مدخل الى معرفة السدود








السدود



تعد السدود dams، من أكبر المنشآت المائية التي ينفذها الإنسان على الأنهار الدائمة الجريان أو الوديان الموسمية من أجل تخزين مياهها وتنظيم جريانها ودرء أخطار الفيضانات ومواسم الجفاف، واستخدام المياه في توليد الطاقة الكهربائية النظيفة، وتعويض النقص في مياه الشرب والاستخدامات المنزلية والصناعة والسياحة والزراعة المروية، وتنظيم الملاحة النهرية والمحافظة على البيئة. تنفَّذ السدود بارتفاع قليل نسبياً على الشواطئ البحرية من أجل درء مخاطر المدّ والجزر كما هي الحال في هولندا، كما تنفَّذ على الأنهار الكبيرة من أجل درء خطر فيضاناتها وحماية الأراضي المأهولة المنخفضة المحيطة بها. ويطلق عليها عندئذ اسم سدود الحماية.

يتألف السد أساساً من جسم السد dam wall والمفرِّغ السفلي bottom outlet والمأخذ المائي water intake والمفيض spillway. وينفَّذ جسم السد عادةً في أضيق خانق توفره الطبيعة على مجرى الوادي، من أجل تقليص حجم أعمال السد وكلفتها إلى أدنى حد ممكن، شريطة أن يتسع مجرى الوادي قبل موقع السد لتشكيل الخزان المائي المناسب. ومن المفروض أن يوفر هذا المجرى مورداً مائياً كافياً يسوغ إقامة السد، كما يمكن في بعض الحالات الخاصة جلب المياه إلى الخزان من مصدر مائي قريب بالضخ إذا كان ذلك مجدياً فنياً واقتصادياً. ومن المفروض أيضاً أن يتوافر في موقع السد الشروط الجيولوجية الكفيلة بتحمّل الإجهادات التي ستطبق عليه إضافةً إلى توافر الشروط الهدروجيولوجية المناسبة لضمان كتامة أساسات السد وبحيرة التخزين لتقليص الفواقد المائية فيها إلى الحد المقبول اقتصادياً.

أما المأخذ المائي والمفرِّغ السفلي فهما منشآتٌ أنبوبية تُنفَّذ تحت جسم السد أو على أحد كتفي الوادي من أجل إسالة المياه من بحيرة السد إلى المنطقة الواقعة خلف جسم السد بأمان، ويتم ذلك بتجهيزهما بالبوّابات المناسبة للتحكم بكمية المياه اللازمة للغرض المخصص لها. ويمكن دمج هاتين المنشأتين في منشأة واحدة في بعض الحالات، وخاصة في السدود الصغيرة والمتوسطة.

وأما المفيض فهو منشأة تعمل عمل صمّام الأمان، فتخلّص بحيرة السد من المياه التي تفيض عن حجم تخزينها الأعظمي المعتمد، ولاسيما مياه الفيضان وذلك بإسالتها بأمان إلى المنطقة الواقعة خلف السد أو إلى وادٍ مجاور.

لمحة تاريخية

بنى الإنسان السدود منذ غابر العصور. فقد بنى الحثّيّون سد قطينة على نهر العاصي، واشتهر البابليون ببناء السدود الصغيرة والقنوات على نهري دجلة والفرات، وقد نظّمت قوانين حمورابي كيفية استخدام المياه. كما برع المصريون القدماء بتنفيذ السدود على نهر النيل، واشتهر الرومان في إشادة العديد من السدود على الأنهار الواقعة ضمن امبراطوريتهم، ومنها نهر الراين، وذاع صيت العرب أيضاً بعد بنائهم سد مأرب في اليمن السعيد. إلا أنه لابد من القول بأن فن بناء السدود الترابية في تلك العصور وحتى الماضي الحديث، أي حتى قبل نحو مئتي عام تقريباً، كان يعتمد بالضرورة على الخبرة التجريبية البحتة. وحتى بعد أن أصبح من المسلّمات استخدام تلك المواد الطبيعية التي تُسمى «تربة» earth مواد بناء في هذه السدود، فقد كان مفهوماً عاماً يشتمل على عدد كبير من النماذج المختلفة للتربة، من الغضار clay وحتى الركام. لذلك كان أكثر من ثلثي السدود التي انهارت في الماضي القريب من السدود الترابية التي لم تصمد مدة طويلة من الزمن. وانقسم المهندسون المصممون إلى مجموعتين، اختارت أولاهما الخرسانة مادة أساسية لبناء السدود، في حين سعت المجموعة الثانية إلى تقصّي أسباب الإخفاق في بناء السدود الترابية.

وانطلاقاً من حقيقة أن المعرفة الشاملة لمواصفات مادة البناء المستعملة يجب أن تكون في مقدمّة كل عمل فنّي جدّي، نشأ علم ميكانيك التربة[ر] soil mechanics أو الجيوتكنيك الذي تطوّر بعد ذلك وبيَّن أن المفهوم الشامل للتربة إنما ينطوي على مفهوم مجرّد بعيد عن الواقع. وبفضل تطوّر هذا العلم الجديد صار ممكنا ًالبرهان على أمان استقرار السد الترابي موضوعياً وحسابه رقمياً، كما هي الحال في أية منشأة معدنية أو بيتونية مسلّحة، مع دراسة تغيّر سلوك بعض أنواع التربة بدلالة الزمن والهبوطات المتوقعة فيها، وشروط رشح المياه عبر جسم السد وأساساته والإجراءات الوقائية لخطر الحت، وإمكانية تحسين الأساسات من أجل تقليص الرشوحات المائية عبرها إلى الحد المبرّر اقتصادياً، وضمان أمان استقرار جسم السد في حالات التشغيل العادية والاستثنائية بما في ذلك الهزّات الأرضية.

ومع ذلك لا بدّ من القول بأن تطبيق منجزات علم ميكانيك التربة/الجيوتكنيك في بناء السدود الترابية مدين بنجاحه إلى المنجزات الكبيرة التي حققها علم هندسة الميكانيك وبناء الآليات الثقيلة المستخدمة اليوم في فِرَق السدود. فلقد امتزج هذان العلمان لدرجة تصعب معها رؤية علاقة الأول وارتباطه بالآخر.

أنواع السدود



الشكل (1) سد ثقلي، سد الحفة في حوض الساحل في سورية


تقسم السدود وفق الهدف المتوخّى منها إلى سدود تخزينية أو سدود درء الفيضان أو سدود ترشيحية لتغذية المياه الجوفية. أما من حيث مواد إنشائها، فتقسم إلى نوعين رئيسين: خرسانية وترابية.

1ـ السدود الخرسانية concrete dams: لا يُنفّذ هذا النوع من السدود إلا في المواقع الصخرية القاسية وغير القابلة للهبوط عملياً بسبب قساوة مادة الخرسانة وعدم قدرتها على مماشاة الهبوطات الكبيرة نسبياً التي قد تحصل في أساسات السد وأكتاف الوادي نتيجة الإجهادات المطبقة عليها.

تشمل السدود الخرسانية مايأتي:

أ ـ السدود الثِقَلية gravity dams: وهي تعتمد على وزنها في ضمان استقرارها وتستفيد من منجزات علوم الخرسانة وميكانيك الصخور والحاسوب بصورة رئيسة. ويمكن أن يكون محور جسم السد الثِقَلي مستقيماً أو قوسيّاً (الشكل ـ1).

ب ـ السدود القوسية الرقيقة thin arch dams: ويمتاز العديد منها بتصاميم جميلة غاية في الرشاقة، وهي تعتمد على شكلها القوسي في نقل الإجهادات إلى كتفي الوادي وتستفيد من منجزات علوم الإنشاءات والخرسانة المسلّحة وميكانيك الصخور والحاسوب وتقنيات القالب المنزلق (الشكل ـ 2).




الشكل (2) سد قوسي


تتصف السدود الخرسانية عموماً بارتفاع كلفة تنفيذها بسبب ارتفاع كلفة الخرسانة وفولاذ التسليح وتقنيات التنفيذ المعقدة.

توجد في الأحباس الوسطى والسفلى من المجاري المائية مواقع عديدة تتوضع فيها الطمي النهرية ونواتج تجوية الصخور الأم التي توجد في سرير الوادي وعلى كتفيه بسماكات مختلفة. وإذا كانت هذه المواقع غير مناسبة لإقامة السدود الخرسانية فيها، إلا أنها غالباً ما تكون مواقع مناسبة جداً لتنفيذ السدود الترابية والركامية للمرونة النسبية التي تتمتع بها ردميات هذه السدود وقدرتها على مماشاة الهبوطات المدروسة في الطمي التي تشكل جزءا مهماً من أساسات السدود، وقد أصبحت الأكثر شيوعاً.

2ـ السدود الترابية والركامية earth & earth-rock dams: من أهم المميزات الاقتصادية لهذه السدود أن الطبيعة قد هيأت لنا مجاناً مواد البناء ووفّرتها بالكميات المناسبة بالقرب من موقع السد في غالبية الأحيان، ومن مميزاتها المهمة أيضاً إمكانية بنائها فوق أي نوع من الأساسات تقريباً، باستثناء تلك التي تحتوي على نسب عالية من المواد العضوية. وتؤدي خبرة المهندس المصمم وقناعاته الشخصية في هذا المجال دوراً أكبر بكثير مما هي عليه الحال في أية منشأة هندسية أخرى، إذْ يمكن عموماً تصميم عدة سدود مختلفة تتصف كلها بالأمان والاقتصادية من أجل الموقع نفسه على الرغم من شدة تباين هذه التصاميم فيما بينها.

تُنفَّذ هذه السدود على طبقات يتوقف سمكها على نوعية التربة وآليات التنفيذ المتاحة أو اللازمة لرصّها في مواقعها من جسم السد. وتشمل آليات تنفيذ هذه السدود مختلف آليات تحريك التربة ونقلها وفرشها وترطيبها ورصّها. وتلعب درجة الرص الواجب تحقيقها في جميع أنواع التربة الناعمة ـ الكتيمة والخشنة ـ النفوذة التي يتألف منها جسم السد دوراً هاماً في ضمان المواصفات المطلوبة منها، ومن ثم ضمان استقرار السد. ومن أكبر الأخطار التي تهدد أمان استقرار السدود الترابية والركامية هو رشح المياه عبر أساساتها بما يزيد على الحد المسموح به وفيضان مياه بحيرة التخزين فوق قمة السد بسبب عجز المفيض عن تصريف مياه موجة عالية استثنائية أو لأي سبب آخر.



الشكل (3) سد متجانس، سد الجرّاح على وادي الجرّاح في الجزيرة السورية


تشمل السدود الترابية ما يأتي:

أ ـ السدود المتجانسة homogeneous dams: تبنى السدود الترابية المتجانسة كلياً، من مادة بناء واحدة، وغالباً ما تكون هذه المادة هي الغضار وخلائطه، وهي تضمن استقرار جسم السد وكتامته ضد رشح المياه (الشكل ـ3).

ب ـ السدود غير المتجانسة: تُنفذ هذه السدود من عدة أنواع من التربة. ويعد السد الركامي أفضل ممثل لها. ويتألف السد الركامي أساساً من نواة كتيمة تحيط بها منطقة انتقالية من تربة راشحة منتقاة من رمل وحصى، ومن أجسام استنادية أمامية وخلفية من الركام ذي التدرّج الحبيبي المناسب، حيث تضمن النواة الكتامة اللازمة ضد رشح المياه عبر جسم السد في حين تضمن الأجسام الاستنادية استقرار جسم السد (الشكل ـ4).



الشكل (4) سد ركامي، سد السّفان على أحد روافد نهر دجلة في سورية


غالباً ما تُنفذ النواة الكتيمة من تربة غضارية يتمّ رصّها على طبقات بوساطة المداحي الملساء أو المداحي ذات أرجل الغنم الساكنة أو الرجّاجة وفق نوعية التربة، وبرطوبة قريبة من الرطوبة المثلى وفق الحال، وعندما لا تتوافر كميات كافية من الغضار، يمكن تنفيذ هذه النواة من مواد صُنعية. ويمكن تصميم هذه النواة نواةً شاقوليةً مركزيةً أو نواةً مائلةً ضمن جسم السد أو على سفحه الأمامي، كما يمكن أن تكون نواةً رقيقة أو نواةً عريضة.

حين ترشح المياه من بحيرة التخزين عبر ردميات جسم السد باتجاه السفح الخلفي تؤثر المياه الراشحة في تربة النواة الغضارية بقوى تسمى قوى المياه الراشحة على اتجاه حركتها نفسها، وتحاول نتيجة قوى الاحتكاك جرف جزيئات التربة الناعمة إلى داخل مسامات التربة الخشنة المجاورة لها. لذلك لا بدّ من لحظ منطقة وسيطة بينهما تتألف من عدة طبقات ذات تركيب حبيبي متدرّج تسمى المرشِّحات filters، بهدف صرف المياه الراشحة بسرعة وتثبيت جزيئات التربة في أماكنها.وفي حال عدم توافر المواد الطبيعية لتنفيذ هذه المرشحات، يمكن استخدام المرشحات الصُنعية.

تتألف الأجسام الاستنادية من ركام طبيعي يتمّ استخراجه من المقالع بوساطة التفجير على بُعد اقتصادي من جسم السد، ويتمّ رص هذا الركام بوساطة المداحي الرجّاجة الكبيرة حتى يصل إلى الكثافة المطلوبة.

3 ـ السدود الخرسانية المدحولة roller compacted concrete dams: وهي تنفَّذ من الخرسانة التي تُرصّ على طبقات بوساطة المداحي المألوفة في السدود الترابية. ويعد سد الوحدة، وهو قيد التنفيذ اليوم على نهر اليرموك، نموذجاً لهذا النوع من السدود.

4 ـ السدود الترابية الإسمنتيةsoil-cement dams : وتتألف مادة بنائها من تربة ناعمة تُمزج بنسبة قليلة من الإسمنت وتُرصّ على طبقات بوساطة المداحي كما هو مألوف في السدود الترابية. وقد استُخدمت هذه التقنية على الوجه الأمامي لبعض السدود.

العوامل المؤثِّرة في تصميم السدود

من أهم هذه العوامل الغاية من السد ومواد البناء، وطبيعة الأساسات، والمناخ، وشكل الوادي، وطريقة تحويل مياه النهر في أثناء مدة التنفيذ، وفعل الأمواج في خزان السد، والمدة المتاحة للتنفيذ. وفيما يأتي بعض هذه العوامل:

1ـ الغاية من السد: يُحدد هدف السد وطريقة استثمار بحيرة التخزين خلفه، كمية الفواقد المائية المسموح بها عبر جسم السد وأساساته. ففي سدود مياه الشرب والمواقع ذات الموارد المائية المحدودة، من المفروض أن تكون هذه الفواقد ضئيلة جداً بسبب الحاجة إلى المياه، والكلفة الباهظة التي تُنفق على تخزينها، وفي هذه الحالة يجب اتخاذ جميع الإجراءات الممكنة لتقليص حجم هذه الفواقد المائية إلى أدنى حدّ ممكن، وضمان أمان استقرار السد. أما ما يتصل بسدود درء الفيضان فلا توجد عموماً أي حدود اقتصادية لكمية الفواقد المائية إلا وفق ما يقتضيه أمان استقرار جسم السد، وفي بعض سدود توليد الطاقة الكهربائية فقد تبقى بحيرة التخزين فترة طويلة ملأى بالمياه ليجري بعد ذلك تفريغها في عدة ساعات من أجل توليد أكبر طاقة كهربائية ممكنة مما يعرض وجهها الأمامي إلى خطر التفريغ السريع. والسدود التي تُصمم لتبقى فارغة خلال فترة طويلة من الزمن تتطلب بعض الإجراءات التصميمية لوقايتها من أخطار الحيوانات القارضة وأخطار التشقق بسبب الجفاف.

2ـ مواد البناء المتوافرة: عندما يوجد نوع واحد من التربة بالقرب من موقع السد، تكمن مسألة التصميم في اختيار السد الأكثر اقتصاديةً الممكن إنشاؤه من هذا النوع من التربة. وإذا كانت هذه التربة كتيمة فسيعتمد تصميم السد أساساً على ردميات متجانسة. أما إذا كانت التربة المتوافرة نفوذة كالرمل والبحص، فيمكن عندئذ اعتماد عنصر الكتامة على الوجه الأمامي للسد من مواد مُصَنَّعة كالبلاطات الخرسانية أو الخرسانة الأسفلتية أو الصفائح المعدنية غير القابلة للصدأ وغيرها، وذلك وفق المواد المتاحة والمقارنة الفنية-الاقتصادية. وقد تتوافر بالقرب من موقع السد أنواع عديدة من التربة، وفي هذه الحالة يُفضل اختيار سد غير متجانس.

3ـ طبيعة الأساس: يُعطى لمواصفات الأساس التأثير الكبير في تصميم ردميات جسم السد، وقد تكون مسألة معالجة الأساس في بعض الأحيان من أهم وأصعب عناصر تصميم المشروع. وكلما كانت تربة الأساس ذات مقاومة ضعيفة للقص، كان من الضروري تصميم ردميات جسم السد أعرض وبميول أصغر من الميول الممكنة في موقع آخر. كما يجب أيضاً مراعاة الهبوطات المتوقعة في تربة الأساس الرخوة وتأثيرها في الارتفاع الاحتياطي في جسم السد وإمكانية حدوث التشققات نتيجة الهبوطات غير المتجانسة.أما إذا كان الأساس صخرياً فلا بدّ من ضمان ربط نواة السد بصخر الأساس جيداً وبطريقة كتيمة. وإذا كانت هناك ثمة ضرورة لتنفيذ ستارة حقن في صخور الأساس، فيجب أن يكون هذا الإجراء مسوغاً فنياً واقتصادياً.

أهمية أجهزة القياس في السدود الترابية والركامية

تتمتع ردميات هذه السدود بمرونة لا بأس بها نسبياً تجعلها قادرة على محاكاة الحركات والتشوّهات المتوقع تشكلها في أساسات السد وردمياته في مختلف مراحل عمر المشروع. ويتمّ تقديرها بالاستناد إلى نتائج التجارب المخبرية التي تُجرى على مواد الإنشاء وتربة الأساسات، كما يجب رصدها من المراقبات الحقلية، ويُميّز في هذا المجال بين حركة الردميات في في أثناء مرحلة التنفيذ ومرحلة الاستثمار. تشمل حركة الردميات في أثناء مرحلة التنفيذ هبوط الردميات الترابية التي تؤثّر فيها بصورة رئيسة نسبة الرطوبة التنفيذية ومواصفات التربة، ولاسيما كثافتها الجافة وإمكانية تشكل ضغوط مسامية فيها، وهبوط الردميات الركامية التي تتأثر بطريقة رصها وكمية المياه المستخدمة في ترطيبها وكمية التربة الناعمة والأحجار الصغيرة الموجودة ضمنها، وبمواصفات صخور الركام من حيث المقاومة والشكل والحجم، إضافة إلى هبوط تربة الأساسات الناجم عن وزن الردميات المتوضعة فوقها. أما حركة الردميات الترابية بعد التنفيذ فهي تشمل استمرار عملية انضغاطها ومن ثم هبوطها تحت تأثير وزنها الذاتي وضغط المياه عليها ومدى تلاشي الضغوط المسامية التي ربما تكون قد تشكلت ضمنها، في حين تنجم هبوطات الردميات الركامية بعد التنفيذ عن إعادة توضع صخور الركام تدريجياً تحت تأثير الإجهادات المركزة في نقاط التماس بين هذه الصخور مما يؤدي إلى إعادة تنظيم بنية الركام إلى كتلة أكثر كثافة نسبياً.

تتحرك قمة السد عند امتلاء بحيرة التخزين بالمياه أفقياً باتجاه الوجهين الأمامي والخلفي للسد وذلك نتيجة ظاهرتين متعاكستين. فضغط المياه على الوجه الأمامي يحاول دفع جسم السد باتجاه الخلف، إلا أنه يضغط أيضاً على الأساسات الواقعة تحت الوجه الأمامي مؤدياً بذلك إلى دوران قمة السد باتجاه الأمام، وينجم عن محصلة هاتين الحركتين انحراف ما باتجاه أحد وجهي السد عند امتلاء بحيرة التخزين بالمياه وبالاتجاه المعاكس عند تفريغها. كما تتحرك قمة السد عندئذ طولياً على نحو موازٍ لمحور السد باتجاه مركز الوادي أو كتفيه وفق قيمة الضاغط المائي ونوعية صخور كتفي الوادي.

يتمّ رصد الهبوطات الشاقولية وحركة قمة السد المذكورة أعلاه عن طريق زرع نقاط قياس في مواقع مميزة من جسم السد وقمته والمنطقة الواقعة خلفه، من أجل مراقبتها لاحقاً بوساطة أجهزة المساحة الدقيقة وتحديد تشوّهاتها في أثناء مدة التنفيذ والاستثمار انطلاقاً من نقاط مرجعية ثابتة محددة على كتفي الوادي وعلى طول محور السد، ووفق برنامج مراقبة محدد للوقوف من خلال ذلك على سلوكية السد في أي وقت عن طريق المقارنة الدورية بالوضع الأساسي.

يجب أيضاً قياس الضغوط المسامية التي قد تتشكل في تربة الأساسات والردميات الترابية بوساطة خلايا قياس خاصة من أجل الوقوف على مدى خطورة هذه الضغوط المسامية في أثناء مرحلتي التنفيذ والاستثمار، ومقارنة الضغوط المقاسة بالضغوط المحسوبة.

كما تجب مراقبة المياه الراشحة عبر النواة الكتيمة وأساسات السد عن طريق لحظ عدد كافٍ من آبار المراقبة التي تُسمّى بالبيزومترات،كما يجب مراقبة تطوّر عكر المياه الظاهرة للعيان خلف السد في حال وجودها.

مراحل دراسة السدود وتنفيذها

يشمل تصميم السد كلاً من الدراسة الأولية والدراسة النهائية.

1ـ تشمل الدراسة الأولية عدة مواقع على المجرى المائي آخذين بالحسبان العوامل المؤثرة في تصميم السد من أجل اختيار أفضل المواقع لإقامته، وتشمل هذه المرحلة تنفيذ مختلف أنواع التحريات الأولية بما في ذلك مواد البناء والأثر البيئي ووضع المخطط العام لمشروع السد وملحقاته، إضافةً إلى التقييم الفني-الاقتصادي الأولي.

2ـ أما المرحلة النهائية للتصميم فتشمل تنفيذ جميع التحرّيات التفصيلية في الموقع المعتمد وتقدير كميات مواد البناء اللازمة وتحديد مواصفاتها الفيزيائية ـــ الميكانيكية وإعداد المخططات التنفيذية التفصيلية والمواصفات الفنية لجميع الأعمال التي يتألف منها مشروع السد، إضافة إلى دراسة الأثر البيئي والتقييم الاقتصادي النهائي للموقع المختار وفق الطرق المعتمدة دولياً.

3ـ مرحلة التدقيق: يدقق الدراسة استشاري مؤهل، وعلى المهندس المصمم مناقشة التعديلات التي يقترحها المهندس المدقق وإجراء التعديلات اللازمة على التصميم وفق ما يتمّ الاتفاق عليه بإشراف الإدارة صاحبة المشروع التي تتخذ القرارات وفق مصلحتها ومصلحة مشروعها في حال وجود خلاف في بعض وجهات النظر.

4ـ بعد استلام الدراسة المُدقَّقة للمشروع استلاماً نهائياً من قبل الإدارة صاحبة المشروع يتمّ التعاقد مع شركة مؤهلة لتنفيذ مشروع السد وملحقاته وفق المخططات والمواصفات الفنية المعتمدة بموجب مناقصة داخلية أو عالمية.

5 ـ مهما كانت التحريات الجيولوجية ـــ الهدروجيولوجية كثيفة، إلا أن نتائجها تبقى نقطية تعبّر عن المنطقة التي أُجريت فيها، لذلك غالباً ما تتكشف في أثناء التنفيذ بعض العوامل الطارئة وغير الملحوظة في تصميم السد مما يقتضي إجراء بعض التعديلات على المخططات التنفيذية. لذلك يُفضَّل التعاقد مع المهندس المصمم لمواكبة تنفيذ المشروع وإجراء التعديلات اللازمة بما ينسجم مع التصميم الأساسي.

6ـ يجب التعاقد مع مهندس استشاري مؤهل للإشراف على تنفيذ المشروع وفق المخططات النهائية المعدلة والمواصفات الفنية المعتمدة.

أهمية استثمار السد

بعد تنفيذ السد وفق الخطوات المذكورة أعلاه يتمّ استلام المشروع من قبل الإدارة صاحبة المشروع استلاماً أولياً. ثمّ يدخل السد مرحلة الملء التجريبي وفق برنامج يُتفق عليه بين المهندس المصمم والإدارة إلى أن يصل السد إلى مرحلة الاستثمار النهائي الناجح. عندئذ يمكن أن يقال بأن دراسة السد قد وصلت إلى نهايتها ويمكن استلام مشروع السد استلاماً نهائياً. يجب ألا تقل خبرة المهندس المنفذ لمشروع السد عن خبرة المهندس المصمم، وعلى المهندس المسؤول عن استثمار السد أن يستوعب جميع المراحل السابقة التي مرّ بها المشروع من أجل ضمان تشغيله وصيانته بطريقة آمنة. فمن المعروف أنه لا يوجد تصميم أو تنفيذ مثالي في مجال السدود الترابية والركامية لكثرة العوامل المؤثرة فيها، وهذا ما يضفي على استثمار مشروع السد أهميةً خاصة. فالاستثمار المقترن بإجراء المراقبة اليومية أو الأسبوعية أو الشهرية أو السنوية وفق المواصفات القياسية ذات الصلة يضمن اكتشاف أي عيوب قد تظهر، ويمكّن من إيجاد الحلول المناسبة لها وتنفيذها في الوقت المناسب من دون أن يتَعرّض السد والمناطق المجاورة له للخطر. أما الاستثمار السيئ فقد يكون قادراً على تعريض السد للخطر الجاد مهما كان السد جيِّدَ التصميم والتنفيذ.

السدود في الوطن العربي

أولت الدول العربية اهتماماً خاصاً لتنظيم مواردها المائية السطحية عن طريق بناء العديد من السدود الترابية والركامية. وكانت الجمهورية العربية السورية رائدة في هذا المجال، فقد نفذت حتى اليوم 167سداً صغيراً ومتوسطاً وكبيراً، وكان أهمها سدّ الطبقة على نهر الفرات، كما أسهمت السدود الأخرى في توزيع الثروة المائية على مختلف المحافظات السورية وتوفير شروط العمل فيها والحد من هجرة الريف إلى المدينة. ومن أهم السدود في الوطن العربي السد العالي في مصر، وسد الروصيرص في السودان على نهر النيل، وسد الغريب في الجزائر، وسد الويد الكبير في تونس، وسد مأرب في اليمن، وسد الوحدة المشترك بين سورية والمملكة الأردنية الهاشمية على نهر اليرموك (قيد التنفيذ حالياً)، وسد القادسية على نهر الفرات وسد الموصل على نهر دجلة في العراق.

أهمية السدود الاقتصادية والاجتماعية والبيئية

تعد السدود من أكبر المنشآت الهندسية التي ينفّذها الإنسان في الطبيعة. ولا شك في أن لها آثاراً إيجابية وأخرى سلبية. ومن آثارها الإيجابية توفير المياه اللازمة للنمو الاقتصادي والاجتماعي وخصوصاً في منطقتنا شبه الجافة. فالماء هو الحياة. ومن آثارها السلبية غمرُ بعض الأراضي الخصبة وترحيل سكان القرى والمدن الواقعة ضمن بحيرة السد وتبخّر كميات من المياه، وحجز الطمي عن الأراضي الزراعية الموجودة أسفل السد وعن الشواطئ البحرية، وما قد ينجم عنه من تراجع فيها. وفي المحصلة، لا بدّ أن تكون إيجابيات مشروع السد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية أكبر من سلبياته المحتملة من أجل تسويغ إنشاء السد.

الآفاق المستقبلية

تقضي ضرورة مواكبة التطور الاقتصادي والاجتماعي للنمو السكاني الكبير نسبياً في الوطن العربي، بالاستمرار في بناء السدود حيثما كان ذلك فنياً واقتصادياً ممكناً والعمل مع مهندسي البيئة على تقليص سلبياتها البيئية إلى أدنى حد ممكن، وذلك من أجل تأمين المياه واستخدامها وفق أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية في مجالات الشرب والصناعة والسياحة والزراعة المروية وإنتاج المزيد من الغذاء. ومن المعروف أن توفير هذا المطلب على مستوى البلد العربي الواحد أمر صعب التحقيق. لذلك لا بدّ من تعزيز التعاون بين الدول العربية في مجال المياه والتشجيع على إقامة مشروعات مائية مشتركة فيما بينها وتشكيل مجلس أعلى للمياه على مستوى وزراء المياه العرب من أجل تحقيق ذلك.

ماجد داوود
الموضوعات ذات الصلة:




جر المياه ـ الخرسانة (أعمال ـ) ـ الري في الزراعة ـ السدود في سورية ـ صيانة المنشآت.


مراجع للاستزادة:




ـ ماجد داوود، السدود الترابية المرصوصة (نقابة المهندسين السوريين، دمشق 1983).

ـ ماجد داوود، السدود الترابية والركامية (نقابة المهندسين السوريين، دمشق 1996).

- LAWRENCE H. BERLOW, The Reference Guide to Famous Engineering Landmarks of the World: Bridges, Tunnels, Dams, Roads, and Other Structures. (Oryx 1997).

- DAVID MACAULAY. Building Big. (Houghton 2000).

- NICHOLAS J. SCHNITTER, A History of Dams. (Ashgate 1994).



مصدر المقال http://www.arab-ency.com

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية