مقاربات التنمية المجالية والمحلية


مقاربات التنمية المجالية والمحلية
 
 
 
 

 
نورالدين


مقدمة :

منذ بداية الثمانينات تميز الخطاب حول التنمية المحلية بالاهتمام حول الجماعات المحلية كرافعات قوية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية على الصعيد المحلي(1).

أمام هذه التحديات، نهج المغرب مجموعة من المقاربات الاستراتيجية في مجال التنمية، وآخرها المقاربة المجالية التي تأخذ بعين الاعتبار المجال لكونه أحد العوامل الرئيسية المتحكمة في التنمية.

وقبل التطرق لمعالجة هذا الموضوع، يبدو من الضروري تحديد مفهوم التنمية المجالية والمحلية وخلفيات الوعي بها.

فما مفهوم المقاربة المجالية؟ وما مفهوم التنمية المحلية ؟

1- مفهوم التنمية المجالية:

يشكل قطاع التنمية المجالية كما هو معلوم نقطة تلاق يجمع السياسات القطاعية في سياق نظرة شمولية بهدف الحد من التفاوت الجهوي، وإبراز المؤهلات التنموية الكفيلة بإنتاج الثروات الجديدة ومن تم توفير التشغيل، كما يعتبر أمثل طريقة للتوفيق بين النجاعة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية مع الحفاظ على البيئة في إطار نهج تنمية مجالية مستدامة.

2- مفهوم التنمية المحلية :

التنمية المحلية هي عملية مركبة و حركة ديناميكية تتوخى تحقيق المتطلبات الاجتماعية وإشباع الحاجات الأساسية لساكنة ما. و بهذا فهي عملية ليست عفوية بل منظمة و مخططة تهدف الانتقال من وضع إلى وضع أحسن من سابقه. و لتدقيق هذا المفهوم أكثر لابد من مراعاة ثلاثة جوانب أساسية:

- الجانب المؤسساتي : ويهم طبيعة التنظيم الإداري والسياسي للبلاد: أقاليم، جهات، ولايات، وجماعات. ففي المغرب مثلا، يتم الحديث عن المحلي على صعيد الجماعات المحلية.

- جانب الإمكانيات والمؤهلات : سواء منها الطبيعية أو كل ما يتعلق بالخصائص والموارد الجغرافية والاقتصادية لجماعة محلية ما. لأن هذه المؤهلات هي التي تعطي للجماعات شخصيتها، وعلى أساسها يمكن التمييز بين جماعة قروية وجماعة حضرية.

- الجانب التاريخي : ويتعلق بالعناصر المشتركة: التقاليد، الأعراف، الثقافة والهوية الاجتماعية لجماعة محلية ما.

وعلى هذا الأساس يستدعي الحديث عن التنمية المحلية مقاربة شمولية متعددة الاختصاصات ومن زوايا مختلفة.

ونظرا للتمايز الحاصل في إمكانيات الجماعات المحلية فقد أجمع الباحثون على التمييز بين ثلاثة أنوع من التنمية المحلية:

أ - التنمية المحلية الداخلية: وتهدف إلى استغلال كل الموارد الذاتية الممكنة وتعبئتها من أجل تحقيق تنمية ذاتية وإقلاع محلي.

ب - التنمية المحلية القائمة على التضامن: نظرا للتفاوت الحاصل ما بين الجماعات المحلية من حيث المؤهلات، ينطلق هذا النوع من التنمية المحلية من تصور مفاده أن عملية الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي لا يتم إلا عبر مقاربة تشاركية كمدخل ضروري للتفاعل والاندماج ما بين الجماعات المجاورة.

ج - التنمية المحلية المندمجة: تتوخى تجاوز الرؤية التقليدية للتنمية التي اختزلت العنصر البشري كوحدة إحصائية وظل هاجسها هو البعد الاقتصادي. وهذه المقاربة تعيد الاعتبار للموارد البشرية لأنه لا تنمية بدون تنمية اجتماعية.

كما أنها تتميز بكونها ترمي إلى تحقيق الحاجات الإنسانية واستغلالها بشكل يضمن للأجيال اللاحقة حقها في التمتع بهذه الخيرات.

2 - خلفيات الوعي بالتنمية المجالية والمحلية :

لم يظهر الاهتمام بقضايا التنمية المحلية إلا في أواخر العشرينات والثلاثينات من القرن الحالي. إلا أن الطابع العمومي هو الذي ظل يغلب عليها بدون أي ترابط فيما بين عناصرها.

ومنذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ونظرا للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، تصدرت مسألة التنمية المحلية الاهتمام كقضية مركزية خاصة بالنسبة للدول النامية. وإذا كانت فترتي الستينات والسبعينات تميزت بهاجس الانخراط في ركب التنمية، فإنه منذ الثمانينات أصبحت الأضواء تسلط على التنمية من طرف الباحثين وبدأت تتصدر اهتمامات المسؤولين نظرا للفوارق المجالية الصارخة، وخاصة بين المركز والهامش، ذلك أن التنمية لا تتحقق إلا بالنسبة للجماعات التي تتوفر على مؤهلات وقادرة على استقطاب المشاريع الإنمائية وحيث تكون فرص الاستثمار والريح أسرع.

بالإضافة إلى ذلك، أدت التقلبات الجيوسياسية لعقد الثمانينات إلى مراجعات نموذج التنمية بارتباط مع التغير الحاصل على مستوى المعرفة التنموية وتوجهاتها، حيث ركز الباحثون على ضرورة تجاوز المعرفة التنموية التقليدية(2) ومعالجة التنمية من زاوية دينامية مع التعمق في خصائص الظاهرة انطلاقا من حالة كل مجتمع من مجتمعات العالم الثالث على حدة(3). مما يعني ضرورة الانطلاق من الخصائص المحلية في كل عملية تنموية.

إن الوعي بهذا التصور يرجع إلى بداية السبعينات فيما يسمى بالتنمية بالمشاركة (4). وقد شكل هذا التصور نقلة نوعية على صعيد التصورات التنموية، ذلك أن التنمية لم تعد تملى من الأعلى أو من الخارج، بل أصبحت عملية قاعدية تستلزم مشاركة فعلية للسكان كتعبير عن الحياة الديمقراطية. لم يعد إذن مفهوم التنمية من الأعلى مستساغا ولا ومقبولا، ولم تعد للدولة وسائل الاحتفاظ بالاحتكار. في هذا الاتجاه، تم العمل باللامركزية وتحميل المسؤولية للجماعات المحلية خاصة وأن النظريات الاقتصادية الحديثة أصبحت تأخذ بعين الاعتبار الإطار الاقتصادي المحلي كعنصر أساسي في التحليل الاقتصادي.

وعلى العموم، يمكن تلخيص دوافع العودة إلى التنمية المجالية والمحلية في العناصر التالية :

أ - التحولات العالمية: والتي تجلت في بزوغ وعي جديد وقيم جديدة تتمحور حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، الحرية، حقوق الجماعات والأقليات، والتي أدت إلى أفول بعض القيم التقليدية كالدوام والتوازن...
ب - الأزمة الاقتصادية: والتي تمثلت في خضوع المغرب لسياسة التقويم الهيكلي مما أدى إلى تقلص الموارد العمومية وتزايد الطلب على الاقتصاد الاجتماعي وهذا ما أصبح جليا في كل الخطابات الرسمية وقوانين المالية.
ج - التعديل في الأولويات السياسية: ويظهر في فسح المجال لمشاركة المجتمع المدني بارتباط مع التطور الحاصل على مستوى وظيفة الدولة في ظل سياسة التقويم الهيكلي، خاصة بعد عجزها عن إيجاد مساعدة ممركزة ومعممة وأجوبة فعالة للمشاكل الاجتماعية، حيث وجدت الدولة نفسها مجبرة لنقل بعض صلاحياتها من المركز نحو الهامش، إنه قدوم اللامركزية الذي تزامن مع أزمة الدولة، وفي هذا السياق ستشكل البنيات المحلية والتحت- دولتية إطارا ملائما لتفويض بعض الوظائف خارج هياكل الدولة، وبالتالي سيصبح المحلي بديلا أحيانا عن غياب الدولة، ومن هنا يمكن فهم خلفيات التقطيع الترابي الجديد.

د - تطور فكر تسييري: لقد فتح تأثير تقنيات التشارك على المجال الاجتماعي بروز مقاربات جديدة للتسيير المحلي، وذلك ارتباطا مع شيوع تصورات نظرية جديدة (الفعالية، التجديد، التدبير المعقلن، ترشيد الإنفاق،...)، حيث تم تسجيل على ما يبدو مراجعة سلطة الدولة بعد الإقرار بالسلطة المحلية "المستقلة ذاتيا"(5) بواسطة ميثاق 30 شتنبر 1976. وعلى هذا الأساس فعودة الدولة للمحلي لم تكن صدفة، بل إن لها علاقة صميمية برهان مزدوج : ديمقراطية السلطة وإنعاش التنمية الاقتصادية والاجتماعية (6 ).

إلا أن انتشار أفكار التنمية المجالية والمحلية تزامن مع تداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتنامي الفوارق المجالية بتعاظم هجرة القرويين نحو المدن التي شهدت بدورها نمو أحياء السكن غير اللائق مع ما يطرح ذلك من مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية (التشغيل، الجريمة، والاحتجاجات الشعبية...) ولمواجهة هذه التحديات، يبدو أن تقريب المجتمع من نفسه هو الدواء الملائم لمواجهة انخفاض فعالية الدولة(7 ).



هوامش:

(1) لا يتوفر مفهوم المحلي على تعريف دقيق ومتماسك. ويستعمل القانون والعلم الإداري هذا المفهوم استعمالا بسيطا لتأويل اللامركزية والاستراتجيات التي تنحو نحو تقويم علاقة المجال بالدولة في ممارسات ترابية متنوعة ومتناقضة. وعلى العموم فالسلطة هي التي تحدد تعريفه، ومن ثمة تحد من حقل فعله وتدخله. ومع ذلك، يبقى المحلي مجالا لقيام التوازنات السياسية والوساطات المتنوعة، سواء مع الدولة، أو مع الفاعلين المحليين أنفسهم.

(2) ركز فيها الباحثون على تحديد معايير ومقاييس التخلف وأسبابه داخل مجتمعات الدول المتخلفة. وهو ما أشار إليه "أندري جوندر فرانك بأن المعرفة التنموية وفي مقدمتها سوسيلوجيا التنمية بدراستها لموضوع التخلف تحولت بدورها إلى علم متخلف وغير ملائم لأسباب امبريقية ونظرية وسياسية" FRANK.A.G , 1979 : Le développement du sous-développement ; L’Amérique Latine , Ed, Maspero, Paris.

(3) فراعي عبد السلام، 1993: التنمية المحلية: دوافعها وأقطابها. مجلة القانون والاقتصاد، عدد 9. ص. 44.

(4) شكل هذا التصور نقلة نوعية على صعيد التصورات التنموية. فقد أضحت عملية التنمية لا تقتصر على نخبة بمفردها أو جهاز الدولة ،...بل أصبحت عملية تحتية تتطلب مساندة السكان المعنيين بالتنمية ومشاركتهم في إنجازها.

(5) سدجاري علي، 1994 : الدولة والإدارة بين التقليد التحديث. ردمك. ص. 77.

(6) سدجاري علي، نفسه، ص. 76.

(7) سدجاري علي، نفسه، ص.80
 


مصدر المقال http://2e2a.org/joomla/index.php/interet/developpement/128-dev
 
 

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية