دراسة سوسيو- ثقافية لواحة فزواطة بدرعة الوسطى

دراسة سوسيو- ثقافية لواحة فزواطة بدرعة الوسطى / الفصل الاول :( الإطار الجغرافي والتاريخي )






-Iالإطار الطبيعي و البشري لواحة فزواطة.

-1 الإطار الطبيعي:

-1-1الموقع:

تعتبر واحة فزواطة(3800 هكتار) من بين الواحات الست المكونة لدرعة الوسطى وتأتي في المرتبة الرابعة بعد واحات مزكيطة(2400 هكتار)، تنزولين(4000 هكتار) و ترنانة (5800 هكتار)انطلاقا من العالية، والثالثة بعد واحتي المحاميد(2200 هكتار) و كتاوة(7700 هكتار)1 انطلاقا من السافلة و تنفصل هذه الواحات عن بعضها بممرات فارغة تدعى "فم" و تنتظم الواحات الست من الأعلى إلى الأسفل كالآتي:مزكيطة، ترناتة ، فزواطة، كتاوة والمحاميد.(انظر الخريطة رقم2).

و تنحصر واحة فزواطة موضوع الدراسة ما بين واحة ترناتة في الأعلى وواحة كتاوة في الأسفل، "وتبدأ مـن فـم زاكورة و تنتــهي عند فم تاقات، تقـع بين خـطي عــرض 30.9º و 30.19º شمال خط الاستواء، وخطي طول 5.30º و 5.50º غرب خط غرينتش، و تمتد على طول يبلغ 37 كلم و عرض يتراوح ما بين 700 م بمحاط أمزرو و 1600 م بمحاط أغلا ودرار و الجزء الأسفل من الواحة تحت تمكروت يحده من الشمال سلسلة ادفان وفي الشرق سلسلة بني علي و تادرارت ، وفي الجنوب جبل باني الأول "1.

2-1- بـنـيـة التضاريس :

تنتمي فزواطةإلى الأطلس الصغير الذي يتكون من صخور قديمة و التي تعتبر نقطة التقاء بين صخور الدرع الإفريقي القديمة و بين صخور الأطلس الكبير الحديثة وقد مر التكوين الجيولوجي للمنطقة بعدة مراحل، بحيث غمرها البحر عدة مرات ما بين الزمن الأول و الثالث، تفصل بينهما فترات تراجع، و بعد تراجع البحر عدة مرات تكونت التضاريس على هيئتها الحالية، و خلال الرباعي توالت عمليات التعرية على المرتفعات والأرساب والمنخفضات و ذلك تبعا لتوالي الفترات الجافة و الممطرة، أما الصخور التي تتكون منها التضاريس فهي الكوارتز أو الشيست.









الخريطة رقم 2




" و تتواجد بالواحة وحدتين غير متجانستين من حيث الشكل و الارتفاع، وحدة مرتفعة تمتد على شكل شبه دائري تحيط بالواحة حيث يحدها من الشمال الغربي جبل أدفان، ومن الشمال الشرقي جبل تادرارت، ومن الشرق جبل بني علي و من الجنوب جبل باني، و أعلى قمة توجد بجبل تادرارت هي قمة الخميس بارتفاع يصل إلى 1386 م عن سطح البحر، وينعدم التجانس في سفوحها، و تتخلل هذه الجبال بعض الفجاج خاصة في جبل باني يطلق عليها اسم "تيزي" وفي أقصى الجنوب الشرقي هناك" فم تاقات" المخرج الطبيعي لواد درعة.

أما الوحدة المنخفضة فتتكون من شريط وادي درعة إضافة إلى الرق الذي يشغله الواد الميت ثم سهل الفايجا وهي عموما منبسطة ذات انحدار شمالي غربي، جنوبي شرقي"1.

بالنسبة لوادي درعة فهو الشريط الخصب بالواحة و تتخلله بعض الكثبان الرملية التي تزحف أحيانا نحو المجال المزروع و تعيق النشاط الفلاحي، و بالنسبة للرق فهو مجال منبسط يطل على شريط الوادي بواسطة حافة تتراوح ما بين 7 و 8 أمتار على شكل أجراف صخرية..

3-1 - المنــــاخ:

بحكم الموقع العرضي لواحة فزواطة وانفتاحها عل الصحراء و موقعها الداخلي البعيد عن المؤثرات البحرية، يعد مناخها يابسا وشبه صحراوي، وخصائص هذا المناخ أنه شديد الحرارة صيفا و شديد البرودة في الشتاء و ينعكس هذا بشكل نسبي على كل من درجة الحرارة و المتوسط السنوي للتساقطات،"فبالنسبة للحرارة فتعرف الواحة حرارة مرتفعة و غير منتظمة خلال فصل الصيف، إذ تصل إلى 40º في بعض الأحيان، أما بالنسبة للتساقطات فتعرف فزواطة تساقطات ناذرة لا تتعدى في المتوسط 45 ملم " 2.


4-1- الشبكة المائية و الغطاء النباتي :

يغلب على الشبكة المائية في المنطقة الطابع الموسمي، ويعتبر وادي درعة المورد الأساسي للواحة، و أهم محطة للمياه التي تنزل من الأطلس الكبير والسفح الجنوبي للأطلس الصغير، ويجري فوق زاكورة من الشمال إلى الجنوب مستقبلا مجموعة روافد مهمة. أما ما بين فم زاكورة و" فم تاقات" فإنه يأخذ اتجاه شمال /غرب، جنوب /شـرق، ويجري جنوب واحة فزواطة تاركا الأراضي الزراعية كلها على الضفة اليسرى مابين" فم زاكورة" و تمكروت، ويقسمهما إلى جزءين ما بين تمكروت و" فم تاقات ".

و نظرا للطابع الموسمي الطاغي على الشبكة الهيدروغرافية و قلة التساقطات خلال السنة، فإن ذلك يؤثر بشكل سلبي على الغطاء النباتي الذي هو عبارة عن تعاشيب و نباتات شوكية و فصيلة قصيرة و ذلك تبعا لمناخ المنطقة، هذه الأشجار لها أوراق صغيرة و مغطاة بمادة صبغية لزجة، الشيء الذي يساعد على مقاومة التبخر و تتكون من نباتات حولية، ومن السدر و الطلح الذي يتواجد في الحدب و الفرسيك الذي يستقر بمجرى الوادي بالإضافة إلى نباتات قزمية مثل السط والآيس و العكاية.

2– الجانب الإداري و البشري لواحة فزواطة :

1-2- التحديد الإداري:

تمتد واحة فزواطة وسط درعة الوسطى على مساحة تقدر ب940 كلم2 تحدها شمالا جماعتي الروحا و تغبالت و جنوبا قيادة تاكونيت أما شرقا فتحدها جماعة كتاوة وغربا جماعتي ترناتة و زاكورة و تضم واحة فزواطة إداريا قيادة واحدة هي تمكروت وجماعتين قرويتين هما تمكروت وفزواطة.

أ-جماعة تمكروت:

"أحدثت هذه الجماعة سنة 1963، تحدها شمالا جماعتي الروحا وتغبالت، وجنوبا جماعة فزواطة، وتحدها شرقا جماعة فزواطة كذلك و غربا جماعة زاكورة، و تمتد على مساحة تقدر ب 610 كلم2 "1.

" تقطن بهذه الجماعة ساكنة قروية تقدر ب18.065 نسمة تمثل 1836 أسرة حسب الإحصاء الرسمي لسنة 1994" 2 .

ب- جماعة فزواطة:

ثم إحداث هذه الجماعة بتاريخ 1992/10/23، بمقتضى ظهير شريف سنة 1959، المعدل و المتمم بمرسوم 651-92-2 بتاريخ 17غشت 1992 الذي يحدد الدوائر والقيادات والجماعات الحضرية والقروية للمملكة، و تمتد هذه الجماعة على مساحة 330 كلم 2، تحدها شمالا جماعة تمكروت و جنوبا جماعة تاكونيت وشرقا جماعة كتاوة، وغربا جماعة تمكروت "1 "و تضم ساكنة كلها قروية تقدر ب7387 نسمة تمثل723 أسرة. حسب الإحصاء الرسمي لسنة1994 " 2


وتضم الجماعتين السالفتي الذكر مجموعة من المشيخات تضم بدورها مجموعة من الدواوير فجماعة تمكروت تتكون من مشيخة أمزرو، تمتيك، إزاخنون، تمكروت، أسكجور، بينما تضم جماعة فزواطة مشيخة أسكجور، تنفو و مشيخة بني علي.

2-2 -الأصول العرقية لواحة فزواطة:


تمثل فزواطة * (درعة الوسطى) جزءا مندمجا في وادي درعة، إن هذه العلاقة تفسر الارتباط التاريخي بينهما. فقد عرف وادي درعة الإنسان منذ الأزمنة الغابرة، إذ أسس الكوشيون السود -المنحدرون من الاثيوبيين الشرقيين- عاصمتهم بتازروت قرب جبل زاكورة حوالي القرن الحادي عشر قبل الميلاد، ثم أتى اليهود في القرن الثاني قبل الميلاد وأصبحت تازورت عاصمتهم، وقد بلغت هذه العاصمة أوجها ما بين القرن الثامن و الحادي عشر الميلادي.


و رغم التاريخ الموحد لواحة درعة، فإن هناك بعض الاختلافات الجزئية لكنها هامة، بحيث أعطت للواحة شخصيتها، هذه الاختلافات تظهر في العناصر البنيوية التي تقطن بها حاليا، و قد عرفت واحة فزواطة على مر العصور التاريخية عناصر سكانية مختلفة، "وتذكر الروايات التاريخية أن اليهود هم الدين كانوا يسكنون قصور فزواطة. وقد كانت بينهم و بين نصارى درعة الذين تحكمهم أميرة تطاحنات وصراعات طويلة، واستمر اليهود هناك أجيالا متوالية إلى أن حدث بينهم وبين جيرانهم المسلمين خلاف كبير وقتال، هزموا على إثره وطردوا إلى بلاد كتاوة في أسفل درعة "1. وقد بقيت بعض العائلات اليهودية في بعض قصور الواحة خصوصا منها أمزرو إلى أوائل عهد الاستقلال، و يشار إلى أنه مع بداية الفتح الإسلامي توا فذ على المنطقة أعداد من العرب فأصبح سكان فزواطة يتكونون من عناصر بشرية مختلفة، والوحدة التقليدية الأساسية هي القبلية "تقبيلت" و تمثل منظومة اجتماعية ثقافية مكونة من عشيرة واحدة أو مجموعة عشائر تربطها روابط دموية في أكثر الظروف، وليست القبيلة وحدة جامدة و ساكنة و إنما هي بنية متكونة باستمرار، "و تعرف القبائل اليوم بأسمائها، لان السلالات بالمنطقة اختلطت وذاب بعضها في الآخر "2


و تتمركز التجمعات القبلية في الدواوير و المداشر حيث يجمع المدشر عائلتين أو أكثر، و هكذا نتبين في المنطقة التوزيع التالي حسب الأسماء المتداولة حتى اليوم:

* مجموعة عطاوا:"آيت عطا "

ينتمي آيت عطا درعة إلى قبائل صنهاجة البربرية، و يسمون كذلك بأيت عطا الصحراويين قبل استقرارهم النهائي بدرعة كانوا يتعاطون للانتجاع بين جبال صاغرو والصحراء، بل إن هناك عدة فخدات و قبائل تارة تستقر و أخرى تطرد إما من طرف المخزن أو العناصر الاجتماعية المنافسة لهما، وتتكون من فخدات، و تضم كل فخدة مجموعة عشائر موزعة في مداشر على الشكل التالي:

أ) أيت واحليم: و فيها العظم "إخسان"الأتية :-أيت بوداود-إيلمشان –أيت عيسى ابراهيم-إزناكن.

ب ) أيت ولال و منها: مسوفة – إزاخنون.


--------------------------------------------------------------------------------------------------------------

1- محمد حجي:"الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين "مطبعة فضالة الدار البيضاء الجزء الثاني1978.

2- حقيقة أكدها نقيب الزاوية الناصرية السيد الشيخ الناصري بناصر من خلال حوار أجريته مع سيادته.





ج-أيت أسفول.

و يلاحظ أن العظم "إخس"يمثل وحدة التجانس في القرابة الدموية، و يمتد من الأصـول إلى الفروع أي من الآباء إلى الأبنـاء، كمـا يتبين مـثلا في هـذا التوزيــــــــع الآتي لـ "مسوفة":

أيت هكو- ايت محمد أموسى - أيت علي - أيت كرات.

وهي أصول تفرز فروعا حيث "أيت هكو"مثلا فيها وحدات فرعية:أيت لحسن/أيت علي أداود/ أيت ياسين، وهكذا.

ويتم التعبير عن الانتماء في حدود معينة بعبارات تدل على التواصل السلالي، الإثني و اللغوي، و منها كلمة "أميسة " و تعني" بني العمومة" ومنها كذلك "كل يعرف طاطاه" أي عشيرته و لهذا نجد في اللهجة الأمازيغية كلمة "أو طاطا "كدلالة على الانتماء في أبسط صوره، و ذلك عندما لا يكون الانتماء بالقرابة الدموية و إنما بالتعامل أو التبني.

و على الرغم من هذا التعدد، تعدد العظم في هذه الوحدة الأولى فالاعتقاد سائد على أن هناك لقاء أو تماسا في أصل واحد منه و إليه و هو " داد عطا " كرمز لبنية عميقة لا واعية عند أهالي أيت عطا، مما لا يترك مجالا للتمييز بين "أيت عطا نومالو" الذين يتواجدون بالواحة، و بين " أيت يا فلمان " بما في ذلك من قبائل أيت حديدو وأيت مرغاد في الجبال المجاورة، " و يترجم هذا التماس وهذا التلاحم عندهم بشعار حرب بو كافر التاريخية:

حلفت داد عطا لا عطات وخا أرجع صاغرو وطا

و لا يعكس هذا النظم خاصية البسالة فحسب، و إنما كذلك مفهوم " التضامن " العضوي، و التضامن العضوي نصفيا كان أو جزئيا هو ما عبر عنه المثال الأمازيغي الآتي: " أنا ضد إخواني، و أنا و إخواني ضد أبناء عمي، و أنا و إخواني و أبناء عمي ضد العالم الخارجي"1.

وتجدر الإشارة إلىأن اتحادية أيت عطا تتكون من خمسة أخماس كما في الجدول الآتي:

جدول رقم: 1

أخماس اتحادية أيت عطا




الخمس الأول

أيت ولال - أيت أونير- أمسوفا


الخمس الثاني

أيت واحليم


الخمس الثالث

أيت إعزا - أيت خليفة- أيت لفرسي


الخمس الرابع

أيت أسفول - أيت علوان


الخمس الخامس

أيت أنبكي


المصدر: لكبير أحجو

* دراوة أو الحراطين:


اسم يطلق على الملونين المستقرين بوادي درعة، يطلق عليهم كذلك الحراطين لكن هذا اللقب الأخير فيه نوع من الاحتقار، و ليس من السهل تحديد أصل ملوني درعة لأنهم ظلوا مهمشين طوال تاريخ درعة، ولم يسبق لهم أن تولوا دورا قياديا على الأقل في القرون القريبة، و هكذا فإن العلاقات العرقية تلاشت لتحل محلها علاقات سوسيو- اقتصادية، بل أن كل من غير انتماءه العرقي، أو حاول تحويل أصله ينتمي إلى دراوة حيث لا يتقيد كل من أراد الانتساب إليهم." أما أصولهم فهي مختلفة، إذا احتملنا أن من هم أصليون أو قدموا من الواحات أو القصور الاخرى بدرعة، و ربما أنهم منحدرون من الكوشيت أو الإثيوبيين الغربيين "1، الذين أسسوا مملكة مزدهرة كانت عاصمتها بجبل زاكورة والتي قضى اليهود عليها ما بين القرنين الخامس والثاني قبل الميلاد، غير أن الغموض يسود انتماء البقية منهم.


و يبدو أن الاسم الذي تحمله هذه المجموعة نسبة إلى " درا" وهم ينعتون أيضا بالأمازيغية " أيت درا " كما أن الكنية " أيت تمورت" باللهجة الأمازيغية للقبائل تعني "أهل البلد"أي المقيمين بمنطقة ما، و مهما يكن فإن طائفة "إحراضن"* تتشكل كسابقتها من عدة عشائر وأفخاذ لا متجانسة يجمعها مدشر أو دواوير، و نظرا للتباينات الإثنية فيها ، فمن الصعب ضبط عشائرها إلا من مدشري "تازروت" القرية المتاخمة للزاوية التامكروتية ، و"أولاد ابراهيم" لنتبين نشاط الامتداد اللاتيني وانعكاساته.


فبالنسبة للمدشر الأول، فيتشكل من أفخاذ أربع مقسمة إلى وحدات عشائرية: أيت الربع / أيت وحلان /أيت ضراف.

وحدات تعتقد كل منها بنسب خاص، ففيما يتعلق ب "أيت الربع " لا يمكن الجزم بوجود إتصال دموي مباشر بين مكونيه، لأن مفهوم الربع يتضمن التوزيع العددي لعشائر مختلفة الأصول و التفت في هذا اللف.


" أما فخذة " أيت وحلان " فاغلب الظن أنها تنتمي إلى عبد الجليل بن وحلان المتصوف الذي عاصر أبا العباس السبتي أوائل القرن السادس الهجري"1

كما هو الشأن كذلك في قبيلة " أولاد ابراهيم " حيث أربع فخذات تحمل الأسماء التالية: أيت عمرو/أيت ميلود / أسرغين/ إحسين.


ونجد عشيرة بكاملها بتمكروت، في الأصل، "سرغينيين " و لازالت تمتهن الدباغة و قد اختلطت كغيرها بالمجموعات الأخرى، و ذابت فيها، ولازالت الرواية المتواثرة تؤكد على أن " أسرغين " قدموا من الجنوب و أقاموا قلعتهم بالقرب من مراكش و لازالت اليوم تعرف بقلعة السراغنة.


فعنها أقر البعض أنها من أصل "مالي" أو انها امتداد لمالي، و في هذا الإطار أكد لي نقيب الزاوية الناصرية، بأن باحثا ماليا زار الزاوية و اطلع على التقاليد و العادات والنظم الاجتماعية للأهالي و لمس تقاربا بين أنماطهم السلوكية و ما عاينه، و حسم بالامتداد، ومن المفروض أن يكون كدلك الامتداد للسودان، حيث نتبين بعض أوجه التقارب بين الأهالي في المجالين، من خلال رواية " موسم الهجرة إلى الشمال " للروائي السوداني طيب صالح.


و من تم فالإفتراض الغالب أن المجموعة -البعض منها أقصد- ازدلفت من مناطق مختلفة من سوس، و تافيلالت و لا زال البعض منها تربطه صلات قرابة بدياره.


غير أنه إذا اكتفينا برصد الخصائص الفيزيولوجية، نخلص بأن الطابع الإفريقي ظاهر على المجموعة الإثنية للدراويين، كالميل إلى السمرة الداكنة و شعث الشعر و ما إلى ذلك.، هذا بالإضافة إلى تواجد عنصر إفريقي واضح المعالم، و يتجسد في ما يعرف بالعبيد "إسمخان" و هي مجموعة عشائرية تتمركز بزاوية تسمى" زاوية سيدي بلال " بالقرب من أولاد ابراهيم ،و بتمكروت درب بكامله لازال يسمى نفس التسمية وتجمعهم "تاونا " الفلكلور، كتعبير مشترك ، يفرغون فيه رشاقتهم و خفة حركاتهم في مناسبات عدة كمناسبة الموسم السنوي لعاشوراء الذي يقام بالزاوية الناصرية بتمكروت، ففيه يأتون من كل المناطق لإحياء ثلاث أمسيات متثالية وهي مناسبة لتحصيل ما يسمى " المعروف" من أشخاص عاهدوا أنفسهم على تقديمه إلى أبناء سيدي بلال، شفاء لمرض أو دفعا لأذى، و من عادة هؤلاء أنهم يقبلون الطبل تبركا، و هي عادة لازالت تنطق عن البعد الصوفي للآلة الموسيقية " الطبل " عند الإنسان الإفريقي في واحة فزواطة .


و على العموم إذا كانت الوحدة الإثنية للدراويين غير متجانسة في أبعاد النسب والأصالة، فمن الجلي أن بعض التنظيمات تميزها إلى حد ما عن الوحدات الأخرى، خصوصا إذا انفردت بمدشر واحد، و من تلك التنظيمات العرقية:


وجود " جماعة " كمؤسسة اجتماعية حيث تعقد تجمعاتها في "دار القبيلة" للبث في أمر من الأمور الخاصة.

و تتكون الجماعة من:

-1- منقرين " تعريف محلي" و يمثل كل منقر فخذة معينة أو العشيرة التي ينتمي إليها.


-2- أعضاء القبيلة و يتم انتخابهم سنويا و في بعض الأحيان يعينون من طرف "المنقرين"


ولا ينعقد مجلس الجماعة إلا بحضور " المنقرين " و كذا أعضاء القبيلة و تعتبر مقرراتهم إلزامية و كل من خالفها تترتب عنه " أنصاف " وهي غرامة تكون في مستوى المخالفة.

3-- المرابطون و الشرفاء:


تتواجد بالواحة بالإضافة إلى ما سبق ذكره وحدات إثنية أخرى نجملها في "المرابطين " و " الشرفاء" العلويين و الأدارسة، و يلعب الشرفاء دور الصلحاء ويلتزمون البقاء خارج صراع الأحلاف لأنهم يسعون لنشر الصلح بين المتنازعين، وهذه مهمة تنهض بها أفخاذ أخرى كأفخاذ المرابطين، و خصوصا منهم شيوخ الرباطات و الزوايا القديمة الذين أثبتوا كراماتهم كشرط دال على الأهلية التلقائية في المصالحة بين الناس، و أورد هنا روايتين:


"من كرامات مؤسس زاوية سيدي علي (السيد محمد بن علي بن يحي بن يعزى بن مهدي) كما حكاها عنه خلفه، أنه كان قاضيا في فاس، فتحاكم إليه رجلان اتهم أحدهما الأخــر بسرقــــة نعجـــة له، فنفى الأخر، فقال له الشيــخ: أعطه نعجته، فأنت الذي سرقتها، فرفض و أنكر و ادعى، فناداها الشيخ فتكلمت في داخل السارق (في باطنه)، مجيبة الشيخ"1


و لازالت الذاكرة الشعبية المحلية تحتفظ لنا بنموذج آخر من صنف هذه الكرامات الصوفية لسيدي امحمد يوسف الدرعي الأصل، التاكرسفتي المقام و المنطلق، و تقول الرواية الشفوية: " أنه سافر ذات مرة على مثن " عودته" إلى فاس، و عندما وصل ضواحي المدينة بعد سفر طويل و شاق، لقيه رجل بلباس أبيض أنيق، و طلب منه ان يردفه فتواضع الشيخ الدرعي وأحله المقام الأول من دابته فسارا معا إلى أن وصلا مدخل المدينة، هناك احتال عليه الرجل، فأوقعه وانتزع منه دابته بعد أن أقام عليه شهودا زورا، كانوا هناك حاضرين، فرجع الشيخ غاضبا متحسرا إلى أن جاب النهر القريب من فاس فبلغ أمره إلى السلطان فأرسل خدمه بحثا عنه، فأحضر إلى السلطان فسأله عن أمره، فحكىله ما وقع بينه و بين خصمه المدعي، فأحضر السلطان الرجل المحتال، فتمكن الشيخ الدرعي من إنطاق الدابة و ما بأحشائها، إقامة للدليل و إثباتا لملكيته لها، فأعادها السلطان إياه، و أمره بالبقاء في حضرته، فاعتذر الشيخ و اختار متابعة السفر إلى الجزائر حيث أقام هناك زاوية تعرف ب "مليانة"لازالت إلى اليوم.

وهكذا يبين النسيج الداخلي للروايتين، سير الشيخ في خطين متوازيين على صعيد الممارسة: إنطاق الحيوان كتكريس للقدرة على معرفة الباطن كميزة للمرابطين "إكرامن" دون سواهم من الجمهـــــور و العامة ".1


ومن سمات شخصية"المرابط" –كما سبق الذكر- التزام الحياد و البقاء بعيدا عن صراع الأحلاف و التمسك بالأنفة و الأرستقراطية القديمة في السلوك و العمل.


وإن غياب " المرابط" في التحالفات اللفية قديما، كانت من العوامل الأساسية في غياب الأليغارشيات، و إن كان هذا لا يعني أن الصلحاء كانوا يلعبون دورا محايدا دائما، يرى عبد الله العروي في كتابه "الجذور الاجتماعية و الثقافية للقومية العربية " : " أن الصلحاء لم يكونوا يلعبوا دورا حياديا في النزاعات، فالصلحاء و الشرفاء يكونون فئة محظوظة داخل النظام القبلي ". و بهذا نفهم التراتبية التي تحدث عنها عبد الله المحمودي في أطروحته عندما ميز بين: " إكرامن "/" إما زغن"/" إحراضن".


و تؤصل هذه الوحدة الإثنية تميزها و تحافظ عليها، لذا نجد الخلف يقطن قرب ضريح المؤسس الأول، لكن هذا لا يمنع تواجد عناصر أخرى تمثل الأتباع و المريدين للشيخ و كما يتضح لنا بأم الزوايا تمكروت حيث يقطنها عناصر إثنية متباينة في الأصول: عربية، إفريقية، و تتمركز بها أغلب الحرف تنطق عن مجدها الثقافي والحضاري.

إذن يتضح أن ساكنة فزواطة جد متنوعة، هذا ناتج عن موقعها الجغرافي بين شمال يطغى عليه العنصر العربي و جنوب يعم فيه العنصر العطاوي، و ظروف الاستقرار بالواحة تختلف من عنصر إلى آخر، في حين أن الدافع الأساسي هو الاستيلاء على الأراضي الفلاحية، فإن ذلك كان يتم في غالب الأحيان على حساب السكان المستقرين الذين يتم طردهم أو إخضاعهم، و نظرا لتوالي الطرد و الاستقرار عبر تاريخ درعة، فإن الطابع الغالب على المجال هو وجود العديد من القصور المهجورة و الخربة و السواقي التي تحمل أسماء ترجع إلى عهد غابر، و لا صلة بينها و بين السكان الذين يعيشون حاليا بالواحة.


1- منوغرافية اقليم زاكورة 2002

2 – الفاروقي عبد العزيز: " استثمار الأرض بوادي درعة الأوسط" -نموذج واحة فزواطة - بحث لنيل الإجازة في الجغرافيا جامعة القاضي عياض مراكش، السنة الجامعية 87/86 إشراف الأستاذ: سلمي عمر ص:4


1 - عبد العزيز حياني، الحسين برار، سعيد العلاوي:"قصر تمكروت:دراسة جغرافية"، بحث لنيل الإجازة في الجغرافيا، جامعة ابن زهر أكاد ير, إشراف الأستاذ: لكبير أحجو، ص:7، الموسم الجامعي 92-93.

2 - الفاروقي عبد العزيز:"استثمار الأرض بوادي درعة الأوسط"مرجع سابق ص: 6





1- مونغرافية جماعة تمكروت لسنة 2000

Recensement 1994.population légale du MAROC direction de la statistique-Rabat- p : 179 2-




1 - مونغرافية جماعة فزواطة لسنة 2000.
2- Recensement 1994.Population légale du MAROC direction de la statistique-Rabat- p : 179
* - فزواطة: تكتب كلمة فزواطة ب "فزواتة " في تواصيل ضريبة الترتيب لسنة 1959، و تنطق بالأمازيغية "إفازواتن" وخلال مدة البحث بالميدان سألنا كبار السن عن معنى الكلمة، فربطها غالبيتهم بمجال جغرافي يبدأ من امزرو شمالا لينتهي ببني علي جنوبا، إلا أن البعض الآخر يرى بأن الكلمة بالأمازيغية تتكون من (إفا) النار و (زواتن) أيبسه، و يرجعون التسمية إلى نذرة الماء الناتج عن الحرارة الشديدة.


--------------------------------------------------------------------------------------------------------------

1- محمد حجي:"الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين "مطبعة فضالة الدار البيضاء الجزء الثاني1978.

2- حقيقة أكدها نقيب الزاوية الناصرية السيد الشيخ الناصري بناصر من خلال حوار أجريته مع سيادته.



1 - بن حدو أحمد: أستاذ الفلسفة عرض تحت عنوان:"المعطيات الإثنوغرافية بدرعة" - نموذج فزواطة - الأسبوع الثقافي المنظم بثانوية سيدي أحمد بناصر - زاكورة من01-04-1987 إلى 11-04-1987 تحت عنوان "التواجد الحضاري لدرعة". ص:3



1 - Spillman G:villes et tribus du MAROC VOL:IX "Tribus berbères districts du haut Draa vallée du Draa" Hanaré Champion Editeur Paris 1930.


*" إحراضن ": دلالة سوسيو لوجية عند عبد الله الحمودي


1 - عن اللقاء مع نقيب الزاوية الناصرية بتمكروت السيد" الشيخ الناصري بناصر".



1 - بن حدو أحمد: مرجع سابق ص:4


1 - بن حدو أحمد: مرجع سابق ص:



lمصدر المقالة  http://sadakissane.blogspot.com/2012/03/blog-post_21.html


ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية