ِقصور واحة تودغى: النشأة و المآل


ِقصور واحة تودغى: النشأة و المآل 







 


آفاق بيئية : محمد فقهي *


لقد أدى تنوع الثقافات الإنسانية و الحضارات إلى تعدد أشكال إستغلال المجال، كل حسب إمكانياته و طبيعة الوسط الطبيعي الذي يفرض في العديد من الأحيان على الإنسان مجموعة من الخيارات فيما يتعلق بأشكال إستغلال المجال، و تعتبر القصور كشكل من هذه الأشكال التي ميزت واحات المناطق شبه الجافة للمغرب كما هو الحال في واحة تودغى.

إن السكن المميز لواحة تودغى هو السكن داخل القصر أو ما يسمى محليا بـ ” إغرم“. فهو عبارة عن وحدة سكنية سوسيوإقتصادية تنظيمية مبنية على علاقات عرقية إقتصادية و أمنية، و يضم العديد من المنازل المتلاصقة و التي تتميز بتجانسها من حيث مواد البناء (التراب) و من حيث إمتدادها العمودي في المجال من خلال عدة طوابق، إلى جانب تجانسها على مستوى الهندسة المعمارية، كما يضم العديد من الأسر التي يجمعها تقارب وتشابه أنماط العيش وأيضا بعض الروابط الاجتماعية ذات الأصول القبلية المتعددة، و يتوزع السكان داخل القصر وفق نوع من التراتبية الإجتماعية و الإقتصادية.

و يطرح البحث في نشأة القصور بالواحات المغربية بشكل عام العديد من الصعوبات بسبب قلة المصادر التي تناولت هذه الواحات… لكن الأكيد أن واحة تودغى قد عرفت إزدهارا خلال فترة حكم الأدارسة، حيث كانت تودغى تمتلك دارا للسكة و قد تم بالفعل ضرب النقود بين 789-790 م و 739-794 م، [1] إذ إستمدت تودغى هذه الأهمية التاريخية من خلال هذه الفترة من ثرواتها المعدنية و بالخصوص من خلال توفرها على منجم للفضة – الذي لازال يستغل إلى حد الآن- الذي إستغل بشكل كبير من طرف اليهود، غير أن هذا الإنتعاش لم يعمر طويلا بسبب نشأة سجلماسة التي حولت الطرق التجارية لصالحها فخنقت إقتصاد واحة تودغى. [2]

و تجدر الإشارة إلى أن الواحة عرفت خلال هذه الفترة إضطرابات كبيرة بسبب الصراعات العرقية، فكثر قطاع الطرق و كثرت عمليات القتل، [3] الشيء الذي ساهم في تحويل القوافل التجارية عن طريق ورزازات و أرفود عبر تودغى و دادس لصالح طرق أطول لكن أكثر أمنا مما زاد في تدهور هذه الواحات.

و قد نتج عن هذه الصراعات العرقية إنتظام المساكن على شكل تكتلات للدفاع عن النفس، و لضمان ذلك فقد لجأ السكان إلى تشييد قصور محصنة و التي إرتفعت أعدادها على طول الواحة.

و بموازاة هذا العنصر الأمني تضافرت مجموعة من العوامل الأخرى التي ساهمت بدورها في تعمير هذه المناطق بشكل كبير، إذ تقول Meunie.J:”أن بها (تودغى) واد يعتبر من بين الأودية الأكثر أهمية التي تنحدر إلى جنوب الأطلس الكبير (…) و تتصل بواحة غنية”. [4]

كما أن الجفاف في المناطق الجنوبية ساهم في تدهور النشاط الرعوي الشيء الذي دفع الكثير من القبائل للبحث عن مناطق للإستقرار، و ذلك ما دفع بعض قبائل أيت عطا إلى الإستقرار بسافلة تودغى (أيت إسفول بتابسباست) منذ القرن السابع عشر. [5]

هكذا إذن يتضح أن القصور في واحة تودغى هي نتيجة لتكيف السكان مع للظروف الطبيعية و مع تدبدب الإمكانيات المادية، و مع علاقات التوتر و عدم الإستقرار التي ميزت المنطقة.

هذه القصور التي تنامت في الواحة من العالية إلى السافلة، ستعرف تدهور نتيجة عدة عوامل متداخلة، و التي دفعت السكان إلى السكن خارج الأسوار في مساكن منعزلة، ستصبح بمثابة النواة الأولى لولادة تجمعات سكنية مختلفة عن القصور.

تعد العوامل الطبيعية من بين العوامل التي ساهمت في تدهور القصور بواحة تودغى، فمناخ المنطقة الذي يبدو قاسيا يخلف إنعكاسات واضحة على سكن القصور، فالتساقطات المطرية التي تتميز بكونها مركزة تعمل على تعرية الجدران، و على إحداث فيضانات مهولة تأتي على قصور بأكملها، يساعدها في ذلك موضع القصور على مشارف الواد، كما أن التباين الحراري الذي يسجل تبعا لتعاقب الليل و النهار، و تبعا لتعاقب الفصول يؤدي إلى إنتفاخ و تقلص التراب و توالي هذه العملية يؤدي إلى تقشر الجدران و تشققها، مما يحتم على السكان عملية الترميم بشكل دائم، و لما كانت هذه العملية مكلفة فإن السكان يفضلون توظيف أموالهم في البناء خارج القصر رغم ما يتطلبه ذلك من موارد إضافية. [6]

تعتبر الواحات مجالات تتميز بكثافة مرتفعة بالمقارنة مع المجالات المجاورة، و هو نفس الأمر الذي يميز واحة تودغى كما أشار إلى ذلك “De Foucauld” عند مروره بالمنطقة سنة 1884 حيث قال أنها تتميز بساكنة كبيرة. [7]

أما بعد التدخل الإستعماري، فإن بعض الإشارات التي أورها الضابطان في الشؤون الأهلية Beaupere 1931” و Raclot 1936″ التي تأكد أن عدد سكان الواحة في تلك الفترة كان حوالي 20000 نسمة، أي ما يعادل حوالي 3690 كانون. [8]

إن إرتفاع الكثافة السكانية داخل القصور بفعل الزواج المبكر و كثرة الإنجاب سيرفع من عدد الأسر، بل و عدد الأفراد داخل المنزل الواحد و حيث أن المجال داخل القصر لا يسمح ببناء مساكن جديدة، كل هذا سيؤدي بضرورة الحال إلى البحث مساكن أخرى، مما سيفتح المجال للبناء خارج السوار.

لقد تعرضت واحة تودغى لغزو قوات الكلاوي بقيادة ضباط فرنسيين، و الذين تمكنوا من بسط قبضتهم عليها سنة 1933، و أن يؤسسوا نواة حضرية بمنطقة تنغير، و منذ هذا التاريخ عمل المستعمر على إدخال مجموعة من التغيرات التي ساهمت في خلخلة الإقتصاد و التنظيم المحليين.

حيث إستغل المستعمر ما سماه بالمغرب النافع، و ذلك من أجل إمداده بصفة مستمرة بأعداد كبيرة من اليد العاملة و تشغيلها في المزارع و ضيعات المعمرين أو من أجل شق الطرق أو تجنيدها، إما لغزو مناطق جديدة أو للترحيل إلى أوربا من أجل الدفاع عن فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، و يتجاوب هذا الطرح مع إعتبار المستعمر هذه المنطقة كخزان بشري يجب إستغلاله لمثل تلك المهام. [9]

إلا أن هذه السياسة لم تكن لتنجح إلا بضرب المقومات الأساسية للقصر المتمثلة في الإلتحام الجماعي و التنظيم القبلي، لذلك لجأ المستعمر إلى فرض التعامل النقدي في المعاملات من أجل خلق تراتبية إجتماعية تكون نتيجتها الأساسية ضرب العلاقات التقليدية في صميمها و خلق فئة مستغلة تضطر للجوء إلى الإقتراض، مما سيتيح للمستعمر أن يفرض عليها وصايته بطريقة جد فعالة، و يدفع بها للهجرة مع تقديم جميع التسهيلات.

كما تم خلق فئة من الملاكين العقاريين تجمع بين المحاربين في صفوف المستعمر و بعض كبار الأعيان الذين تم إرشائهم بالأراضي بهدف عرقلة عمل القبيلة، و لم يقتصر دورها هنا بل عملت على توزيع الأراضي الجماعية بشكل لا يتجاوب مع التنظيم السياسي و الإجتماعي لسكان القصور، و قد حاولت هذه الفئة أن تبين ثراءها ببناء منازلها خارج الأسوار فوق الأراضي الجماعية.

كما لجأ المستعمر كذلك إلى تكسير التنظيم القبلي عن طريق خلق مجموعة من الإدارات التي تلعب نفس الدور الذي تقوم به جماعة “إد-باب- ن أمور”، كما تم إستحداث سلطة جديدة على الصعيد المحلي، تمثل السلطة المركزية و تسهر على النظام و الأمن العام و تقوم بعدة إختصاصات تهم سكان القصور في كل الميادين الإقتصادية و الإجتماعية و العمرانية.

و هكذا فقد كان لهذه التحولات الإقتصادية و التنظيمية آثر كبير على البنية السوسيوثقافية لسكان القصور، و هو ما يكس بشكل جلي إفراغ القصور و التهافت على رسم حدود الملكيات خارج الأسوار.

و بحكم موقعها الجغرافي في منطقة شبه جافة، و بحكم قساوة الظروف الطبيعية فإن الفلاحة التي ظلت إلى عهد قريب قاعدة للإقتصاد المحلي، و التي عرفت مجموعة من الهزات تبعا لتواتر فترات الجفاف، الشيء الذي فرض على السكان الهجرة للبحث عن موارد إقتصادية أخرى في المناطق المجاورة للعمل كفلاحين أو كباعة متجولين أو في حفر الآبار. و يتوافق هذا الضغط الطبيعي و الإقتصادي في آن واحد مع تدخل المستعمر الذي عمل بشتى الوسائل على الدفع بالسكان في إتجاه المناطق التي كان يحتلها سواء داخل المغرب كملوية و تادلة و سهل الغرب … أو خارجه أساسا نحو الجزائر التي إستقطبت حوالي 500 مهاجر تنغيري خلال الأربعينيات،[10] و كانت أغلبيتهم موجهة لمزاولة النشاط الفلاحي و أحيانا الصناعي، إلا أنه خلال الستينيات غادر هؤلاء الجزائر نحو فرنسا.

ثم بعد ذلك إنطلقت هذه الهجرة في إتجاه الدول الأوربية خاصة منها التي عانت من النقص الكبير في اليد العاملة بسبب الحرب العالمية الثانية مثل فرنسا و ألمانيا و غيرهما.

بصفة عامة فالهجرة الداخلية و الخارجية لعبتا دورا كبيرا في توفير فائض مالي للمهاجرين وجد طريقه إلى المنطقة، خاصة و أن نسبة مهمة من الجيل الأول و الثاني ظلت متشبثة بمجالها الأصلي.

لقد كانت تحويلات المهاجرين في الأول توجه نحو ترميم المنازل القديمة نظرا للبعد الإجتماعي الذي تعكسه الإقامة في مساكن الأجداد، أو إقتناء بغض الإستغلاليات و هذا ما يتجاوب مع طبيعة العمل الذي كان يمارسه الجيل الأول من المهاجرين و المتمثل في الفلاحة، إلا أن هذه النزعة ما لبثت أن تغيرت، و أصبح الإتجاه الجديد لهذه الموارد هو بناء منازل مختلفة عن سكن القصور من أجل إبراز النجاح الإجتماعي.

و يرجح أن تكون هذه الطريقة الجديدة في البناء مستلهمة من بلدان الإستقبال مع إضفاء بعض جوانب المعمار القديم عليها في بعض الأحيان، و يبدو هذا القول مؤكدا لإعتبارين أساسيين: [11]

يرتكز الأول منهما على كون نسبة من المهاجرين في فرنسا مثلا، حوالي 86% تشتغل في قطاع البناء، و النسبة المتبقية تشتغل في قطاعات لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بهذا القطاع.

بينما يتمثل الإعتبار الثاني في كون هذا النمط المعماري الجديد لا يعكس و لو بنسبة ضئيلة مقومات المنطقة لا الإقتصادية و لا الإجتماعية و لا التنظيمية، و هو ما يسمح بالقول بأن هذا النموذج الجديد مستورد.

و عموما فقد ساهمت عائدات الهجرة الداخلية أو الخارجية في تغير معالم المجال المحلي، من خلال إفراغ القصور و تشييد منازل جديدة خارجها. كما أن التحولات الإقتصادية و الإجتماعية و السياسية بسبب التزايد الديمغرافي و التدخل الإستعماري الذي عرفته الواحة قد أدى إلى إحتدام ظاهرة الهجرة التي وفرت موارد مالية أستثمرت من أجل التنمية السكنية بالمنطقة، كما ساهمت كذلك في تأثر المهاجرين بثقافة جديدة تتناقض مع الثقافة المحلية في عدة جوانب.

هكذا، فإذا كانت بعض المناطق قد عرفت قصورها الإستفادة من العديد من التدخلات في مجال السكن القروي، بهدف إصلاح للسكن وإنقاذ التراث المعماري، على غرار واحة فركلة من خلال المخطط 1968 – 1972، و الذي هم إعادة تجديد حوالي 9000 سكن على واد فركلة، نفس الشيء بالنسبة لمختلف الواحات الجنوبية الشرقية كتافيلالت، غريس، درعة. [12] فإن القصور بواحة تودغى قد أصبحت شبه فارغة من السكان، كما أصبحت أطلال تعاني مما عان منه و يعانه الإنسان في هذه المناطق من التهميش، في غياب أية إستراتجية للمحافظة على التراث المعماري المحلي، خاصة و أن هذه القصور تعتبر من بين مقومات النشاط السياحي بالمنطقة التي تساهم جذب السياح. إلا أن واقع الحال يحكي قصة قصور كانت بالأمس القريب تعج بالدينامية و تدب فيها الحياة، قد أدار لها الزمن الظهر، و أصبحت أطلال تتهاوى من حين لأخر.

* طالب باحث
الهوامش:

[1] Jacque-Meunié, 1982: Le Maroc saharien, des origines à 1670. Thèse d’Etat, 2eme Tome, Libraire Klincksieck. Paris. P :58.

[2] JACQUES-MEUNIE، 1982: مرجع سابق، ص:62.

[3] الحسن بن محمد الوزان، 1983: ” وصف إفريقيا”، ترجمة محمد حجي و محمد الأخضر، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط. ص:153.

[4] JACQUES-MEUNIE، 1982: مرجع سابق، ص:49.

[5] مصطفى عبد الشافق، محمد أبوعلا، محمد بن باسو، 1993:” التوسع العمراني بمركز تنغير (ورزازات)، بحث لنيل الإجازة في الجغرافيا، أكادير،ص: 9.

[6] مصطفى عبد الشافق، محمد أبوعلا، محمد بن باسو، 1993:” مرجع سابق، ص:29.

] 7 [ DE FOUCAULD,1988: Reconnaissance au Maroc, 1983-1984. Société d’Edition Géographique, Maritimes et Coloniales, Paris. Nouvelle éd 1934. P/355

] 8 [Beaupere (Lt) 1931: Avent propos, le Toudgha. In : Villes et tribus du Maroc, Tribus berbères, Paris. . P/209

[9] مصطفى عبد الشافق، محمد أبوعلا، محمد بن باسو، 1993:” مرجع سابق، ص:21.

[10] مصطفى عبد الشافق، محمد أبوعلا، محمد بن باسو، 1993:” مرجع سابق،ص:24.

[11]Mohamed NAIM,1996: La migration international du travail et les transformations socio-spatiales dans les oasis présahariennes du Maroc : le cas de la vallée du Toudgha. Thèse du doctorat en géographie, Université de Nice Sophia-Antipolis, P :257.

[12] مساهمة الهجرة الدولية في في التحولات المجالية والإجتماعية وآفاق الظاهرة بواحة فركلة – إقليم الرشيدية- المغرب، ص:3.


المصدر: http://marocenv.com

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية