الخطوات الأساسية لإعداد البحوث العلمية ومشاكل البحث الميداني في الجغرافيا



الخطوات الأساسية لإعداد البحوث العلمية ومشاكل البحث الميداني في الجغرافيا




 


العثماني والغازي


تقديم
إن دراسة موضوع أو مشكلة ما في أي من المجالات العلمية الاجتماعية الطبيعية .... يتطلب الالتزام بالموضوعية والعقلانية والتجرد من الذاتية حتى لا يقع تأثير سلبي على النتائج النهائية ، ويفقد البحث العلمي مصداقيته وخاصة أن أن عددا من الأبحاث تفيد في التخطيط السياسي الاقتصادي للدولة ، من أجل ذلك يجب على الباحث أولا تحديد موضوع البحث تحديدا دقيقا وواضحا من جميع الزوايا بحيث يكون مفهوما وذلك بتقديم المشكلة التي يرغب الباحث في دراستها أو في الفرضية النظرية التي يرغب اختبارها والحكم عليها ،إذ أن تحديد موضوع البحث تحديدا شاملا يرشد الباحث في تحديد المعلومات المختلفة التي يسأل عنها ويحاول الحصول عليها.
لذلك سأقدم في هذا الموضوع المراحل الأساسية لإنجاز البحوث العلمية، وأهمية الإحصاء في الجغرافيا ، وما دام أن الجغرافيا مرتبطة ارتباطا وثيقا بالميدان، سأبين بتفصيل أهمية البحث الميداني وبعض العراقيل ومشاكل البحث في الجغرافيا.


المحور الأول: المراحل الأساسية لإنجاز البحوث العلمية
إن إنجاز أي بحث علمي كيفما كان وفي كل الحقول المعرفية، يتطلب المرور بمجموعة من المراحل، وهذه المراحل تكاد تكون متشابهة في العلوم الإنسانية، وسأقتصر هنا على الجغرافيا
و تتعدد الآراء في العلوم الإنسانية عامة والجغرافيا خاصة عند محاولة تحديد مفهوم المنهجية، تختلف الأراء والتصورات باختلاف الباحثين والمنظرين من جهة، وباختلاف المناهج والمدارس من جهة أخرى.
مفهوم منهجية يتكون من كلمتين: Méthodologie ،نهج Méthode وعلم logie : ، وهذا يعني أن المنهجية هي علم تنظيم الأفكار وترتيب المعلومات، حسب منطق معين ونهج معين.
ويقصد بالنهج في العلوم الإنسانية الطريقة التي يعتمدها الباحث للوصول إلى هدفه، وتبقى وظيفة الباحث هي اكتشاف المبادئ التي تنظم الظواهر الإنسانية وتؤدي إلى حدوثها حتى يمكن على ضبطها تفسيرها.
كما ان البحث في العلوم الإنسانية يعاني من نقص في الموضوعية، بل غالبا ما ينساق وراء إيديولوجية وأفكار مسبقة.
إن المعنى الفلسفي للمنهجية ، يقصد به مجموع الخطوات التي يتبعها العقل لاكتشاف الحقيقة أو للبرهنة عليها ، وعملية البحث في المعرفة وتنظيمها اهتم بها اليونانيون مثل سقراط(اعرف نفسك بنفسك) ( الذات مصدر المعرفة) أفلاطون، أرسطو، كما انشغل كانط وهيجل بالنهج وتنظيم المعرفة، فانتقل النهج من التفكير في المدينة الفاضلة ( الفلاسفة المثاليون) إلى العقلانية والمادية الجدلية إلى التفكير في المجتمع المعقلن، فقد اهتم ماركس وأتباعه بالمنهج المادي(الأطروحة، نقيض الأطروحة التركيب)، والماركسية تعد فلسفة ومنهجا ،وأهم شيء فيها هو المنهج ( الجانب العملي الممارستي) وعلى العموم فإن الفكر الفلسفي هو فكر كلي شمولي ، أما الفكر العلمي هو متخصص ووضعي ، يلتزم بما هو كائن دون النظر إلى ما ينبغي ان يكون.
وعموما لا يوجد منهج وحيد صالح لكل زمان ومكان وصالح لكل العلوم، " فكل بحث جديد هو بحث في المنهج"Paul pascon p 23، والمطلوب من الباحث هو وضع المنهج الخاص به ليصل إلى أهدافه.
هذا لا يعني أن هناك خطوات عامة يسلكها الباحثون في العلوم الإنسانية عامة ، وسأحاول تقديم الخطوط العريضة لهذه الخطوات.
1ــ اختيار وتحديد موضوع البحث
إن تحديد موضوع البحث هو أساس عملية البحث ، ويستحسن أن تكون جديدة، لم تسبق الكتابة فيها ، كما ان اختيار الموضوع يتطلب طرح عدة تساؤلات:
• هل يمكن تحرير بحث حول هذا الموضوع ؟
• هل الباحث يميل ويهتم للبحث في هذا الموضوع؟
• هل في طاقته و إمكانيته القيام بذلك؟
• هل يمكن إعداد البحث في المدة الزمنية المحددة؟
• هل يمكن إيجاد المادة العلمية الكافية لتغطية البحث تغطية كاملة؟
لكل هذه الأسباب يجب الإهتمام بمرحلة اختيار الموضوع ، ويجب ان يكون الإختيار واضحا ودقيقا ، كما ان اختيار الموضوع يتم بمراحل قبل التحديد النهائي.وللموضوعية أهمية كبرى في تحديد موضوع البحث، فلا يجوز مثلا أن يهتم بموضوع بهدف الدفاع عن مواقف أو أراء او بهدف التهجم عليها، لا يجب التحمس والإندفاع أبدا ذلك لأن يفقد الباحث موضوعيته،وتحديد الموضوع يعني تعميق التصور فيه ،بالإنتقال من الكلمة بمستواها العادي إلى المستوى المفاهيمي، فالمفهوم هو عبارة عن فكرة مجردة، ودقيقة ناتجة عن جهد في تحديد الخصوصيات.، والمفهوم يسمح باستيعاب التعقيدات التي تحيط بالموضوع لذا يجب دائما العمل في اتجاهين عند دراسة أي مفهوم:
ــ تحديد الأبعاد أي وضع الحدود الموضوعية للبحث.
ــ اختيار المؤشرات
2ـ الإشكالية والفرضيات
 الإشكالية
إن الإشكالية هي محاولة تحويل موضوع البحث إلى مجموعة من التساؤلات الدقيقة، على شكل جمل استفهامية، تبدأ بمستوى السؤال العام إلى تساؤلات أكثر دقة.فالإشكالية إذن تنطلق من التساؤلات والتساؤلات إلى فرضيات.
 

 الفرضيات
للفرضية أهمية كبرى في البحوث العلمية، والفرضية هي تصورات دقيقة التعبير، يجب ان تخضع لعملية التحقق، وفي هذا الصدد يقول راد كليف براون"أنها تبنى من الأفكار والأراء التي يكتسبها الأفراد من بيئتهم وواقعهم ومن تجارب احتكاكهم وتفاعلهم مع الأخرين ، هذه الأفكار يمكن ان تتحول إلى فرضية إذا ترتبت ترتيبا عقلانيا وعلميا ودونت بأسلوب كتابي متميز يعبر تعبيرا واضحا عن أفكار و أراء الباحث ، ولكل علم فرضياته التي يهتم ويحاول اختبارها وتجريبها لكي تتحول إلى نظريات قادرة على تفسير بعض الظواهر العلمية. تتحول الفرضية إلى نظرية إذا حاول العالم برهنة صحتها و إثبات مفاهيمها من خلال إجراء الدراسة النظرية أو الميدانية او غيره،
3ـ النظرية
إن التساؤل حول كيفية دراسة الواقع وكيفية التعامل معه، أفرز عن إجابات كثيرة هي طبعا وجهات نظر أو نظريات حاولت تقديم الواقع في قوالب مختلفة ، وبخصائص ومميزات تختلف تسمياتها وأوصافها وطرق استعمالها ، هذه النظريات هي أداة للتعامل مع الواقع المعقد المظاهر والذي يبدو كموضوع يصعب أو يستحيل تناوله أو التعامل معه مباشرة وقد حاول الباحثون لاختصاص مشاربهم واتجاهاتهم، الامبريقيون والتجريبيون والنظريون...تأكيد ان النظرية وسيلة ضرورية للتحليل بل أنهم يعتبرون أن أي خطوة يخطوها الباحث دون نظرية هي عبث .
عموما يمكن تعريف النظرية الاجتماعية بأنها استعمال مجرد لهياكل مركبة لتوضيح وتحليل أنماط الحياة الاجتماعية وهي دعوة ملحة للباحث الاجتماعي ، فبدون نظرية فلا وجود لأي أساس للعلم.
4ــ جمع المادة العلمية
تتسم هذه الخطوة في البحث واقتناء المصادر والمراجع المتعلقة بالبحث، إن عملية جمع المادة العلمية، تختلف بالتأكيد من فرع لأخر في العلوم الإنسانية، فإذا كانت للمخطوطات والمصادر والمراجع القديمة أهمية قصوى لبعض التخصصات كالتاريخ ، فإن الجغرافيا تهتم بجمع المادة العلمية ليس فقط من الكتب ولكن من كل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، الجامعية الاقتصادية ، الرسمية وغير الرسمية التي يمكن ان تزودنا بالمعلومات والمعطيات الأولية كإحصاءات السكان ، والنشرات والمطبوعات الحكومية.....لكن عملية جمع المادة العلمية لا تخلو من مشاكل ، فعملية الجمع وتراكم المعلومات تطرح تساؤلات حول كيفية التعامل مع المادة العلمية، هل نتعامل بالذاكرة فقط، وهذا غير ممكن، أم بواسطة المذكرات؟ أم بواسطة الملفات؟
أيا كان الإختيار تبقى الوسيلة تنظيم القراءة منذ البداية.
5ــ العمل الميداني
إن المادة العلمية التي راكماها الباحث لا تجيب عن تساؤلاته كلها، لهذا يلجأ إلى الميدان مباشرة للحصول على المعلومات .
إن الميدان يختلف التعامل معه من فرع لأخر ومن فروع المعرفة، لهذا سأركز على الخطوات العامة لجمع المعلومات من الميدان:
 الملاحظة والوصف
هي وسائل لتفحص مجال الدراسة، وتعتمد المشاهدة المباشرة لمجال الدراسة، بهدف الوصول لمعطيات كيفية تساهم في فهم الظاهرة المدروسة، وقد تختلط الملاحظة والوصف ، إذ يعتبر الوصف صادقا إذا اعتمد الملاحظة المنتظمة.
إن الملاحظة والوصف يتطلبان الاندماج في مجال الدراسة للاقتراب من الظاهرة المدروسة، لكن هذا يصعب غالبا على الباحثين، كما ان الاندماج يتطلب مدة زمنية طويلة ، وتتحدد الملاحظة أيضا بميدان أو مجال الدراسة الذي قد يكون مترابطا على المستوى الجغرافي او متباعدا جغرافيا، وهذا يطرح مشاكل كاستقرار أو تنقل الباحث من مجال لأخر.
وعموما نميز بين نوعين من الملاحظة : الملاحظة المكشوفة والملاحظة المستترة، فالأولى تتميز بتعرف المبحوثين على الباحث، والثانية تستر الباحث داخل مجال الدراسة.
 المقابلة
تعني التقاء الباحث بشخص أو أشخاص بهدف الحصول على معلومات مباشرة منهم، والمقابلة عملية يتم التحضير لها مسبقا، وبالتالي لا تتم بشكل غير منظم، والمقابلة تتم بموافقة الشخص الذي يجري معه الباحث المقابلة، وهناك طريقتين:
ــ التسجيل: تسمح بعدم نسيان ما قاله المبحوث، وعدم تحوير ما قاله، كما تسمح أيضا بالاستماع مرات عديدة للمقابلة.
ــ الإستماع: يطرح فيها الباحث أسئلة ويسمع الأجوبة لكن تكون هناك مشاكل( تحوير الموضوع والنسيان...)
المقابلة لكونها تقنية شفوية لجمع المعلومات، تخلق وضعية إنسانية ونفسية تتطلب قدرا كبيرا من حسن التصرف والتدبير، والمقابلة تتطلب تصميم مسبق وترك الحرية للمستجوب لتعميق معرفته.
 الفئة الإحصائية وتحديد العينة
البحث الميداني هو طريقة منهجية للتحقيق والتقصي، بهدف الحصول على إجابات لأسئلة مطروحة أو التحقق من الفرضيات المطروحة ، والباحث لا يمكن ان يحقق بالقرب من كل فئة إحصائية التي تهمه، لهذا يلجأ إلى اختيار العينة
فالفئة الإحصائية هي مجموعة تتكون من عناصر لها نفس الخاصية والنوع، وكل فئة إحصائية تتكون من عناصر او أجزاء يشكل كل جزئ منها عينة، فالعينة في العلوم الإنسانية هي مجموعة أفراد يتم اختيارهم من الفئة الإحصائية وبطرق تمكن هذه العينة من ان تكون ممثلة للكل وبمقياس يسمح بذلك، فالعينة تخضع للنسبة المئوية كما يمكن أن لا تخضع لأي تحديد مسبق، مما يجعل حظوظ الكل متساوية للدخول في العينة.
وعند تحديد العينة تقسم الفئة الإحصائية إلى فئات حسب خصائص محددة: السن، الدخل، المهنة، السكن...
 الإستمارة
بعد اختيار الباحث للعينة، يقترح عليها استمارته للإجابة عليها، والإستمارة
هي لائحة من الأسئلة الخاصة بظاهرة نود معرفتها. هذه القائمة ترمي إلى جمع معلومات من المبحوثين أو ردود أفعالهم. ومن مميزاتها أنها تتيح استطلاع المواقف والآراء والإدراكات والمشاعر، والتطلعات، والكفاءات والاهتمامات، ومشاكل الأفراد المبحوثين في الحاضر والماضي والمستقبل. كما أنها قابلة لعملية تعيين دقيقة، ومن ثم فهي تتيح الوصول إلى نتائج تمثيلية للمجتمع المدروس.
غير أن للاستمارة، باعتبارها تقنية لجمع المعطيات، حدودا تتمثل في كون أمانة المعلومات وصلاحيتها تتوقف على حسن إرادة المبحوثين وتفهمهم، وانتباههم، وصدقهم. كما أنها تتيح دراسة العلاقات بين متغيرات على المستوى الوصفي لا على المستوى التأويلي.
إن الإستمارة تكون مبنية بشكل يسمح باستغلال نتائجها بسهولة، لهذا تطرح تساؤلات بإجابات تستنتج منها إجابات كمية دقيقة تمكن الباحث من استخراج نتائج يمكن تنظيمها في شكل جداول ، نسب مئوية، وربطها مع بعضها البعض
خاتمة
إن الجغرافيا تعتمد على الميدان بشكل كبير وتتداخل مع العلوم الأخرى في دراسة المجال ، ومن اهم العلوم التي تعتمد عليها الجغرافيا ، علم الإحصاء.



المحور الثاني : معيقات البحث الميداني في الجغرافيا

إن موضوع الدراسة الجغرافية هو تحليل الظاهرات وطريقة توزيعها على المستوى المجالي، فالممارسة الجدلية النظرية ــ الميدان تعتبر مسألة أساسية في الدراسة الجغرافيا،فتقنيات البحث الميداني في الدراسات الجغرافية بحكم أصولها الغربية ترتكز على وسائل مادية غير مندمجة مع واقعنا، فهي تقنيات غير مألوفة، غالبا ما تؤدي إلى غرابة بل أحيانا إلى قطيعة بين الباحث والموضوع المدروس، كما أنها تحتمل شحنات ومعاني قد تؤدي إلى الإخلال بصحة النتائج المتوصل إليها، ومن هنا تأتي المصاعب والمشاكل المتعددة التي يواجهها الباحثون والعراقيل المنهجية التي تطبع هذا النوع من الأبحاث.
يمكن تصنيف المشاكل المرتبطة بالبحث الميداني إلى ثلاثة أنواع بعضها مرتبط بشخصية الباحث، وأخرى مرتبطة بتقنيات البحث(الاستمارة ، الحوار...)، وثالثا لها ارتباط بإطار البحث كعلاقة بين الباحث والمبحوثين، وبالبحث كمؤسسة ( من يقوم به؟) وكغاية(لمصلحة من يتم).
1ــ مشاكل مرتبطة بشخصية الباحث
هناك مجموعة من الخصائص والصفات يمتاز بها الباحث الإجتماعي ، عادة ما لا يستطيع تجاوزها لكونها جزء من شخصيته، فهي لصيقة به وغالبا ما توقعه أو تطرح له مشاكل. فالباحث في الميدان غالبا ما يكون شخصا غريبا عن المجتمع المدروس(باستثناء الباحثين المنتمين إلى مجال الدراسة وهذا يطرح إشكالا أخر)، زيادة على ذلك فإن الباحث يأتي إلى الميدان محملا بثقل نظري وإيديولوجي ينظر من خلاله إلى الواقع المدروس، ونظرا لكون الباحث غالبا ما يكون جاهلا بحيثيات الواقع المراد دراسته، فهوقد يأتي بتصرفات أو قد يطرح أسئلة تعتبر من قبيل المحرمات أو المسكوت عنه، مما قد يؤدي إلى اصطدامات في غير مصلحته.
من جهة اخرى فالباحث هو مصدر المعلومات التي يقدمها ، فهو يتحول إلى سلطة علمية أو إلى مرجع بحكم معرفته بميدانه، وفي نفس الوقت يستطيع أن يقدم المعلومات المحصل عليها إلى جهات يمكن أن تستعملها لفهم وضبط الواقع الإجتماعي (الطبقات المسيطرة و أجهزتها الإدارية)، وهذا ما يوضح لنا أهمية المسؤولية التي يتحملها الباحث مع المبحوثين غالبا ما تنتهي بانتهاء التحريات الميدانية وغالبا ما لا يعرف هؤلاء مأل المعلومات التي كانوا مصدرا.
2ــ مشاكل مرتبطة بتقنيات البحث الميداني
لقد تعددت التقنيات المستعملة في البحث الميداني تبعا لتنوع المواضيع ولتطور العلوم الإجتماعية ونلاحظ أن التوجه الحالي أصبح اكثر استعمالا للطرق الإحصائية والكمية بهدف تجاوز الوصف وتحقيق الموضوعية، غير أن كون هذه التقنيات قد ابتكرت وطبقت في الغرب، على مجتمعات وظواهرتختلف عن اوضاعنا يفرض علينا تغييرها وتكييفها ، لان محاولة الرصد الكمي لظواهر المجتمع خاصة المجتمع القروي المغربي ، غالبا ما تطرح عدة مشاكل وسنقتصر هنا على تقنيتي الإستمارة المكتوبة والحوار الموجه للتدليل على ذلك.
 
 الإستمارة المكتوبة
على مستوى الشكل تتطلب هذه التقنية محاورا له دراية بالكتابة وله استعدادا للإجابة عن الأسئلة المطروحة ، وخصوصا وانها تتطلب وقتا طويلا، ومن هنا محدوديتها على مستوى المجال، إذ لا تشمل إلا عددا محدودا من الوحدات.
أما على مستوى المضمون فالإسئلة المطروحة تكون الاسئلة مفتوحة فتعطي للمبحوث حرية أكبر للمناورة، فلا نحصل إلا على اجوبة عامة، واما ان تكون مغلقة، تحاول تقنين الأجوبة مما قد لا يلائم الموضوع المراد فهمه.
وهناك مشكل أخر مرتبط بمستوى الأسئلة المطروحة، فقد تكون مصوغة بلغة مخالفة أو معقدة يصعب فهمها ، كما ان الأسئلة الكمية غالبا مالا تجد جوابا ، غما لانعدام المقياس لدى المخاطب، وأما لتخوفه من قول الحقيقة(حول المدخول ، الملكية...)وهكذا فإن محتوى أسئلة الإستمارة والتي هي تعبير عن هموم الباحث وموقفه اكثر مما هي موافقة الواقع، غالبا ما تؤدي إلى نتائج مغلوطة نظرا لسيطرة الهاجس الرقمي لديه.
إن أغلبية الأسئلة تطرح حول الوضعية الراهنة وذلك بهدف تكوين صورة دقيقة على الميدان ، لكن المشكل هنا هو أنه يتم إغفال حقيقة ان الوضعية الحالية ما هي إلا نتاج لمسلسل تطوري غالبا مالا تستطيع الإستمارة ضبطه
 الحوار الموجه
تشكل هذه التقنية محاولة لتجاوز مسألة الكتابة والدخول في علاقة أكثر عفوية مع المبحوثين ، غير انها تتطلب قابلية كبيرة للإنصات، وقدرة على الإندماج وربط العلاقات، والحوار الموجه كتقنية لجمع المعلومات في الميدان يطرح عدة مشاكل . منها أولا مدى قدرة الباحث على التذكر وبالتالي تدوين المعطيات، فالمنطوق يختلف عن المكتوب في عدة مستويات وقد يتعرض إلى التشويه حين تحوله إلى نص مكتوب.
طبعا يلجأ الباحث إلى الألة المسجلة، لكننا لا نعلم جيدا أن حضورها يعطي صبغة أخرى للحديث وقد يفرض رقابة داخلية على المبحوثين.
أما المشكلة الأخرى فتتعلق بتوجيه الحوار فهذه ليست مسألة سهلة إذ قد يتحول الباحث بسرعة إلى مصدر للخطاب ، مما يؤثر على المبحوث فيعطي فقط الأجوبة التي توافق نزعة الباحث ، كما ان هذه التقنية تسمح للمبحوثين بالمراوغة والكذب، مما يجعل الباحث يسجل خطاب غير موضوعي
عمرو إيديل بتصرف
• خلاصة
إن الإنتقادات والملاحظات التي اعطيناها في الموضوع لا يجب أن تؤدي إلى الشك المطلق في صحة البحث الميداني، بل المقصود فقط هو التأكيد على الحيطة والحذر الضروريين لممارسة البحث الإجتماعي ، فرغم كل شيئ تبقى الممارسة الميدانية مسألة أساسية في الدراية الجغرافية نظرا للإمكانيات المتعددة التي توفرها للباحث.
خلاصة عامة
إن نجاح البحوث العلمية رهين بالموضوعية والإهتمام الذي اولاه الباحث لبحثه، فالقراءة المتأنية ووضع الموضوع في سياقه العام ومحاولة استنتاج وتأكيد الفرضية المطروحة، ومنه الخروج بنظرية خاصة، فالعلم هو حوار النظريات، كما أن استدراجنا لعلم الإحصاء في هذا التقرير ما هو إلا لتوضيح ضرورة إلمام الجغرافي بعلم الإحصاء ، وإذا كان الجغرافي يعتمد على المجال في أبحاثه ، فما المجال إلا تراكم تاريخي ، ومنه فالجغرافي مرغم بالتشرب من علم التاريخ، وبكون المجال يعبر عن سلوكات وممارسات المجتمع ، فعلى الجغرافي الاغتراف من السوسيولوجيا، أي ان الجغرافي هو المؤرخ والسوسيولوجي والإقتصادي...






بيبليوغرافيا
محاضرات الأستاذ عبد الله زارولطلبة ماستر الجغرافيا، 2012ــ2013 كلية الأداب ـجامعة شعيب الدكالي الجديدة
محاضرات الأستاذة أمينة الحنافي 2008"مناهج البحث في الجغرافية البشرية" كلية الأداب والعلوم الإنسانيةـ جامعة اسماعيل 
ــ مكناسعمرو إيديل 1995"البحث الميداني في الجغرافية القروية" كلية الأداب ــ ظهر المهرازـ منشور بمجلة بحوث العدد 6 مكناسة
Paul Pascon .conseils pratiques pour la préparation des mémoires et thès Rabat 1981 


المصدر  الحوار المتمدن-العدد: 4022 - 2013 / 3 / 5 - 01:41

هناك تعليق واحد:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية