نمذجة التساقطات ومردود الحبوب بمنطقة اللكوس


نمذجة التساقطات ومردود الحبوب بمنطقة اللكوس

التهامي التهامي

مقدمة:

النماذج في علوم الزراعة هي عملية إدماج المعارف الزراعية في شكل صيغ ومعادلات رياضية، وتتميز بكونها دينامية؛ لأنها تتعامل مع هذه المكونات في شكلها المتغير. ويتجلى الهدف الأساس من هذه النماذج في التعرف على تأثير مختلف العناصر المحددة للمردود في الميدان الفلاحي. وهكذا، تم وضع عدة نماذج تختلف فيما بينها من حيث أهداف الدراسة التي تبنتها، ومن حيث الظروف الطبيعية للمنطقة التي تدرسها[1]. في هذه المقالة سنتبنى نموذجا يقوم على عنصري التساقطات والمردود، وهو نموذج بين الفعالية، في معالجة هذه الإشكالية بالمغرب. هذا، و بما أن هذا النموذج يقوم على متغيرين، فالتقنيات الإحصائية المعتمدة، هي تقنيات التحليل الإحصائي الثنائي، والكرونولوجي للمعطيات المناخية والزراعية. أما الغرض الأساسي من هذا المقالة، فيتمثل في معالجة الإشكالية التالية: كيف يمكن التقليص من أثر التغيرية المطرية على زراعة الحبوب بمنطقة اللكوس، والحفاظ على استقرار الإنتاج الجيد؟

1 ـ تقديم المنطقة و المعطيات المعتمدة:

1 ـ 1 ـ التعريف بالمنطقة المدروسة و مبررات اختيارها:

تمتد منطقة اللكوس شمال غرب المغرب(الخريطة رقم1)على حوالي 4803.5 كلم².تتميز بتنوع تضاريسها، وبتواجدها بين مجالين كبيرين متناقضين من حيت البنية والتضاريس والمناخ: أوربا شمالا والصحراء جنوبا، وهي محاطة بكتلتين مائيتين(البحر المتوسط والمحيط الأطلنتي)مختلفتين من حيت خصائصهما الفيزيائية. تدخل المنطقة ضمن النطاق المناخي المعتدل المتوسطي، المتميز بعدم الاستقرار وعدم الانتظام. هذه الخصائص تؤدي إلى عدم استقرار التساقطات ومعها إنتاج الحبوب. يقطن هذه المنطقة حوالي 616597 نسمة، جلهم قرويون(أكثر من 70%)، مما يؤكد الطابع القروي للمنطقة، ويعكس هيمنة النشاط الفلاحي بما في ذلك زراعة الحبوب على اقتصادها.






خريطة رقم 1





تنقسم المنطقة إلى مجالين، أحدهما مسقي[2] ،وهو الجزء الغربي الذي تطورت فيه الفلاحة، وثانيهما بوري تقليدي يضم الجهة الشرقية والجهة الشمالية من المنطقة المدروسة. هذا التنوع وهذا الاختلاف في المستوى التقني وفي كل باقي مدخلات الإنتاج ينعكسان على الميدان الفلاحي، ككل وعلى زراعة الحبوب بالخصوص، وذلك بخلق اختلافات كبرى على مستوى الإنتاج سواء من حيث الكمية أوالجودة، وكذا على مستوى الإمكانيات الغذائية، وحتى على مستوى قدرة مواجهة عدم انتظام المناخ وبالأخص التغيرية المطرية.

يتمحور النشاط الفلاحي في المنطقة حول زراعة الحبوب، وبالأخص القمح والشعير والذرة. فرغم المجهودات المبذولة في إطار مشروع اللكوس، مازالت الحبوب تغطي أكثر من نصف الأراضي الصالحة للزراعة بالمنطقة. هذه النسبة ترتفع بشرق المنطقة (%70)، وبشمالها (66%)[3]، حيث الفلاحة مازالت تقليدية بالفعل. إن زراعة الحبوب بهذه المنطقة، في أغلبها تقليدية، معيشية وبورية، وهذا ما يجعل إنتاج ومردود الحبوب بها مرتبطان بالتقلبات المناخية والمطرية أساسا.لكن، ومع ذلك لم تحظ هذه المنطقة باهتمام الباحثين والدارسين في هذا الميدان؛ ذلك أن كل الدراسات التي تناولت إشكالية العلاقة بين التساقطات والحبوب بالمغرب، ركزت على المناطق الجافة والشبه الجافة من البلاد.

1 ـ 2 ـ المعطيات المعتمدة:

أ ـ معطيات التساقطات: بعد عمليتي جمع المعطيات وتصحيحها، تم الاحتفاظ بأمطار ست محطات(الخريطة رقم 1)، كلها أصبحت حاليا تابعة للمديرية الوطنية للأرصاد الجوية بالدار البيضاء، عبر إدارة هندسة المياه بالرباط[4]. هذا وبما أن موضوعنا له صبغة تطبيقية على الميدان الفلاحي، فالسنة المعتمدة فيه هي السنة الفلاحية الهيدرولوجية(من بداية شهر شتنبر إلى نهاية شهر غشت من السنة الموالية) وليست الشمسية. بالنسبة للوحدات الزمنية، اشتغلنا على الأمطار السنوية، ثم نزلنا إلى مستويات زمنية أدق: كالشهر والفصل، بالإضافة إلى الأمطار اليومية بهدف إبراز آثار المتتاليات الجافة على الحبوب بالمنطقة.كما اعتمدنا السنة الفلاحية بأكملها، قصد إبراز هذا التأثير على كل من الحبوب الخريفية والربيعية معا.

ب ـ معطيات الحبوب: هذا النوع من الدراسات لم يتطور بالمغرب إلا مع جفاف الثمانينيات. لذا، فجل الأعمال التي تناولته تغطي عقد الثمانينيات ومنتصف عقد التسعينيات. الفترة الزمنية المدروسة في عملنا هذا، تمتد كذلك من الموسم الفلاحي (1980-1981) إلى الموسم الفلاحي (1995-1996).

2 ـ العلاقة بين التساقطات ومردود الحبوب بمنطقة اللكوس:

2 ـ 1 ـ تتحكم في مردود الحبوب بالمنطقة، أمطار بعض الفترات القصيرة من السنة:

أ ـ درجة الترابط بين الأمطار ومردود الحبوب بمنطقة اللكوس(الخريطة رقم 2):

يتميز مردود الحبوب بمنطقة اللكوس، بعدم الانتظام، والذي يرجع أساسا للتقلبات المناخية وبالضبط للتغيرية المطرية. لكن، وعلى خلاف بعض المناطق من البلاد-إذ تم استخراج معامل ارتباط مرتفعة جدا (0.94)[5] بين الكميات المتساقطة في السنة ومردود الحبوب-المحدد الأساسي لمردود الحبوب بمنطقة اللكوس ليس هو التراكم السنوي للأمطار، بل التوزيع داخل السنة هو الذي يتحكم أكثر، وبالأخص أمطار بعض الفترات المحددة من السنة. فمثلا، إذا كانت الأمطار السنوية لا تفسر سوى 32% من تباين مردود القمح الطري بهذه المنطقة، فإن النسبة المفسرة من طرف أمطار الثلث الأخير من شهر مارس تصل إلى 39%، أما النسبة المفسرة من طرف أمطار الثلث الثاني من شهر أبريل، تقارب 50%، وتفسر أمطار شهر فبرار حوالي 42% من تباين مردود القمح الصلب.بالنسبة للذرة الصفراء مثلا، إذا كانت العلاقة بين الأمطار السنوية والمردود ضعيفة وسلبية، فإن أمطار الثلث الثاني من شهر يونيو تفسر 47% من تباين هذا المردود، وتفسر أمطار الثلث الأخير من شهر غشت 42% منه. أما أمطار شهر يونيو تفسر حوالي 75% من تباين هذا المردود.

ب ـ تطور العلاقة بين الأمطار و مردود القمح الصلب بمنطقة اللكوس (الشكل1): إن التشابه في تطور كل من مردود القمح الصلب باللكوس الأعلى وأمطار شهر فبراير قوي جدا. هذا وباستثناء ثلاث سنوات(1988-1993-1996)، فإن أكثر من 81% من السنوات المدروسة تتخذ بها القيم المركزة المختصرة نفس الاتجاه، كما تتقارب فيما بينها بشكل كبير جدا. تزامن المردود الأضعف للفترة المدروسة مع أمطار ضعيفة جدا 15 ملم وذلك سنة (1994-1995). بينما تزامن المردود الأعلى ( 13 ق/ه) مع أمطار قوية جدا حوالي187 ملم وذلك سنة (1988-1989).

ج ـ تطور العلاقة بين الأمطار و الذرة الصفراء بمنطقة اللكوس (الشكل 2): إن المتغيرين المدروسين يتطوران بنفس الوتيرة و في نفس الاتجاه. وهكذا، نميز في تطور هذه العلاقة بين فترتين واضحتين: الأولى تمتد من بداية السلسلة المدروسة إلى أواخر الثمانينيات، تميزت بضعف الأمطار أو بانعدامها وبمردود متوسط تراوح بين 10 و12.5 ق/هـ، فكانت القيم المركزة المختصرة للمتغيرين المدروسين ضعيفة وسلبية. أما الفترة الثانية فهي تمتد من أواخر الثمانينيات إلى نهاية السلسلة المدروسة، تميزت بعدم استقرار المتغيرين معا، حيث تراوحت الأمطار بين الصفر وأكثر من 91 ملم.. مما انعكس كذلك على المردود حيث تراوحت قيمه بين 10 و24 ق/هـ. وهكذا، سجلت القيمة العليا للمردود (24 ق/هـ) سنة (1991-1992)، وذلك بفضل أمطار شهر يونيو التي وصلت بالمحطة الجبلية باب تازة إلى أكثر من 91 ملم. أما القيمة الدنيا لهذا المردود (8 ق/هـ) فهي التي سجلت سنـة(1990-1991) وذلك بسبب ضعف أمطار هذا الشهر، بحيث لم تتعد 3 ملم بالمحطة الأكثر رطوبة بالمنطقة وخاصة في الصيف، أي محطة باب تازة.








2.2. يتجلى تأثير التساقطات على زراعة الحبوب بمنطقة اللكوس في شكلين متناقضين:

من خلال تتبعنا لتطور الأمطار اليومية لبعض السنوات النموذجية، وانعكاساتها على زراعة الحبوب بمنطقة اللكوس، تبين لنا أن تأثيراتها على هذه الزراعة تتمثل في:

أ ـ النقص في الماء: ويتجلى في مظهرين. الأول ناتج عن الجفاف الطويل الأمد والذي يغطي سنة كاملة أو أكثر، بحيث لا تحصل الحبوب على كفايتها من الماء طول دورتها الإنباتية، هذه الحالات هي التي عاشتها البلاد مع بداية الثمانينيات، ومع بداية التسعينيات. أما المنطقة المدروسة فقد عانت من هذا المشكل سنة(1994-1995)، حيث بلغت الأمطار قيمها الدنيا، وتراوحت ما بين 290 ملم بمحطة دار الخروفة و473 ملم بمحطة باب تازة.أما الجهة الغربية من المنطقة المدروسة سنة(1992-1993)، فقد شهدت أمطارا بلغت 357.5 ملم بمحطة العرائش و333 ملم بمحطة واد المخازن.أما المظهر الثاني، فهو ناتج عن الجفاف القصير الأمد، خلال فصل أو شهر أو فترة معينة.في هذه الحالة قد لا تحصل الحبوب على حاجيتها من الماء في فترة حرجة من دورتها الإنباتية، كما يتجلى هذا المشكل كذلك، في تأخر الأمطار الأولى، وفي استمرار التساقطات مع نهاية الموسم الفلاحي، وهذه الحالات الأخيرة تتردد بشكل كبير. أما النتيجة النهائية، فتتمثل في تراجع المردود وبالتالي تدهور كل من الإنتاج والجودة.



ب ـ الإفراط في التساقطات: وقد يطرح في كل السنوات، لكن بشكل قوي في السنوات المطيرة جدا والتي تتعدى أمطارها المعدل السنوي بنسبة تفوق 25%، وبالأخص في فصل الشتاء. ويتجلى هذا المشكل في مظاهر مختلفة، نذكر منها: عرقلة تقدم الأشغال الفلاحية، تكثير الأعشاب الضارة والطفيليات والأمراض، الإنبات داخل السنابل، تهييج التعرية، الفيضانات وركود المياه. كل هذه المعيقات، وكما رأينا تساهم في تدهور كل من مردود وجودة الحبوب بالمنطقة.

2.3. تفسر هذه العلاقة بمدى تلبية الحاجيات المائية للحبوب من طرف التساقطات:

لتفسير طبيعة العلاقة بين المتغيرين المدروسين، اعتمدنا في البداية، مؤشرين مناخيين هامين وهما: الطلب المناخي(التبخر-النتح الممكن والتبخر –النتح الزراعي).والحصيلة المائية(الفرق الجبري بين التساقطات من جهة، وبين التبخر-النتح الممكن أو بين التبخر-النتح الزراعي من جهة أخرى). فكانت النتائج كالتالي:في السنة العادية، وباستثناء أواخر الدورة الانباتية تلبي الأمطار حاجيات الحبوب الخريفية من الماء. هذا وكلما ازداد الجفاف، أو وقع خلل في النظام المتوسط للأمطار بالمنطقة، كلما قلت هذه النسبة، وتدهور معها المردود. وبالعكس، كلما ازدادت أهمية الرطوبة، وبالأخص مع شهري أبريل وماي، كلما كانت تلبية هذه الحاجيات أكثر، وفي فترات أكثر حساسية للماء، وبالتالي ارتفع المردود. أما بالنسبة للذرة تلبى حاجياتها من الماء نسبيا فقط عند بداية دورتها الانباتية. إلا أن ما يثير الانتباه هنا هو أنه رغم العجز الحاصل في الأمطار عند نهاية الدورة الانباتية للحبوب بالمنطقة، أي عند نهاية فترة الإزهار وخلال فترة الإثمار والنضج، فإن المردود في هذه السنوات يكون عاديا إلى جيدا. هذه الملاحظة دفعتنا إلى تعميق التحليل والبحث عن أسباب هذه الظاهرة، وذلك باللجوء إلى مؤشر مناخي آخر وهو الميزانية المائية. سنقتصر في تحليل هذا المؤشر، على العلاقة بين كل من التبخر النتح الفعلي والتبخر النتح الممكن (الأشكال:3-4-5) (اقتصرنا على ثلاثة أمثلة من غرب ووسط وشرق المنطقة):

تعاني الحبوب الخريفية وحتى في السنوات العادية من عجز مائي مع نهاية دورتها الانباتية، وهي فترة تحتاج كذلك لكميات هائلة من الماء. لكن، مع ذلك يكون المردود في هذه السنوات عاديا إلى مرتفع، والسبب هو استفادة الحبوب من المخزون المائي بالتربة. ذلك أن تربة المنطقة تحتفظ بذخيرة مائية مهمة حتى شهر ماي بالمنطقة الجبلية وحتى شهر أبريل بباقي المحطات. أما الذرة فتعاني من العجز المائي خلال كل دورتها الانباتية باستثناء الفترات الأولى منها. هذه الأوضاع المائية للمنطقة، وما يترتب عليها من انعكاسات على زراعة الحبوب بالمنطقة، تعبر عن السنوات العادية فقط، أما في السنوات الاستثنائية التي يحصل فيها عجز في الميزانية المائية، أو فائض كبير فيها أو خلل في توزيعها العادي، يتدهور مردود الحبوب بالمنطقة. إن قيمة هذا التدهور تتحدد من خلال حدة الخلل الذي يصيب هذه الميزانية.











ذ م ت



ت ن ف



ت ن م


الذخيرة المائية في التربة



التبخر النتح الفعلي



تبخرنتح ممكن


2. 4. تتضافر عدة عوامل تؤدي إلى تدهور مردود الحبوب بمنطقة اللكوس:

هذا، و تبعا للمنهج المتبع في تحليل العلاقة بين التساقطات ومردود الحبوب بمنطقة اللكوس في المجال، تبين أن العلاقة بين المتغيرين عكسية، إذ يتراجع المردود من المنطقة الغربية الساحلية في اتجاه المنطقة الداخلية الجبلية، عكس التساقطات. من هنا يتجلى أن الأمطار بمنطقة اللكوس، لا تحدد وحدها مردود الحبوب، ذلك أن النسبة المفسرة من طرفها لا تتجاوز 50% وفي أحسن الأحوال، بل الغير مفسرة هي الأقوى، قد تتعدى 70% بالنسبة للحبوب الخريفية، بل 76% بالنسبة الربيعية. هذه النسب الغير مفسرة قد ترجع لعوامل أخرى منها:

أ ـ عوامل طبيعية و بشرية[6]: تؤثر في زراعة الحبوب بالمنطقة بشكل متشابك ومتداخل مع التساقطات. تزداد سلبياتها من غرب المنطقة إلى شرقها، وهذا ما يجعلها تنقسم إلى جزءين، الأول غربي و الثاني شرقي، ويتميز هذا الأخير مقارنة مع الأول، بارتفاع التضاريس وتشوهها، وفقر التربة، وعدم انتظام الجريان، وعنف التعرية، وقوة التساقطات، وكثافة السكان وضعف مستواهم الاجتماعي والاقتصادي، مما يفسر ضعف مردود الحبوب بهذا الجزء من المنطقة المدروسة، وبالتالي قدرتها على مقاومة التغيرية المطرية بالمنطقة.

ب ـ عوامل مرتبطة بالأساليب الزراعية: ترجع المشاكل الأساسية للقطاع الفلاحي عامة وزراعة الحبوب خاصة، إلى الخلل الحاصل في تطبيق الأساليب الزراعية المتبعة بالمنطقة، وفي ضعف الجانب المالي والهيكلي لهذا القطاع.ويمكن تلخيص هذه المشاكل كالتالي:مشاكل مرتبطة بالدورة الزراعية، مشاكل تتعلق بتهييء التربة، مشاكل تتعلق بالأصناف، ويمكن إجمالها في ثلاثة مشاكل(عدم إنتاج أصناف من الحبوب خاصة بالمنطقة، البطء في تجديد الأصناف، ضعف استعمال البذور المنتقاة)، سوء استعمال الأسمدة، سوء استعمال المبيدات والمواد الكيماوية، تأخر الحصاد(بسبب النقص في المكننة ينطلق الحصاد حتى شهر يوليوز)، تأخر البذر(إذ يبدأ في الغالب بعد منتصف شهر نونبر)، مشكل التمويل، مشكل التسويق، ضعف التعاون في هذا القطاع.

3. اقتراحات حول إشكالية العلاقة بين التساقطات و مردود الحبوب:

انطلاقا من النتائج السالفة الذكر، سنقتصر في هذه الفقرة، على طرح بعض التصورات التي تساعد في تطوير منهجية معالجة هذه الإشكالية. ثم بعض الملاحظات التي قد تساهم في حلها نسبيا.

3 . 1.على المستوى المنهجي:رافقت هذا العمل مجموعة من النقائص والسلبيات والصعوبات، منها ما هو متعلق بالمعطيات الخام، ومنها ما هو متعلق بالمنهجية المتبعة و التي يمكن تلخيصها كالتالي:



السلبيات

الاقتراحات


عدم التمكن من الحصول على سلسلات زمنية طويلة.

الاشتغال على سلسلة زمنية طويلة لا تقل عن 30 سنة[7].


نقائص المعطيات الخام المحصل عليها من المصالح المختصة.

القيام بعمل ميداني، لتتبع تطور كل من مردود الحبوب والأمطار بالمنطقة.


التركيز على درجة تحكم الأمطار في مردود الحبوب، دون التعرف على النسبة المفسرة من طرف العوامل الأخرى.

القيام بعمل ميداني حقيقي، للتعمق في تحليل طبيعة تأثير مختلف العوامل الطبيعية و البشرية في هذه الزراعة. مع اعتماد نموذج رياضي زراعي يدمج في مدخلاته كل عوامل الإنتاج.




3ـ 2 ـ فيما يخص إمكانية التقليص من ارتباط زراعة الحبوب بالأمطار:

3 ـ 2 ـ 1 ـ يمكن اعتماد ثلاثة أساليب زراعية أساسية للتقليص من حدة مشكل النقص في الماء:

سواء كان هذا المشكل ناتج عن الكمية أو التوزيع، يمكن تجاوزه بالأساليب الزراعية التالية:

أ ـ السقي التكميلي: وهو حل ممكن بالدائرة المسقية فقط[8]، هذا وفي حالة اللجوء إلى هذا الحل، يمكن الاقتصار على السقي التكميلي بالنسبة للحبوب الخريفية في الفترات الحرجة التالية:

Û الثلث الأخير من شهر مارس والثلث الثاني من شهر أبريل بالنسبة للقمح.

Û الثلث الأخير من شهر فبراير والثلث الثاني من شهر مارس بالنسبة للشعير.

أما بالنسبة للذرة بنوعيها، يجب إدماجها في نظام الزراعة المسقية، بعد الشمندر مثلا، لكي تتوفر لها إمكانيات السقي، وبالأخص في فتراتها الحرجة، والتي تتصادف عادة مع:

Û أواسط شهر يونيو، و أواخر شهر غشت بالنسبة للذرة الصفراء.

Û العشرية الثالثة من شهر ماي بالنسبة للذرة البيضاء.

إذن إعطاء كميات متواضعة من الماء (بين 50 و100 ملم)، لهذه الحبوب في شكل سقي تكميلي مرة أو مرتين في السنة، سيعمل على تحسين المردود، و على إنقاذ الموسم، وستكون لهذا السقي مردودية كبيرة جدا. كما يمكن استغلال السقي التكميلي في تعويض الأمطار الأولى والضرورية لانطلاق الموسم، خصوصا بعد سنوات الجفاف.

هذا، ولتأكيد فعالية هذا الأسلوب الزراعي، نورد المثال التالي من الموسم الفلاحي(1994-1995)، وكانت سنة جافة جدا (شكل رقم 6).







هذا، ولإنجاح عملية سقي الحبوب، يجب تأطير الفلاحين وتحسيسهم بأهمية هذه العملية بالقيام بتجاريب ميدانية لصالحهم. وكذا تحفيزهم ببعض الامتيازات، بما فيها تخفيض تعرفة المياه الموجهة لسقي الحبوب.

ب ـ البذر المبكر: وبالأخص في السنوات الجافة، حيث تسقط الأمطار الأولى مبكرا، علما بأن الحصيلة المائية بالمنطقة، وفي السنوات العادية ايجابية منذ شهر أكتوبر. وهكذا يجب زرع الحبوب الخريفية قبل 15 نونبر، لكي تستفيد من الأمطار الخريفية، وهي في تزايد[9]، ومن أمطار فصل الشتاء، وهو فصل في الغالب رطب بهذه المنطقة. أما الحبوب الربيعية يجب زرعها قبل 15 مارس، لكي تستفيد هي الأخرى من أمطار نهاية فصل الشتاء، و من أمطار فصل الربيع. إن البذر المبكر يجعل كل العمليات المرتبطة بهذه الزراعة تتقدم بما فيها قلع الأعشاب الضارة تفاديا للمنافسة حول الماء في الفترات الجافة. وقد تبين من خلال دراسة الترابط بين المردود من جهة والتساقطات الشهرية والفصلية من جهة أخرى، أنه كلما تم البذر في ظروف مطرية جيدة، كلما كان الحضوض أكبر للحصول على مردود جيد[10].

ج ـ استعمال الأصناف ذات الدورة الانباتية القصيرة: أي تلك التي لا تتعدى دورتها الانباتية 110 يوما.تصل هذه الأصناف فتراتها الحساسة من الماء خلال 90 يوما على الأكثر، أي مع نهاية شهر يناير في حالة البذر المبكر، وهو شهر في الغالب يكون مطيرا جدا بهذه المنطقة. إلا أن هذه الأساليب تتطلب تقنيات متطورة ومكلفة، كالمعالجة الكيماوية للقضاء على الأمراض والطفيليات والحشرات التي تتكاثر بقوة بفعل رطوبة الشتاء، واستعمال آلات للحصاد والدرس مجهزة بأدوات تجفيف وتسخين الحب للحفاظ على جودته في حالة تساقط الأمطار.هذه التكلفة الإضافية، يمكن تقليصها باستغلال الأرض في غلة أخرى.

هذا، ومن خلال تتبع أصناف القمح المستعملة في المنطقة خلال الفترة المدروسة، والأصناف التي استمرت بعد سنة 2000، و من خلال دراسة بعض الأصناف التي استعملت من طرف بعض فلاحي المنطقة في الموسم الفلاحي (1999-2000) في إطار التجارب الفلاحية، وكذا من خلال نتائج البحث الذي قام به المعهد الوطني للبحث الزراعي حول أصناف الحبوب الأكثر ملائمة مع المنطقة الشمالية الغربية من البلاد مع نهاية التسعينيات، تبين أن الأصناف الصالحة للمنطقة المدروسة هي:

* بالنسبة للقمح الصلب: كريم و سبو، وهي أصناف تعود إلى الثمانينيات، ثم ياسمين، طارق، أرغ, أمجاد، سريف، جوهر. هناك أصناف أخرى، لكنها غير موجودة في الأسواق، أم أنها لم تقيد بعد في السجل الرسمي. تتميز هذه الأصناف، بمقاومتها للتغيرية المطرية، وبمقاومتها للكثير من الأمراض أوباستجابتها للمعالجة الكيماوية، كما أن منها من يقاوم الجفاف كصنف كريم، الذي مازال يمارس لحد الآن وبكل أحواض المنطقة. كما أن الفترة الانباتية لكل هذه الأصناف، إما قصيرة (ما بين 83 يوما و95 يوما من الإنبات إلى الإزهار)، أو متوسطة لكنها لا تتعدى 105 يوما من الإنبات إلى الإزهار. هذا بالإضافة إلى مردودها المرتفع بين(29 و34 ق/هـ:سنة 1999-2000)[11]. وبملاءمتها لكل أحواض المنطقة.

* بالنسبة للقمح الطري: أشتار وتيكر، وهي أصناف بقيت من عقدي الثمانينيات والتسعينيات، ثم مهدية، أمل، رجاء، تليلا، مسيرة، أريحان، هناك كذلك أصناف أخرى صالحة لهذه المنطقة، مثل ميلان وبرينيا، لكنها غير موجودة في الأسواق، أم أنها لم تقيد بعد في السجل الرسمي. تتحمل هذه الأصناف كذلك، التغيرية المطرية، ومنها من يتحمل الجفاف مثل صنف رجاء. كما أنها تقاوم الأمراض، أوتستجيب للمعالجة الكيماوية، وتتلاءم مع كل أحواض المنطقة. تتميز هذه الأصناف كذلك، بمردودها المرتفع، ما بين 35 و 42 ق/ه (الموسم الفلاحي 1999-2000)[12]. أما بالنسبة للدورة الانباتية، فهي إما قصيرة (86 يوما من الإسبال الإزهار)، أو متوسطة، (ما بين 104 يوما و119 يوما من الإسبال إلى الإزهار).

3.2.2. لمواجهة مشكل الإفراط في التساقطات يجب وضع برنامج مندمج للتدخل:

يطرح هذا المشكل أساسا في السنوات المطيرة جدا. وللتقليص نسبيا من آثاره السلبية، يستحسن الحفاظ على البذر المبكر، واستعمال الأصناف ذات الدورة الانباتية الطويلة، وذلك تفاديا لتصادف فتراتها الحساسة مع أمطار نهاية الشتاء وبداية الربيع، وتصادف نضجها مع نهاية فصل الربيع، حيث تتضرر من الأمطار المتأخرة، وذلك بالاستمرار في التجارب الحقلية للوصول إلى أصناف تتلاءم مع هذه الوضعية المطرية.إعطاء الأولوية للقمح الصلب والشعير والذرة البيضاء؛ لأن هذه الأنواع هي الأكثر تلاؤما مع الخصائص المطرية للمنطقة، والأكثر مقاومة للتغيرية المطرية، لكن قدرتها الإنتاجية ضعيفة، لذا لا يجب التخلي عنها، كما وقع بالنسبة للقمح البلدي مثلا، بل البحث في الرفع من قدرتها الإنتاجية.

كما يجب تجهيز المناطق المنبسطة بشبكات الصرف، والاستمرار في تهيئة ضفاف أودية المنطقة، تهيئة المناطق المنحدرة والمرتفعة بتثبيت السفوح وبناء المدرجات، ووضع حواجز من الحجر للتقليل من سرعة وقوة الجريان. وكذا بالتشجير للتقليص من انجراف التربة، ومن فائض المياه. حث الفلاحين على تعميم أسلوب الحرث وفق خطوط التسوية، على الأقل في السنوات العادية والرطبة.استعمال التخصيب الاصطناعي والتحكم في توقيته تفاديا لمشكل الجفاف والذي قد يفشل العملية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تفاديا لمشكل قوة الأمطار وعنفها والذي قد يتسبب في إجهاض الأزهار.





خاتمة:

لقد مكن هذا المقال، من تكميم وقياس درجة تأثير تغيرية الأمطار على تغيرية مردود الحبوب بمنطقة اللكوس، وتفسير هذا التأثير، مع الإشارة إلى مجموعة من العوامل الأخرى التي تساهم في عرقلة تطور زراعة الحبوب بالمنطقة، ثم اقتراح بعض الأساليب والطرق للتقليص من الانعكاسات السلبية للأمطار على زراعة الحبوب بهذه المنطقة، للحفاض على الإنتاج الجيد. إلا أن النتائج التي تم التوصل إليها، تبقى مؤقتة وغير نهائية، ويرجع السبب في ذلك، إلى مجموعة من النقائص والسلبيات والصعوبات. لذا يجب العمل على تطوير منهجية معالجة هذه الإشكالية، و التعمق في البحث عن حلول نهائية لها.



مراجع

ـباحو عبد العزيز (2002):الجفاف المناخي بالمغرب:خصائصه وعلاقاته بآليات الدورة الهوائية وأثره على زراعة الحبوب.أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في الجغرافيا من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، بإشراف الدكتور قاسم جمادي. السنة الجامعية 2001-2002.

ـ التهامي التهامي(2004):التساقطات وزراعة الحبوب بمنطقة اللكوس(مساهمة في علم المناخ الزراعي)، أطروحة لنيل الدكتوراه في الجغرافيا، تخصص علم المناخ، من جامعة محمد الخامس-أكدال، الرباط، بإشراف الدكتور شاكر الميلود، السنة الجامعية 2003-2004.

-BOUAZIZ. A et BEN LHAMDANI. A (1997) : Variabilité climatique et conduite technique du blé : cas de Tanger, Mekhnès et Marrakech, in Aspects de la variabilité du climat Marocain, Publications de la faculté des lettres et des sciences humaines RABAT, série : Colloques et séminaires n° 63, Coordination : Ali BELLICHI, pp 135-158.

- DOUGUEDROIT. A et al (1997) : Précipitations et rendement du blé dur dans le Maroc du centre ouest, Publications d’Association Internationale de Climatologie N° 11, p p 29-36.

- DOUGUEDROIT. A (1998):Le mdéle ceres-orge pour l’analyse des risques climatiques au Maroc, in, Précipitations et cultures céréalières dans le centre ouest du MAROC, Méditerranée, Tome 88, N° 1-1998, Textes réunis par Annick DOUGUEDROIT et Claudine DURBIANO, Aix-en-Provence, p p 63-64.

- FEZZAZ. M (1986) :Modélisation agroclimatique : Etude des risques et des contraintes imposés par la sécheresse aux céréales d’automne :Cas de trois régions au Maroc, Mémoire de 3° cycle, option agronomie, I.A.V. HASSAN II, Rabat, 142 P.

- NACIRI. M (1969) : Conditions climatiques, récolte céréalières et situation des campagnes traditionnelles du MAROC, Revue du Géographie du Maroc, n° 16-1969,

RABAT, p p 35-69.





الهوامش



[1] - التهامي التهامي (2004): التساقطات وزراعة الحبوب بمنطقة اللكوس (مساهمة في علم المناخ الزراعي)، أطروحة لنيل الدكتوراه في الجغرافيا، تخصص علم المناخ، من جامعة محمد الخامس-أكدال، الرباط، بإشراف الدكتور شاكر الميلود، السنة الجامعية 2003-2004.


[2] - انطلقت عملية استغلال مياه سد وادي المخازن في شهر أبريل 1979.


[3] - تقارير مراكز الأشغال الفلاحية بالمنطقة.


- التهامي التهامي (2004): التساقطات وزراعة الحبوب بمنطقة اللكوس (مساهمة في علم المناخ الزراعي)، أطروحة لنيل الدكتوراه في الجغرافيا، تخصص علم المناخ، من جامعة محمد الخامس-أكدال، الرباط، بإشراف الدكتور شاكر الميلود، ص-ص 39-50، السنة الجامعية 2003-2004.


[5] - DOUGUEDROIT. A et al (1998) : Précipitations et rendements du blé dur et de l’orge en culture « bour » dans le Maroc du Centre-Ouest, in, Précipitations et cultures céréalières dans le Centre Ouest du MAROC, Méditerranée, Tome 88, N° 1-1998, Textes réunis par Annick DOUGUEDROIT et Claudine DURBIANO, Aix-en-Provence, p 41




- هذه بعض الإشارات فقط، إذ يتعذر تفصيل هذه العوامل بهذا المقال.[6]


- إذا كان هذا ممكن حاليا بمناطق أخرى من البلاد، ففي منطقة اللكوس مازال متعذرا.[7]


- إلا أن الاستغلال الأمثل لهذا الأسلوب، يحتاج لدراسة معمقة، حول المصادر المائية بالمنطقة، وحول التكلفة. خصوصا مع المنافسة و العولمة.[8]


[9] - التهامي التهامي (2004): التساقطات وزراعة الحبوب بمنطقة اللكوس (مساهمة في علم المناخ الزراعي)، أطروحة لنيل الدكتوراه في الجغرافيا، تخصص علم المناخ، بإشراف الأستاذ شاكر الميلود، جامعة محمد الخامس-أكدال، الرباط، ص 122.


[10] -نفس المرجع ص280.


[11] - المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي باللكوس (القصر الكبير).

[12] - المصدر السابق.




ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية