التويزة» إطار اجتماعي ينظم موسم الحرث في المغرب


التويزة» إطار اجتماعي ينظم موسم الحرث في المغرب  


 





نظام التويزة في رفع مستوى المنتوج الزراعي




سكينة اصنيب (الرباط) -
 تشهد الضيعات الفلاحية بالمغرب هذه الأيام انطلاقة موسم الحرث الذي يستعد إليه المزارعون بالتخطيط والتعاون، واستعادة روح العمل التطوعي المعروف محليا بـ«التويزة»، والذي كان حاضرا بقوة في يوميات المجتمع المغربي وفي شتى المجالات، ويقوم على أساس التعاون للقيام بالأعمال الفلاحية مثل حرث الأرض والحصاد وجني المحصول، ويلجأ الفلاحون إلى نظام العمل الجماعي المتناوب من أجل إنهاء أعمالهم في أقرب وقت للاستعداد لموسم الأمطار أو للتفرغ لبيع المحصول.

دلالات اجتماعية

رغم التغيرات التي طرأت على المجتمع القروي في المغرب، وتطور الآلات الفلاحية لازال القرويون متمسكين بهذا النظام التعاوني الذي يعود بالنفع على الفرد والمجتمع، ويحيي القرويون من خلال حرصهم على نظام «التويزة» تقاليد عريقة توارثوها عبر الأجيال، ويعدون إلى الأذهان الصورة الجميلة للحياة القروية حين كان التعاون والتطوع لحرث الأرض وزراعتها، ثم جني المحصول السمة الغالبة على حياة الفلاحين.





ويحمل العمل التعاوني بنظام «التويزة» دلالات اجتماعية عميقة ويحقق أهدافا كثيرة، حيث إن هذه اللقاءات والاجتماعات العائلية تساعد على رأب الصدع وحل المشاكل وتقوي ترابط العائلات من خلال إتاحتها الفرصة للشباب للتعارف والزواج. كما إنها تحقق نوعا من الاكتفاء الذاتي للقرويين من خلال استغلال سواعدهم وطاقاتهم في العمل بجد وتطوير مزروعاتهم، والرفع من إنتاجية الضيعات بفضل تبادل الخبرات والآلات الفلاحية بين المزارعين. إلى ذلك، يقول المزارع محسن الدكالي، الذي يشارك ويستفيد من نظام «التويزة»، إن الأعمال الفلاحية تحتاج إلى عمل جماعي وعدد كبير من الأفراد حتى تتحقق النتائج المرجوة منها خاصة في ذروة الموسم حيث يسارع الجميع للانتهاء من عمله في فترة قصيرة حتى لا يخلف موعده مع نزول المطر فيكون قد انتهى من إعداد أرضه لاستقبال الغيث بحراثتها وزراعتها، أو جني المحصول في أوج الموسم وبيعه بالسعر المناسب.

وعن طريقة العمل بهذا النظام، يقول الدكالي «تتفق نحو سبع إلى عشر عائلات على نظام العمل التعاوني حيث يجتمع أفرادها من رجال ونساء وأطفال في ضيعة إحدى العائلات، ويتعاونون للقيام بالعمل وإنهائه في أقرب وقت، ثم ينتقلون إلى ضيعة عائلة جديدة وهكذا إلى أن ينتهي العمل في بساتين وحقول جميع العائلات المشاركة في نظام التويزة».

ميزة تضامنية

حول أهمية هذا النظام بالنسبة للقرويين، يقول الدكالي «القرويين يعرفون قيمة نظام العمل الجماعي فكل عائلة مهما بلغ عدد أفرادها تحتاج إلى الجهد الجماعي خاصة في بداية الموسم الزراعي، حيث عملية حرث الأرض وتنقيتها من الأعشاب الضارة، ووضع السماد أو في نهايته حين يحين موعد الحصاد وجني الثمار والذي يحتاج إلى جهد جماعي لتسويق المحصول بسعر جيد في أوج موسمه».

وعن فوائد هذا النظام على حياة القرويين، يوضح «يرتبط هذا النظام بالأشغال الفلاحية والمناسبات والمبادرات التي تتطلب التعاون والتضامن بين أبناء القرية مثل شق طريق، وإزاحة مخلفات الفيضانات، وتسييج الأراضي، وغرس الأشجار، وإقامة السدود، وحفر الآبار، وبناء الأقسام الدراسية، والوحدات الصحية».

ويشير إلى أنه بفضل تجتمع العائلات في هذا النظام تنشأ صداقات تدوم العمر كله، وتتجدد الصلة بين الأقارب وتتقوي الروابط بين العوائل والجيران، وفي أغلب الأحيان تختتم هذا المهرجان الاحتفالي بزيجات كان تجمع العوائل واختلاط بعضها بالآخر سببا في عقدها.

وحول أهمية هذا النظام في البناء الاجتماعي المغربي، يقول الباحث الاجتماعي سعيد بنمعمر إن نظام «التويزة» يعتبر مظهرا من مظاهر التضامن الاجتماعي المتوارث عبر الأجيال في القرى المغربية، وهو تقليد يفتخر به المغاربة، ويحرصون عليه شأنه شأن مجموعة من العادات الضاربة بجذورها في عمق التاريخ، والتي استطاعت أن تصمد رغم تطور العصر».

مبادئ وطقوس

ولا يزال التعاون والتآزر بين أبناء القرية سمة مميزة للعائلات الريفية سواء كانت أسرا ممتدة كبيرة الحجم تضم الأقارب والأعمام، أو أسرا نووية صغيرة، إلى ذلك، يقول بنمعمر إن نظام التويزة ساعد على تحسين الظروف المعيشية لسكان الأرياف من خلال تدارس أوضاعهم للتغلب على الجفاف، وضعف المحصول الزراعي، والاتفاق على تمويل صفقات شراء الأراضي والآلات والمعدات الزراعية.

ويضيف «تبدأ هذه العملية التضامنية حين يدعو صاحب الحاجة أقاربه وجيرانه ومعارفه لمساعدته في العمل بدون مقابل، أو حين تتفق مجموعة من العائلات على القيام بالأعمال الفلاحية بشكل جماعي ومتناوب لإنهاء العمل في حقولها وبساتينها بشكل دوري وفي وقت قياسي، وهذا النظام أشبه بالنظام العسكري له قواعد ومبادئ وطقوس، حيث تقضي العوائل يومها في العمل، ويتوجه الجميع رجالا ونساء منذ الصباح الباكر إلى الضيعات وينهمكون في العمل الشاق حتى المساء، ولا يفارقون البساتين لتناول الطعام أو أخذ قسط من الراحة، فمن أنهكه التعب يستريح في ظل شجرة إلى أن يحين وقت الغذاء، حيث يفترش الجميع الأرض ويتقاسمون الزاد، وتتوالى الأيام حتى ينتهي العمل».

ويوضح أن من مبادئ نظام التويزة مساعدة الفقير والمحتاج فالمتطوعون لهم الأولوية في نيل الزكاة وأخذ قسط من المحصول، لافتا إلى أن المشاركين في نظام التويزة يتقاسمون الفرحة والنشاط والعمل ويحولون فترات عملهم إلى احتفال من خلال قراءة الأشعار وإنشاد الأغاني التراثية لتمضية الوقت. وعلاوة على دوره البارز تعزيز الروابط الأسرية والتكافل الاجتماعي، أكدت عدة دراسات حديثة أن نظام «التويزة» حقق نتائج مهمة في الرفع مستوى المنتوج الزراعي وتسويقه في ظروف جيدة، وتحسين معيشة القرويين، وزيادة خبرتهم في مجال الري والعناية بالمزروعات وتجفيف الخضراوات.

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية