فجيج المجال، التاريخ والمجتمع



فجيج المجال، التاريخ والمجتمع








م . العربي الهلالي

الحضور الكريم السلام عليكم ورحمة الله

أولا وقبل كل شيء أتقدم بتشكراتي الخالصة لمنظمي هذا اللقاء الثقافي.

سوف أحاول جهد المستطاع في هذا العرض المركز الشمولي أن أعرض على أنظاركم الخطوط العريضة لمجال فجيج ومجتمعه عبر التاريخ في الزمن المحدد لهذه المدخلة وهو حوالي 30 دقيقة وإذا سمح الوقت، فسوف تعرض عليكم بعض الصور ونماذج من الوثائق التي يعتمد عليها الباحث في تاريخ فجيج وتراثه كمراجع أساسية.

سيداتي سادتي

كان المجال الجغرافي لإقليم فجيج حتى بداية النصف الثاني القرن من 19 يمتد إلى حدود إقليم توات جنوبا ووادي جير غربا والنجود العليا شمالا وإلى ما وراء البيض سيدي الشيخ في التخوم الجزائرية شرقا. وبعد الاحتلال الفرنسي لأطرافه الجنوبية والشرقية في النصف الثاني من القرن 19 تقلص مجاله الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي حيث فقد أكثر من 40 قصرا وحوالي 300.000 نخلة المنتشرة في الوديان المحيطة بفجيج، كما فقد الكثير من القبائل المنتمية إليه جزئيا أو كليا، جنوبا وشرقا. وبعد هذا الاقتطاع المجحف؛ ضم ما تبقى منه إلى إقليم وجدة واستمر الحال كذالك حتى سنة 1974 حيث أصبح إقليم فجيج يتكون من دائرتي فجيج وبني تجيت.

أما واحة فجيج فتشغل المنخفض الذي تحيط به مجموعة من الجبال التي تتخللها فجاج تعتبر المداخل الطبيعية للواحة، ومن هنا اشتق إسم فجيج على ما ذهب إليه بعض الباحثين، والجدل حول الموضوع لا يزال قائما. ينقسم منخفض فجيج إلى سهل في الجنوب ويقع فيه قصر زناكة وهضبة في الشمال تطل على السهل وتقع فيه قصور الودغير، لعبيدات، أولاد سليمان، المعيز، الحمام العلوي والحمام السفلي، وكذا المركز الإداري.

تسقى الواحة من ينابيع ارتوازية، تستمد ماءها من أحواض عميقة 300-600 م تحت سطح الأرض بواسطة انكسارات جيولوجية عمودية، ويبلغ متوسط حرارة مائها حوالي 30 درجة مائوية. يعتبر الماء الثروة الاستراتيجية للواحة، ولقد أخذت هذه الثروة الضرورية لبقاء واحة فجيج تتناقص نتيجة للتغيرات المناخية من جراء الجفاف وزحف ظاهرة التصحر، الشيء الذي يهدد وجود واحة فجيج مالم يتم تزويدها بموارد مائية إضافية باطنية كانت أم سطحية.وفي هذا الإطار ننظر بعين الاطمئنان إلى مبادرة إنشاء سد الصفاصف في الموقع الذي يبعد حوالي 30 كلم شمال شرق فجيج والذي سيساهم بفعالية في إنقاذ الواحة وتنميتها اقتصاديا واجتماعيا.

يعتبر الماء الثروة الاستراتيجية للواحة، فهي تباع وترهن وتكترى، ولهذا فقد تم منذ القدم تنظيمها وتقنينها بكيفية دقيقة، بحيث أصبح لكل منبع مسير يتولى توزيع الماء. ولقد استعملت عبر التاريخ وسائل متعددة من أجل توزيع الماء توزيعا دقيقا وعادلا، وأهمها الساعات الشمسية ثم المائية التي تم العمل بها حتى بداية القرن العشرين، حيث تم تعويضها بالساعات الميكانيكية، ولقد كانت وحدة التعامل هي الخروبة، التي تمثل 45 دقيقة من دورة 15 يوما، ويختلف حجم صبيبها باختلاف الينابيع التي يبلغ عددها بالواحة أكثر من 32 نبعا، يجلب ماؤها إلى الحقول بواسطة نظام هندسي محكم من القنوات الباطنية يعرف بنظام الخطارات، ويوزع بطريقة هندسية دقيقة عبر قنوات سطحية.

يرجع تاريخ نظام الخطارات في فجيج إلى أزمنة قديمة حيث أثبت تحليل الكربون 14 الذي أجري على بعض البقايا الخشبية التي تم العثور عليها في سقف بعض الخطارات القديمة، أنها ترجع إلى الألفية الأولى قبل الميلاد على أقل تقدير.

ونظرا للأهمية الحياتية للماء بواحة فجيج، ونظرا لتنامي حدة ظاهرة الجفاف بالمنطقة ولاسيما في القرون الثلاث الأخيرة، فقد أخذت النزاعات تشتد وتتطور حول هذه الثروة ولاسيما بالنسبة للينابيع المشتركة المصدر، كما هو الحال بصفة خاصة بين قصري الوداغير وزناقة أو قصري الحمامين، حيث كان يبلغ النزاع أشده، وينتهي في بعض الفترات بمناوشات أو معارك، مما كان يستدعي تدخل السلط المركزية وصدور الأحكام في الموضوع من لدن سلاطين الدولة العلوية.



يعتبر النخيل الثروة الاقتصادية الرئيسية لواحة فجيج، فقد كان يقدر عدد النخيل في بداية القرن 19 بحوالي 400.000 نخلة، إلا أن عددها أخذ يتناقص شيئا فشيئا، نتيجة انتشار وباء فتاك يسمى "بايوض"، وتعرض بعض الأراضي الفلاحية لليبس نظرا لانخفاض مستوى سطح الماء للحوض الرئيسي، إضافة إلى اقتطاع الوديان من الواحة وضمها إلى الجزائر، ولكن رغم ذلك فإن الإنتاج الفلاحي الرئيسي للواحة يبقى هو التمور، لذا يجب تجديد هذه الثروة وتوسيع نطاق غرسها حول الواحة في إطار تفعيل الطاقة المائية لسد الصفاصف المشار إليه، وفي هذا الإطار نهيب بالجهات المختصة والمسؤولة والمجتمع المدني بالعمل سويا وفي أقرب الآجال من أجل البداية في إنجاز مشروع 500.000 نخلة، يهدف إلى تجديد ما تبقى من هذه الثروة بالواحة وتوسيع نطاق غرسها حول الواحة.

سيداتي سادتي

ترجع أصول ساكنة منطقة فجيج إلى جذور عريقة في القدم، فبالإضافة إلى النواة النيوليتية أو ما سوف يعرف فيما بعد بالجنس الليبي، كما أشار إلى ذلك قدماء المصريين منذ الألفية الثالثة ق.م. انضمت إليها بعد ذلك مجموعات ذات الأصول الزناتية والصنهاجية. ومنذ القرن العاشر الميلادي امتزجت معها فرق أخرى من الأصول العربية والأشراف، إضافة إلى بعض من ذوي الأصول الإفريقية واليهودية.



وبناء على الإحصاءات المختلفة فقد بلغ عدد السكان المقيمين بفجيج، بعد الحرب العالمية الأولى حوالي 14 ألف نسمة، ولا يزيد مجموع السكان في الوقت الحاضر عن هدا العدد، وذلك راجع في الدرجة الأولى إلى الهجرة الكثيفة، ولقد تضاعفت نسبة الهجرة بصفة ملحوظة بعد الحرب العالمية الأخيرة، وذلك تبعا لتطور متطلبات الحياة العصرية وكنتيجة لحرمان سكان فجيج منذ الاستقلال (1956) من أراضيهم الخصبة الواقعة في الوديان جنوب وشرق الواحة خلف الحدود الجزائرية الحالية. إضافة إلى أنه في العقود الأخيرة تراجعت نسبة النمو الديمغرافي بالواحة إلى حوالي 0,20 % .

سيداتي سادتي

كانت الوحدة السياسية والإدارية لواحة فجيج منذ القدم تتمثل في القصر الذي هو عبارة عن قلعة محصنة بسورها وأبوابها. ويتكون القصر إثنيا من عدة فرق، عادة ما تبلغ الأربعة، وترتكز كل فرقة على عنصر أساسي ينحدر من أصل واحد، وغاليا ما تنضم إليه فرق أخرى مختلفة الأصول، تكون في مجموعها ما يسمى بالربع. ولقد جرت العادة أن يختار كل ربع لجنة تتكون من نائب وثلاث مساعدين تسهر على شؤون الربع وتدافع على مصالحه على مستوى القصر ككل. وتتكون جماعة القصر من نواب الأرباع.

وتعتبر جماعة القصر الهيئة العليا التي تزاول السلطات التشريعية والتنفيذية. ولقد كان للقصور الفجيجية منذ القدم أنظمتها العرفية المكتوبة والمعروفة بإسم القانون ترجع إليها كلما دعت الحاجة إلى ذلك. أما القضاء في الواحة فكان يتولاه القضاة المعينون من طرف السلاطين منذ نهاية العهد المريني أو قضاة التحكيم الذين كانوا يختارون من أعلم وأصلح فقهاء الواحة.



أما فيما يخص شؤون الواحة بأجمعها، فكان الأمر فيها يرجع إلى مجلس الجماعات بها الذي كان يتكون من مجموع أعضاء جماعات القصور المعترف بها. وكانت تجتمع كلما دعت الضرورة لذلك من أجل التشاور وتبادل الرأي واتخاذ القرارات في الأمور التي تهم الواحة بأجمعها، أمنيا وسياسيا واجتماعيا، وكانت تنتهي تلك الاجتماعات بتحرير وثائق عدلية تلخص ما تم الالتزام به.

ولقد تركز هذا النظام الجماعي التمثيلي في فجيج، بحيث لم يكن من السهل تغييره بكيفية من الكيفيات حتى أن الأمير مولاي عرفة ابن محمد أخو السلطان مولاي الحسن الأول، كان قد اقترح على أهل فجيج عند حلوله بها سنة 1883 تعيين خليفة لعامل وجدة يكون هو المخاطب الوحيد في شؤون فجيج، فرفض ممثلوا الجماعات ذلك بدعوى أنه إذا أصبح القرار في يد شخص واحد تعرض البلد للمخاطر، ولاسيما وأن العدو على الحدود الشرقية يتربص به الدوائر، ولم يوافقوا على اقتراحه إلا عندما ضمن لهم بأن الخليفة المقترح لن تكون له إلا الصبغة التمثيلية دون أن يتدخل في اتخاذ القرار. ولقد تناول علي السوسي هذا الموضوع بتفصيل في رحلته التي رافق فيها الأمير مولاي عرفة.



منذ القدم تكونت لفجيج هندستها المعمارية الخاصة بها، والتي أخذت بعين الاعتبار ظروفها البيئية والمناخية وموقعها البعيد كل البعد عن مصادر مواد البناء الخاصة، فاستعمل الفجيجيون المواد المحلية حيث استخدموا الحجر والطوب والجير في البناء، واستخدموا جذوع النخيل وأجزائها المختلفة في التسقيف وصنع الأبواب والنوافذ، كما استعملوا أعواد الدفلة بعد طليها من أجل تزيين السقوف، فجاءت تلك الهندسة منسجمة ومتميزة تتجلى بصفة خاصة في المساجد القديمة والبيوت السكنية التي تتكون عادة من طابقين إلى ثلاثة، يتوسطها فناء مفتوح تحيط به السواري الموشورية من الجهات الأربع، ممتدة من الطابق الأرضي إلى العلوي، وكما يتجلى ذلك أيضا في أبراج الحراسة ذات الشكل الأسطواني المخروط إلى أعلى والتي تنتهي بسطح ذي أربعة أضلاع. إنه لمعمار متميز ومنفرد في مجمله وتفاصيله، يكاد ينحصر في هذه المنطقة، ولم تبق شواهده الواضحة في الوقت الحاضر إلا في واحة فجيج، إلا أن عوامل الزمن، والطبيعة، وبوادر التجديد والعصرنة وغيرها تعمل مجتمعة وبسرعة من أجل القضاء على ما تبقى من معالم ذلك المعمار، مما يدعوا الجهات المعنية والمختصة إلى إثارة الانتباه إلى ما تبقى من معالمها وشواهدها والدعوة إلى العمل بجميع الوسائل إلى المحافظة عليها كتراث وطني وإنساني.

سيداتي سادتي

إن أهمية الموقع الجغرافي لفجيج جعل منه ومنذ القدم منطقة استراتيجية هامة، فهو يقع في مفترق الطرق الواصلة بين الجنوب (إفريقيا السوداء) والشمال الشرقي (تلمسان والجهة الشرقية الشمالية) والجنوب الغربي (درعة، سجلماسة...)، فكان لزاما على القوافل التجارية التوقف بواحة فجيج كمحطة نهائية لتبادل بضائعها أو كمرحلة أولى لما بعدها وعلى قوافل الحجاج الانتظار بفجيج حتى يكتمل الركب الجنوبي للحجاج المغاربة فيتزودوا بما يحتاجون إليه من المنتوجات الفجيجية أو الواردة عليه. ولقد اشتغل السكان منذ القدم بالفلاحة وصناعة الصوف وملح البارود والجلود والفخار. وتعاطى اليهود للصناعات التقليدية. ولقد اشتهرت صناعة الصوف الفجيجية بجودتها العالية حتى أن الحسن الوزان المعروف بليون الإفريقي ذكر في كتابه وصف إفريقيا في القرن 13م بأن الألبسة الصوفية الفجيجية كانت تباع بفاس وتلمسان بأثمان عالية. أما صناعة ملح البارود فقد تفننوا فيها كما أتقنوا صناعة الألغام ولاسيما في الفترة الممتدة بين القرن 16 و القرن 19 حيث أكد ذلك كثير من أصحاب الرحلات مثل الناصري، الهشتوكي، العياشي، الهلالي والسوسي وغيرهم، والمؤرخون مثل ليون روش.

سيداتي سادتي

إن الموقع الجغرافي المتميز لفجيج كملتقى الطرق من جميع الاتجاهات جعلت منها ومنذ القدم مركزا للإشعاع العلمي والثقافي، وحتى إنسان المنطقة البدائي كان يتوفر على تراث ثقافي وروحي متطور، كما تشير إلى ذلك النقوش المختلفة المنتشرة بالمنطقة، وفي العهود المتأخرة وبصفة خاصة منذ بداية النصف الثاني من القرن 10م الذي يصادف أيضا تاريخ بداية حلول الأشراف الأدارسة بالمنطقة، بعد سقوط دولتهم، وفي مقدمتهم أبناء الشيخ عبد الرحمان الودغيري. حيث اندمجوا في البطون الزناتية مبشرين بالتعاليم الإسلامية السليمة خلفا لما كان يسود في المنطقة منذ القرن الثامن الميلادي من الأفكار الخارجية (الاباضية والصفرية) والشعبية (الرافضة) وناشرين الحضارة العربية الإسلامية، الشيء الذي تبلور فيما بعد القرن الرابع عشر على شكل زوايا علمية وصوفية عمت المنطقة بأجمعها، وتعدتها إلى الأصقاع البعيدة غربا وشرقا وشمالا. ولقد كان من النتائج الرئيسية لأعمال علماء هذه الفترة اجتهاداتهم المتميزة من أجل التوفيق بين العرف الأمازيغي القديم الموروث وأحكام الشريعة الإسلامية، فتراكم بذلك الكثير من الفتاوى والنوازل والأحكام، يمكن أن يطلق عليها عمل أهل فجيج ونورد على سبيل المثال لا الحصر الاجتهاد المتعلق بموضوع الميراث، حيث كان الأمازيغيون بالمنطقة لا يورثون الإناث إطلاقا وذلك حرصا منهم على بقاء الثروة في نطاق العائلة أو القبيلة، فجاء اجتهاد الإمام عبد الجبار بن أحمد اليرزوزي وغيره من العلماء الفجيجيين منذ القرن 14م ليورثوهن والاستغلال عند الحاجة مع إخوانهن للذكر مثل حظ الأنثيين ومدة حياتهن فقط وذلك في سياق طويل، وافق عليه علماء القرويين بفاس وأقره سلاطين المملكة. ولقد تمت معالجة جانب مهم من تلك الاجتهادات في الكتابين نظام الأحباس ونظام القضاء في فجيج للمؤلفين هلالي و بنعلي (2007).

ونحن نتحدث عن التراث والحركة العلمية لابد أن نفتح قوسا لنشير إلى تاريخ البحث العلمي الحديث بمنطقة فجيج. وكما أشرنا فإن النشاط العلمي أخد في الإنكماش مند نهاية النصف الثاني من القرن 19 لأسباب مختلفة، لا مجال للتطرق إليها بتفصيل، لأن ذلك سيقودنا بعيدا.



وترجع أهم تلك الأسباب إلى العزلة التي كان يعيشها المغرب بصفة عامة خلال هذه الفترة، وفجيج بصفة خاصة كموقع استراتيجي اقتطعت جوانحه وسدت المنافذ والسبل في وجهه وما تبع ذلك من تغير الظروف المحيطة، مما جعل المنطقة تركن إلى سبات لم تستيقظ منه إلا بعد الحرب العالمية الثانية حيث بدأت النهضة العلمية الحديثة بتأسيس المدارس الحرة مع بداية الأربعينيات من القرن العشرين.



أما من حيث البحث العلمي الحديث، فلقد أخد الباحثون الأوربيون والفرنسيون منهم خاصة منذ بداية القرن 19، يهتمون بالمنطقة لدوافع مختلفة، فكتبوا الكثير، منه ما هو أكاديمي محض أو على شكل تقارير إدارية، سياسية أو عسكرية، يطبعها الطابع الإستعماري في أغلب الأحوال، وأخذ هذا النشاط يتقلص مع بداية الحرب العالمية الثانية وتوقفت معها حركة البحث حتى الثمانينيات من القرن 20 حيث ابتدأ البحث الميداني والدراسات من جديد وبكيفية متواصلة، حيث شمل جميع المناحي : تراثية، تاريخية، اجتماعية وحتى الأمازيغية منها. ولكن رغم كل ذلك فإن البحث في تاريخ فجيج وتراثه لا يزال في بدايته، ويتطلب بذل المزيد من الجهود المنظمة، الفردية منها والجماعية.

وخلاصة القول فإن الحركة العلمية بفجيج امتدت وبكيفية مستمرة حتى النصف الثاني من القرن 19 مما أهلها لأن تصنف في مصاف المراكز الوطنية العلمية بأعلامها وخزاناتها وتراثها وزواياها العلمية والصوفية.

سيداتي سادتي

شهدت منطقة فجيج في الفترة النيوليتية (5000 إلى 10.000 سنة ق.م) تطورا ثقافيا وروحيا، الشيء الذي تسجله النقوش المنتشرة في منطقة فجيج، وأقدمها نقوش صخرة فج زناقة جنوب فجيج، حيث نلاحظ من بين الرسوم المتنوعة تواجد الفيلة، الزرافات والبقر الوحشي وغيرها، وذلك ما يدل على أن المناخ السائد وقته كان أكثر رطوبة مما هو عليه الآن، حيث كانت تنتشر المستنقعات والبحيرات والغابات الكثيفة تنتهي إليها الوديان الآتية من الجنوب.

وفي مرحلة لاحقة حيث تقدم التصحر شمال الصحراء وجنوب المغرب ومنها منطقة فجيج، استعمل إنسان المنطقة الدواب (حوالي 3000 – 5000 ق.م)، كما تسجل ذلك نقوش كدية الحيتمة، شمال فجيج وغيرها.

ولقد استطاعت ساكنة منطقة فجيج أن تطور هذه الحضارة، حيث فكروا في إقامة أهرام بدائية على شكل كراكر حجرية «Tumelus» فوق مقابرهم، والتي أثبتت الدراسات أن فتحاتها متجهة نحو شروق الشمس، وتم العثور بداخلها على بقايا أدوات بسيطة، الشيء الذي يؤدي إلى الاعتقاد بأن سكان المنطقة كانوا يؤمنون بالبعث مرة ثانية، كما هو الشأن في المعتقدات الفرعونية. نلاحظ هنا بأن التطور الحضاري في المنطقة الغربية من شمال إفريقيا وضمنها منطقة فجيج تقدم بخطى بطيئة ومتقطعة، بينما في مصر تقدم بوتيرة أكثر ديناميكية واستمرارية، حتى وصل إلى ما وصل إليه من أهرام ومسلات... ويظهر بأن ذلك يرجع إلى أسباب أهمها الظروف المناخية الحادة التي ضربت المنطقة والتي أدت إلى انقراض الوديان التي كانت تنبع من الصحراء، تلك المنطقة التي ابتدأ فيها التصحر منذ 10.000 سنة ق.م.، بينما نهر النيل الذي ينبع من مناطق جنوب الصحراء استمر، مما ساعد على استمرار تطور الحضارة المصرية القديمة بكيفية منتظمة.

في الأزمنة الموالية مباشرة، تقاطرت على المنطقة شعوب أخرى: يمانية منذ الألفية الثالثة ق.م كنعانية منذ الألفية الثانية ق.م وكوشية أو ما يسمى بالجنس الأحمر في القرن الثامن ق.م (الأسرة الفرعونية الخامسة والعشرين...)، كما ورد في كتاب المجتمع المغربي، حيث انصهر الجميع في الساكنة المحلية وحضارتها وكونوا نواة ما يمكن تسميته بالحضارة والعرق الأمازيغي.

كما أن هناك مؤشرات تدل على أن اليهودية وصلت إلى المنطقة في وقت مبكر. أما المسيحية فنجد لها في منطقة فجيج آثارا واضحة وأهمها ما سجلته الكتابات المنحوتة على صخرة في جبل ميمون، جنوب الواحة، والتي تشير إلى تواجد تجمعات إخوانية مسيحية منذ القرن الخامس الميلادي.

ويقال بأن الإسلام وصل إلى منطقة فجيج قبل سبعة وثلاثين سنة من وصول الفاتحين العرب الأوائل (عقبة بن نافع) ، بواسطة رهبان المنطقة الذين التقوا بالمسلمين في فلسطين إثر معركة اليرموك بمناسبة زيارتهم للأماكن المقدسة سنة645 م.

ولقد خضعت منطقة فجيج للنفوذ الخارجي والفاطمي الشيعي سياسيا ومذهبيا لفترة تزيد على ثلاثة قرون ونصف (800م – 1058م ) وفي نهاية هذه الفترة حل أحفاد إدريس الأول بالمنطقة وفي مقدمتهم أبناء الشيخ عبد الرحمن الودغيري كما أشرنا إلى ذلك.

عند الزحف المرابطي نحو الشمال، استقر منهم فخذ زناقة في منطقة فجيج ليضمنوا بذلك بسط نفوذ الدولة المرابطية على المنطقة الجنوبية الشرقية، فأسسوا الحصون ووطدوا للسلطة المرابطية.


وكانت منطقة فجيج من المراكز الرئيسية في الجنوب الشرقي التي تجمعت حولها القبائل العربية الآتية من شرق الجزيرة العربية عبر مصر، مكتسحة إفريقيا الشمالية ابتداء من القرن الثاني عشر.

ومن منطقة فجيج انتقل بنو عبد الواد الزناتيين إلى تلمسان وضواحيها ليؤسسوا دولة بني زيان ابتداء من القرن الثالث عشر والتي حكمت غرب المغرب الأوسط وشرق المملكة المغربية لعدة قرون. ومنها أيضا توجهت بعض قبائل بني مرين الزناتيين في النصف الثاني من القرن الثالث عشر ليساهموا في تأسيس دولة بني مرين بفاس.

ولقد كان أهل فجيج حاضرين بكثافة بفاس في بداية تأسيس الدولة السعدية مند بداية النصف الثاني من القرن السادس عشر، ولعبوا أدوارا مختلفة في هذه المرحلة كعلماء، وتجار، وطلبة، وعساكر وعمال، كما وثق ذلك الراهب الإسباني Juan Bautista في كتابه : حياة وأعمال السلطان مولاي عبد المالك السعدي.

سيبداتي سادتي

حرص السلاطين العلويين بدورهم على التحكم في منطقة فجيج الإستراتيجية منذ بداية عهدهم في نهاية النصف الأول من القرن السابع عشر، حيث اتخذ السلطان مولاي اسماعيل من فجيج مركزا لخلافة المنطقة الجنوبية الشرقية ونصب على رأسها إبنه المولى عبد المالك سنة 1706.


ولقد حاول الأتراك غير ما مرة بسط نفوذهم على منطقة فجيج منذ نهاية القرن السادس عشر ولم يتمكنوا من ذلك بصفة مستمرة إلا سنة 1779 ولمدة عشرين سنة، حيث استرجع السلطان مولاي سليمان العلوي نفوذ الدولة على المنطقة بداية من سنة 1803.

وفي هذه الفترة ساهم أهل فجيج في تحرير تغر وهران من يد الإسبان وذلك بتلغيم أسواره، بطلب من داي وهران محمد بن عثمان الكبير التركي، كما أكد ذلك المؤرخ الفرنسي ليون روش في كتابه 32 سنة عبر التاريخ (1832 – 1864 م).

وقد ساهم أهل فجيج في الجهاد إلى جانب الأمير عبد القادر كخبراء في زرع الألغام، ففي سنة 1836 استنجد الأمير عبد القادر المختاري الإدريسي بأهل فجيج من أجل تعليم المجاهدين فن تلغيم الطرق والمسالك أمام القوات الفرنسية كما تشير إلى ذلك الوثائق التي نتوفر عليها وكما وثق ذلك أيضا المؤرخ الفرنسي ليون روش في كتابه عشر سنين عبر الإسلام.

وفي سنة 1859 طلب السلطان مولاي عبد الرحمان من أهل فجيج المساهمة في محاربة الإسبان بتطوان تحت قيادة أخيه الأمير المولى العباس بن هشام من أجل زرع الألغام وتفجيرها كما وثق ذلك المؤرخ محمد داوود في كتابه تاريخ تطوان.

سيداتي سادتي

منذ بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي وفجيج تشكل هدفا من أهداف السلطة الاستعمارية الفرنسية، إذ كانوا يعتبرونها مصدرا رئيسيا للمقاومة التي كانت تقض مضجعهم في الجنوب الغربي من الجزائر وتحول بينهم وبين التسرب إلى المنطقة الجنوبية الغربية للمملكة، حيث تعددت المواجهات والمعارك، وانتهت بقنبلة فجيج بتاريخ 08/06/1903. وبذلك ابتدأ بسط النفوذ الفرنسي على المنطقة، وأصبح المجال مفتوحا ليمتد هذا النفوذ نحو الجنوب الغربي من المملكة إلا أن المقاومة المعنوية والمادية من طرف أهل منطقة فجيج لم تتوقف، حيث انخرطوا في الحركة الوطنية المنظمة منذ بداية الثلاثينيات من القرن العشرين قصد المحافظة على الهوية المغربية، كما أسسوا المدارس الحرة وانخرطوا في جيش التحرير إلى أن تم تحرير المغرب.



أيها الحضور الكريم، تلك هي بعض الخطوط العريضة للمجال، التاريخ، الحياة الإجتماعية والفكرية لمنطقة فجيج والتي من خلالها يتجلى بوضوح أن موقعها الجغرافي المتميز جعل منها منطقة استراتيجية ونقطة تماس وخط احتكاك، بين القوى المختلفة المتعاقبة والتيارات المتباينة. ولم يقتصر ذلك على العهود المتأخرة بل يمكن تتبع جذور هذه الظواهر في التاريخ البعيد للمنطقة. إذا كانت دائما تمثل خط احتكاك بين ما هو شمالي وجنوبي أو شرقي وغربي سواء في ذلك ما يهم المعتقدات أو المذاهب أو الأنظمة أو القبائل، الشيء الذي عرض المنطقة لهزات عنيفة وتحركات قوية تخللتها فترات استقرار تطول وتقصر تبعا لقوة الدول الكبرى التي تعاقبت على السلطة شرقا، غربا وشمالا.

ويستخلص أيضا أن لمنطقة فجيج حضارتها المتميزة التي تجمع بين رصيدها التاريخي والتراثي القديم، والمتمثل في أنظمة العرف والتقاليد الإجتماعية الموروثة منذ القدم والتي امتزجت بالحضارة العربية الإسلامية، حيث تبلورت جميع هذه المكونات في بوثقة ساكنته الموسومة بالتعايش والتفتح والبساطة، دون انصهار أو تنكر للأرض والإنتماء.

وبصفة عامة، وكما أشرنا إلى ذلك، فإن الموقع الإستراتيجي الحساس لمنطقة فجيج، جعلها وأهلها حاضرين طوال الفترات التاريخية في عمق الأحداث والتغيرات الكبرى التي همت المغربين الأوسط (الجزائر) والأقصى (المغرب)، وكانت تتأثر سلبا وإيجابا من جراء تلك الأحداث.
 

المصدر
http://www.patrimoine-de-figuig.com/

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية