القيمة الإيكولوجية والسياحية ورهان التنمية بمنتزه تازكة


حميد التوزاني-طالب باحث

القيمة الإيكولوجية والسياحية ورهان التنمية بمنتزه تازكة 

 



بعد أن تمت توسعة منتزه تازكة استجابة لمطلب صيانة التنوع البيولوجي، خصوصا وأن الدينامية الغابوية التصاعدية مشروطة بامتداد مساحات واسعة توفر الظروف البيومناخية الملائمة، مما يسمح بالتجدد التلقائي للأصناف النباتية، ويتيح الذروة النباتية التي تعبر بلا شك عن توازن النظم البيئية الجبلية، وقد أفرزت هذه التوسعة ثلاث مناطق أساسية،هي على التوالي: النواة المركزية حيث مأرزة قمة تازكة بمساحة بلغت 2500 هكتار بعد توسيعها، ثم مجال غابة الفلين لباب أزهار على رقعة ناهزت 6000 هكتار، أما الباقي فهو عبارة عن منطقة سياحية، تندرج ضمنها المواضع التالية: غابة شيكر للبلوط الأخضر ومغارة فريواطو، ضاية شيكر، باب بودير، رأس الماء وسيدي مجبار.

يتوزع الغطاء النباتي بالمنتزه تبعا لعنصر الارتفاع وكذا طبيعة الركيزة الصخرية، حيث تسود في الشرق غابة البلوط الأخضر التي لم تستفيد من التهيئة التي مست المنتزه، وتتخلل هذه الغابة زراعات بورية، أما في الغرب فتنتشر غابة البلوط الفليني التي مستها مشاريع التهيئة، وتعتبر أكثر المجالات حيوية حي تميز بأهمية اقتصادية باعتبارها مجال إنتاج الفلين كما أنها تشكل مجال رعوي فسيح.

تشكل التشكيلات الغابوية بمنتزة تازكة فسيفساء نباتية متنوعة وذات أصالة بيولوجية محلية، حيث تنتشر مجموعة من الأصناف التوطنية، ولعل أهمها صنف الأرزية الذي يعد رمزا للهوية المجالية بالأطلس المتوسط، كما تنشر أصناف أخرى لا تقل أهمية عن الأرز الأطلسي، وهي صنف السنديان الأخضر والسنديان الفليني، هذا إضافة إلى مجموعة أصناف ثانوية تنتشر بشكل متناثر ومختللط، والجدل التالي يقدم صورة صنافية بيئية ومجالية واقتصادية أيضا.

ü إذا كانت مأرزة تازكة تعرف توازنا بيئيا فيمكننا أن نفسر ذلك بتاريخ التدخل لحمايتها، إذ أنها أساس إحداث منتزه تازكة سنة 1950، وانطلاقا من هذا التاريخ عرفت المأرزة حماية مطلقة كمحمية طبيعية خصوصا وأنها عرفت ديمومة حراسة، مما جعل السكان المحليون يعتادون عن احترام نطاقها البيئي، ناهيك عن قيمتها الاقتصادية والهوياتية.

ü بالنسبة للسنديان الفليني فالبعد الإقتصادي حاضر وبقوة ويكفي الاستدلال بالسياح المضروب حول غابة باب أزهار.

ü أما السنديان الأخضر فينتشر بشكل واسع ويحوز ثلثي مساحة المنتزه، ويتميز بمرونه ترابية - مناخية عالية تسمح بتجدده التلقائي الدائم، رغم ما يعرفه من استنزاف لموارده من طرف الساكنة المحلية خصوصا في الفترات المثلجة.

بالنسبة للثروة الوحيشية فالمنتزه لا يؤوي أنواعا متميزة أو نادرة من الوحيش، إلا أنها ثروة متنوعة وتتكون من:

ü 27 صنف من الثدييات

ü 83 صنف من الطيور من بينها 14 من الكواسر والجوارح

ü 28 صنف من الزواحف

ولقد عرف المنتزه الوطني لتازكة خلال النصف الأول من القرن الماضي انقراض العديد من الأصناف الحيوانية، أهمها "أسد الأطلس، النمر"، في حين لاتزال أنواع أخرى من الثدييات تستوطن المجال الغابوي للمنتزه، كالخنزير البري وثعلب الماء، وقد تمكنت إدارة المنتزه من إعادة إدماج بعض الحيوانات البرية عبر مشروعين:

ـ عملية إدخال الأيل البربري سنة 1994.

ـ عملية إدخال الأروي سنة 1998.

هكذا إذن يظهر بوضوح الغنى والتنوع البيولوجي الذي يتميز به منتزه تازكة، حيث يعد أحد رموز الثروة الطبيعية بالمغرب، لذا يجب بدل المزيد من الجهود للحفاظ على التوازن البيئي، ومواجهة كل الاختلالات سواء المرتبطة بالإنسان أو الطبيعية لصيانة وتنمية هذا التراث الطبيعي المميز.

أهم المواقع السياحية:

ü موقع باب بودير: يعد موقع باب بودير من أهم المواقع السياحية بالمتزه، ويبعد عن مدينة تازة بـ 35 كلم، يضم فضاءه الطبيعي تشكيلات إحيائية وتضاريسية متنوعة، كجبل بوهدلي وغاباته وعيونه، مما يأهل القطاع السياحي ليلعب دورا طلائعيا في التنمية المحلية، يتميز بكونه يحتضن تنظيم المهرجان الثقافي والسياحي لباب بودير، الذي أصبح تقليدا سنويا هدفه الاساسي التعريف بما تزخر به المنطقة من إمكانيات طبيعية وسياحية، وتسويق المنتوجات المحلية التي تعرض خلال أيام انعقاده، كما أنه فرصة لجلب استثمارات مهمة تساعد على تحريك مسلسل التنمية بالمنطقة.

ü موقع الواد البارد: يبعد هذا الموقع عن مركز مغراوة بحوالي 30 كلم، ويعتبر موقع ذو قيمة إيكولوجية وبيولوجية بالإقليم، حيث يختزل مناظر خلابة ومغارة ضخمة تتدفق من فوقها المياه.

ü موقع رأس الماء: يبعد بحوالي 12 كلم عن مدينة تازة، على ارتفاع يناهز 1000 متر، يتميز بمشاهده الرائعة وشلالاته وعيونه، ويعرف بكونه المتنفس الطبيعي الأول لسكان المدينة.

ü مغارة افري واطو: تعتبر مغارة افريواطو إحدى عجائب المغرب من حيث أشكالها وحجمها، وتقع بالجماعة القروية لباب بودير، تبعد عنضاية شيكر بحوالي 500 م، وعن مدخل مغارة شيكر قرابة 2 كلم، ذو فوهة ضخمة مستديرة يفوق قطرها 40 م، ويبلغ طورها حوالي 2178 م وعمقها زهاء 271 م انطلاقا من الفوهة.

ü مغارة شيكر: تعتبر بمثابة بلوعة تمتص كل مياه التساقطات المطرية وتدفقات ذوبان الثلوج الآتية من السفوح المطلة على ضاية شيكر، وهي تجويفة عمقها 217م.

ü مغارة الشعرة: تقع مغارة الشعرة بالتراب الجماعي للصميعة، عمقها يصل إلى حوالي 10 أمتار، أما طورلها فيناهز 7000متر.

ü ضاية الشيكر: تقع على الطريق المؤدية إلى باب بودير طولها 10 كلم، وعرضها 3 كلم، تتميز بمشاهدها البيئية الرائعة.

ü مأوى عين الساهلة: يعرف هدا المأوى إقبالا من طرف السياح الأجانب، حيث يتوفر هذا المأوى على مطعم تقليدي، مسبح، حمام، غرف نوم، حديقة، يقدم أطعمة تقليدية محلية، كما ينظم هذا المأوى سهرات، ندوات، صالونات ثقافية، اجتماعية، وأنشطة أخرى يمارسها السياح كرياضة المشي، ركوب الخيل، القنص، القيام بجولات استكشافية في المنتزه.

إن تنوع المؤهلات السياحية بالمنتزه بما فيها الثقافة القروية من عادات وتقاليد وأعراف ونمط عيش، سيمكن من خلق خريطة جاهزة ومدهشة للسائح البيئي، إلا انه بالرغم من هذه المؤهلات التي تعرفنا عليها، فمنتزه تازكة يعرف إقبالا سياحيا ضعيفا، ليس في حجم منتوجه السياحي المتنوع، وإذا حاولنا تقديم تفسيرات لوضعية التنمية السياحية هته، يجب أن نشير إلى بعض المحددات المتحكمة في وتيرة التنمية بالمنتزه، لعل أهمها، ضعف البنية الإيوائية كما وكيفا، إضافة ضعف التسويق السياحي، وهنا أستحضر موقف شخصي بمطعم "رمسيس بتازة"، حيث صادفت أسرتين فرنسيتين تريدان الذهاب لمنتزه تازكة، لكنهما لا يعلمان شيئا عنه، اللهم بعض المعلومات المحدودة، كما أكد لي هذا المشكل أيضا مهاجر مغربي بفرنسا، حيث ذهب للمنتزه برفقة زوجته الفرنسية وأبناءه، وهو لا يعلم عنه الكثير وليست بحوزته خريطة للمسارات السياحية، بل حتى علامات الإرشاد السياحي غير متوفرة على حد تعبيره، مما جعله يعود أدراجه ويقرر أن لا يعود مرة ثانية للمنتزه.

وبالتالي نخلص إلى أن تسريع وتيرة التنمية السياحية بالمنتزه، يتطلب تأسيس نمط سياحي بديل، مختلف تماما عن النمط الكلاسيكي المتثمل في هيمنة الرؤية القطاعية، التعامل بالأولويات، انتقائية مجالات الاستثمار والالتزام بالتوصيات الأجنبية، إذ أن واقع القطاع السياحي بالمغرب فرض مجالات سياحية مركزية ذات جاذبية استثمارية سياحية هامة، حققت تراكمات بفضل ما تقدمه من منتوج متنوع وكذا بفضل أسبقية استفادتها من مشاريع التنمية السياحية، فأصبحنا أمام واقعا تنمويا مفروضا علينا، بالنظر لاعتبار الاستثمار السياحي تابع للجذب السياحي، هذا ما يعمق هامشية بعض المجالات ويزيد من صعوبة اندماجها في الخريطة السياحية الوطنية، هذا ما يفرض نمط سياحي بديل ينشد التنمية المستدامة في معناها الأصيل، سياحة لمجتمع ومجال منتزه تازكة الوطني.

إن السياحة البديلة المنشودة تراهن على كل ما هو محلي، وبالدرجة الأولى على القيادات المحلية من خلال نشاطاتها وفعالية تنظيماتها المجتمعية، التي يمكن أن تجد مخرجا تنمويا مندمجا يتمم المجهودات التي تقوم بها الدولة لتنمية القطاع بإقليم تازة.



لايسمح بنسخ المقال الا بذ كر المصر

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية