع. ومن ثمة أهمية بعد التقليد La tradition في جينيالوجيا طرس palmpseste المجال-السلطة، بعد يختلف تماما عن دلالته السلبية نحو دلالته الإيجابية التي بها تملأ الجماعات طقوسها حتى لا تصبح حركات غير ذات معنى. إن التقليد لا يعني البلى والرثية L’Archaïsme، بل يعني ذلك الجذر-الذاكرة المنتج للسلطة(23). وهو بؤرة تقاطع جميع الأشكال الثقافية من عادات وأعراف ومصالح دنيوية ورضى النفس والشراكة والتوافق والخداع المتبادل والتواطؤ الواعي والغير الواعي عبر الاحتفال والبعد الفينومينولوجي للجمعوية.

إن التقليد استضمار للكينونة والفعل الاجتماعي، وإذا كان فيبر يعتبره، إلى جانب العقل والكاريزم، جذرا أساسيا للسلطة(24), فهو، وفي البنيات التقليدية خصوصا، جذر حتى للعقل نفسه وللكاريزم أيضا حيث تغذي خبرة السن التدبير والحكمة والجاه، ومن ثمة الاحتماء من الاستبداد, لكن دون الصعود نحو الديمقراطية أيضا، فالسلطة هنا ليست سوى رمز وريع للتوافق اليومي فحسب.

ليست السلطة في المقاربة المجالية هدفا في حد ذاته، فهي أداة ووسيلة للتفسير فحسب(25): بحث في آليات المسافة والامتداد والقوة والكارزمية والتشارك والوضع الاقتصادي والجغرافي وخيال إبداع الحلول. ومن ثمة علاقة السلطة بالتواصل والإخبار انطلاقا أولا من الاستيلاء والبطش ثم الحراسة والمراقبة والقمع، تم كإبداع ومأسسة وأخيرا كتبادل وجمعوية وولاء وخلق الأحلاف. ولا يتم كل ذلك إلا بتملك شبكة العلاقات أو إنتاجها حتى، أو تصريفها وتغيير مجراها، كما أن تنظيم مصادر الخبر ليعتبر أساسيا في تنظيم المجال برمته، إذ ليس في المجال حرية بدون حد أدنى من التنظيم(26)، وهذا ما يؤسس ما اصطلح عليه بول كلافال بالمعمار المجالي.

تعني القوة في البنيات التقليدية الاستيلاء، كبعد مجالي، ترابي، قبل كل شيء، وقبل أي تنظيم أو أي شكل من أشكال الاستغلال ومن ثمة سيطرة مفاهيم تمثيلية مثل الفتح والغزو ووضع اليد ثم الفيء والخراج(27)، ومن ثمة عدم غرابة التسلسل الشبه المتواتر للسلط: السلطة المطلقة ثم الشرعية ثم سلطة الرهانات ثم سلطة الاستيلاب واللاوعي(28).

إن السلطة حاجة نفسية إلى التحكم أو الحماية أو التماهي أو التقمص، ولا يفصح عن تلك الرغبة كأي حاجة مبتذلة، لارتباطها بالرهانات من جهة ولخطورة نتائجها الحيوية من جهة ثانية، ومن ثمة حاجة تلك الحاجة إلى الإخفاء بالشرعنة والتبرير ولو بالوهم، حتى يخلق ريعا ومردودا ثريا يتراوح بين النفعية المادية الدنيوية والرمزية. ويعتبر العرف بقاعه الأنثروبولوجي اللحظة الأولى في تقنين المردود المتبادل.

هكذا يتضح أن المجال عماد support الحياة، عماد يتدخل بالمسافة أو بإعاقة العلاقات كما أنه أساس النشاط الرمزي تكوينيا وعلائقيا.

وتفيد المقاربة المجالية في كشف الممارسين الفعليين للسلطة وما تبقى منها لدى الممارس عليهم تجاوزا لمن ينتجها ويملكها، إذ الذي يملك السلطة غالبا ما لا يمارسها ومن هنا ضرورة الانتباه لتفاصيل تصريف القوة عبر مستويات ما قبل السلطة وما تحتها، الرمزية منها بالأخص والمعرفية بخصوصية أكثر. حيث يلعب الرمز دور صهر عناصر السلطة حتى تكون الهيمنة مستساغة ومستوعبة. وحتى يتم ذلك يجب أن تسبح السلطة في مجال ثقافي موحد يمكن من التواصل أولا وإضفاء الطابع الاحتفالي-الطقسي على الممارسات السلطوية حتى لا تبدو قاسية. من ثمة تتخذ مظاهر السلطة الغير السلطوية أهمية من السلطة نفسها كما أن المجتمعات التي تبدو بدون سلطة هي أهم المجتمعات المستغرقة فيها.(29)

ليست التمثلات، بالنسبة للمقاربة المجالية, شيئا يلفظ به ويجب تجاوزه، بل هي المستوى الأول والمؤشر الأساسي الذي يفصح عن ما تبقى من الاستيعاب. بذلك تحدد العلاقة داخل/خارج كل ما يتصل بالمجال أولا كمكان معطى طبوغرافي، وثانيا كإسقاط، وثالثا كبناء وصياغة. والتعامل السلبي المحض مع المكان افتراض ليس إلا: فمهما كانت بدائية التعامل مع البيئة تبقى الأنسنة أمرا أوليا، مع أن مستويات التعامل متفاوتة تبعا للتجربة التاريخية الخاصة بكل تجمع بشري. وتبعا، أيضا، لمدى الإدراك والوعي به وتدبيره وتنظيمه واستغلاله.

خاتمــة:

تبدو المجتمعات التقليدية كأنها أمام إدراك إسقاطي وتمثلي للمجال، إدراك مبني على الحس العملي ومدة استجابة المجال للاستمرار الديمغرافي أولا وكتلبية للحاجات الدفاعية ثانية؛ وذلك في إطار دوائر متداخلة يعضد بعضها البعض، بدءا بالدائرة الميثولوجية والمؤثثة بالرمز المرتبط بالجذور والأصول أساسا إما مكانا وموقعا أو جنيالوجيا وخوارق، وذلك تأسيسا للهوية والشخصية والتمايز. وتضم هذه الدائرة دائرة مجال اليومي المكتسب، المؤسس بالعرف والمحافظ عليه بالشرف والعار والقصاص. ويتقاطع هذا المجال مع دائرة الحدود والثغور إما استرجاعا أو تمديدا. ثم تتوج الدوائر بمجال الممكن والحلم، مجال الغد، مهما كان بعيدا. وتسعفنا الدوائر هذه بفهم التقاطعات بشكل ديناميكي وليس بشكل تنضيدي(30)n



الهوامش

(1) باشلار غاستون، جمالية المكان، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1984، ص176.

(2) كرم يوسف، تاريخ الفلسفة اليونانية، لجنة التأليف والترجمة والنشر 1970، ص120.

(3) الرازي أبو بكر محمد بن زكريا، رسائل فلسفية، دار الآفاق الجديدة،بيروت 1977، ص191.

(4) لعمول عبد العزيز (مشكلة المكان في فلسفة ابن رشد)، مجلة فكر ونقد، العدد 13، ص60.

(5) لعمول عبد العزيز، نفس المرجع، ص59.

(6) Kant Emmanuel, Critique de la raison pure, G/F. Flammarion, 1978, p83.

(7) Ibid, même page.

(8) Ibidem, même page.

(9) Kant Emmanuel, Critique de la raison pure, Ibidem, p87.

(10) الجابري محمد عابد، المنهاج التجريبي وتطور الفكر العلمي، دار النشر المغربية، ص230-232.

(11) الجابري محمد عابد، نفس المرجع، نفس الصفحات.

(12) Lalande André, Vocabulaire technique et critique de la philosophie, Quadrige. PUF, 6ème éd. 1988, p298.

(13) Ibid, même page.

(14) Vocabulaire de la psychologie, PUF, Paris, 1968, p156.

(15) Chevalier, Jean. Alain Gheerbrant, Dictionnaire des symboles, éd.Robert Laffont/Jupiter, Paris 1982, p415.

(16) DOLLFUS Olivier, L’Espace géographique, PUF, 1970, pp42-57.

(17) العروي عبد الله. مفهوم التاريخ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1992، ص255.

(18) Dictionnaire de la géographie, PUF, 1970, pp68-169.

(19) يشمل الرمز المعرفة هنا.

(20) انظر أطروحة Lacoste Yves, La géographie, ça sert d'abord à faire la guerre. LD/Fondations.

(21) حول مفاهيم الإنارة والتفريد عند فوكو انظر: أزرقان عبد الحي، (ميشال فوكو: مقاربة جديدة لظاهرة السلطة) مجلة كلية الآداب، فاس، العدد3، 1988، ص87-101.

(22) Dollfus Olivier, L’Espace géographique, Ibidem, pp7-29.

(23) Claval Paul, Espace et pouvoir, PUF, 1978.

(24) Ibid, pp28-34.

(25) Ibidem, pp11-15.

(26) Ibidem, pp23-27.

(27) كاهن كلود، تاريخ العرب والشعوب الإسلامية، دار الحقيقة، بيروت 1983، ص122-128.

(28) Claval Paul, Ibidem, pp82-96.

(29) Claval Paul, Ibidem, p86.

(30) Lacoste Yves, La géographie, ça sert d’abord… «La représentation la plus opératoire et la plus scientifique n’est pas celle d‘un découpage en région, en cases juxtaposées les une aux autres, mais celle d’une superposition de plusieurs puzzles très différemment découpés», p54.

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية