مسيرة الفكر الجغرافي


مسيرة الفكر الجغرافي








مسيرة الفكر الجغرافي محطات في تاريخ مشروع علمي محل نزاع


تأليف : ديفيد ليفنجستون


ترجمة: عاطف معتمد عزت زيان كرم عباس


فهرس المحتويات

مقدمة الترجمة

تمهيد

الفصل الأول: بحثا عن فصول القصة 

الفصل الثاني: عن الأساطير والخرائط..الجغرافيا في عصر النهضة

الفصل الثالث: ثورة...على السماء وفي الأرض

الفصل الرابع: علماء طبيعة ومستكشفون ..الجغرافيا في عصر التنوير

الفصل الخامس: حجة التصميم ونوادي الطعام ...جغرافية ما قبل داروين  

الفصل السادس: التجريب الجغرافي..تطور وتأسيس العلم

الفصل السابع: نحو مسعى تطبيقي وعملي..الجغرافيا، السلالة، والاستعمار

الفصل الثامن: الطقوس الإقليمية..الجغرافيا، المكان، والهوية المحلية

الفصل التاسع: الإحصائيات لا تجرح... التحليل الكمي ومعارضوه

الفصل العاشر: التراث الجغرافي ..خلاصة حوارية


مقدمة الترجمة


يواجه هذا الكتاب تحديات كبيرة، ولعل أولها يبدأ مع العنوان؟ فالعنوان الأصلي للكتاب هو "التراث الجغرافي Geographical Tradition The" وهو عنوان يبدو "هادئا" إن لم يكن "فاترا" في درجة حرارة جاذبيته للقراءة. ففي ظل تعرض علم الجغرافيا لأزمة هوية وغيابه عن التطبيق العملي في كثير من الدول والمجتمعات (في العالم النامي خاصة) قد يتساءل البعض قائلا: من لديه ترف اليوم لقراءة تراث الفكر الجغرافي؟ ثم يزيد المؤلف من صعوبة الأمر بتركيزه على القرون الخمس الماضية، وفي ذلك يجد القارئ نفسه أمام مجموعة أخرى من التحديات أهمها:
أولا: أن خمسة قرون لا تغطى كافة مراحل الفكر الجغرافي الذي بدأ مع مهد الاستقرار البشري باعتبار أن الجغرافيا علم وثيق الصلة بوجود الإنسان وهويته. وكان مبرر المؤلف في ذلك أن القرون الخمس الماضية هي التي تعبر بشكل أساسي عن "الجغرافيا الحديثة" التي بدأت مع الكشوف الجغرافية للعالم الجديد وتطور علم الملاحة وجمع المعلومات وانتشار الاستعمار الأوربي الذي اتخذ من الجغرافيا وسيلة له.

ثانيا: أن المؤلف اعتمد في المقام الاول على التراث الفكري الجغرافي الناطق بالإنجليزية متغاضيا – ومعترفا بذلك – عن بقية هذا التراث الصادر باللغات الأخرى. ولا نقول هنا أنه لم يستفد من الإنتاج الألماني أو الفرنسي لأنه استعان بكثير مما ترجم إلى الإنجليزية، بل إن مكمن النقد هنا مرده إلى عدم القدرة على الوصول إلى التراث الفكري العربي أو التركي أو الصيني أو الهندي أو الروسي. وهنا فلا مفر من القول إن هذا الكتاب يقدم رؤية ذات مركزية أوربية بلا نزاع. ومرة أخرى يعترف المؤلف ويقر بهذا القصور ويدعو مؤلفين آخرين إلى سد فجواته.
ثالثا: أن المؤلف يعتمد على سرد تفصيلي للحظات معينة من تاريخ الفكري الجغرافي ، دعنا نسميها لحظات فارقة، ويسهب في إلقاء التفاصيل عليها وهو ما قد يجده بعض ممن يقدرون التعمق ميزة وإضافة بينما قد يجده القراء غير المختصين تفصيلا يفقد الكتاب متعة الاستمرارية والتواصل. ومن جانبه يحاول المؤلف اتخاذ هذه الوقفات الفاصلة علامة على اتجاه المسير ورمزا لروح العصر الذي تطورت الجغرافيا خلاله.

رايعا: تبدو لغة الكتاب نخبوية متعالية مكتوبة لقارئ إنجليزي رفيع الثقافة وليس للباحثين الجغرافيين العاديين. وهنا سنجد أن الترجمة العربية تقدم خدمة جليلة بنقلها هذا العمل العلمي المهم من لغته الأصلية. لكن في المقابل قد تحمل الترجمة العربية وزر الأصل الإنجليزي حين تبدو في بعض الأحيان لغة "متخشبة" أو في أحسن الأحوال لغة "باردة" مقارنة باللغة الجغرافية المفعمة بالحياة التي ترصد تنويعات الأرض والإنسان بشكل دينامي مثير.
ورغم كل ما تقدم، يتمتع هذا الكتاب بعدة ميزات في تناوله لمسار ومسيرة الفكر الجغرافي، وفي مقدمتها أن المؤلف قد جاهد حقا كي يضع خطوات المسيرة الجغرافية ضمن المساق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الأوسع وقد أحسن صنعا بذلك متغلبا على الخطأ الشائع الذي يقع فيه بعض مؤرخي تاريخ العلوم حين يدرسون تطور مرحلة فكرية معينة بمعزل عن البيئة المحيطة أو ما يعرف بالغرق في "النصText " على حساب "السياق Context". ومما يحسب لهذا الكتاب أن مؤلفه قد أحسن صنعا حين نظر إلى طبيعة الجغرافيا في مسيرة تطورها ككائن حي يتطور عبر الزمن معتبرا أن "الأفكار بعمومها، والأفكار الجغرافية على وجه الخصوص هي هويات تاريخية تتغير، وتتحول، وتتطور على مدار الزمن في بيئات إدراكية واجتماعية".

الحنين إلى الكشف الجغرافي

بعد أن أرسى المؤلف للمنهج في الفصل الأول من كتابه استهل عمله المدقق في هذا الكتاب بالعودة في الفصل الثاني إلى زمن الكشوف الجغرافية العظمى في نهاية القرن الخامس عشر ومطلع القرن السادس عشر، مستعيدا دورها الرائد في تطور التراث العلمي ومهارات الملاحة وعلم الخرائط، حين كان "البحث عن المجهول" هو "المعمل العلمي للجغرافيا". فمن خلال الكشوف الجغرافية ودع سكان الأرض المعلومات الأسطورية وانتقلوا إلى وقائع الخريطة وحقائق المعرفة، وتحولت النظرية الكوزموغرافية إلى حقيقة خرائطية.

وقد أكد المؤلف على أن النوازع التي وقفت خلف البحث والمعرفة الجغرافية خلال فترة الكشوف الجغرافية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر لم تكن كلها نوزاع علمية. ففي مقدمة هذه النوازع كان حب الشهرة، والبحث عن الذهب، ولدى قطاعات أخرى كانت الحماسة الدينية والرغبة في التنصير تفوق كل نظير، حتى أن رحلات الاستكشاف الجغرافي كانت تمول باعتبارها استمرارا للحروب الصليبية. كما كانت الكشوف الجغرافية والحملات الحربية على الهند تتم باعتبار الأخيرة ليست سوى جزءا من شرق العالم الإسلامي.

وفي تلك المرحلة من تطور الفكر الجغرافي يكشف المؤلف عن الرباط العضوي بين الكشوف الجغرافية وتجارة الرقيق التي كانت ممولة من كبرى المؤسسات المالية في أوربا. وأدت هذه التطورات الاقتصادية، بالإضافة إلى الطلب على العمل في أعقاب الطاعون الذي اجتاح أوربا، إلى ازدهار تجارة الرقيق سريعا، من خلال بناء مستودعات الرقيق في غرب أفريقيا، وإقامة علاقات وثيقة مع الحكام المحليين المتاجرين ببني جلدتهم.

وبين ثنايا الاحتفاء بالإنجازات الأوربية يضطر المؤلف إلى الكشف عن أن التقدم التقني الذي انطلقت منه الحركات البحرية كان بفضل الاعتماد على نمط السفن العربية التي كانت تجوب المحيط الهندي والبحر العربي في حركة تجارية بين الهند وإفريقيا، خاصة ما كانت تتسم به السفن العربية من القدرة على الإبحار في المياه الضحلة غير المتوقعة والخطوط الساحلية غير المألوفة. وتمكنت سفن الإبحار الأوربية التي تحاكي السفن العربية ذات الشراع المثلث من الانطلاق بخفة ورشاقة وسرعة.

ويتبدى من مراجعة الكتاب لحركة الكشوف البحرية أنه تم ترسيخ مبدأ التعاطي الأوربي مع الشعوب التي تم استعمارها في العالم الجديد وفق نظرة عنصرية متعالية لم تعترف في البداية بأن هؤلاء القوم من بني آدم! وكان البعض يتساءل عما إذا كانوا قد نجوا من طوفان نوح، وكيف هاجروا من مركز الخلق في العالم القديم، وكان البعض الآخر يتساءل عن وضعهم اللاهوتي بالنسبة للخلاص المسيحي، وهل كانوا بشرا، وهل لديهم أرواح مثلنا؟ وفي أحيان كثيرة، كان يتم تنصير السكان المحليين قسرا، مع طمس ديانتهم. وفي حالات أخرى جرت عملية مواءمة بين الديانات المحلية والمسيحية والوفدة.

ويتضح من الكتاب أيضا أن فن الكارتوغرافيا الذي كان مزدهرا خلال فترة الحكم الإسلامي لإسبانيا قد هاجر إلى البرتغال بعد المذابح التي ارتكبت ضد المسلمين في إسبانيا في القرن الرابع عشر فانتقلت مهارات مدرسة مايورقا الكارتوغرافية إلى البرتغاليين الذين شنوا بدروهم حملات حربية واستكشافية في اتجاه العالم الإسلامي والعالم الجديد في الأمريكتين. وقد تبنى المؤلف آراء تذهب إلى أن المهارات الكارتوجرافية انتقلت من ماريوقا إلى البرتغال عبر علماء يهود ينسب إليهم الفضل في تطور كل فنون الملاحة لاحقا بما في ذلك الزعم بأن هذا النمط اليهودي الخاص من العلوم التي ظهرت في البرتغال في القرن السادس عشر، هو الذي مهد الطريق للعلوم الإنجليزية في تلك الفترة، وكان بمثابة "المحرك الدافع إلى ظهور العلوم الحديثة في أوروبا الغربية". بل ذهب المؤلف إلى أن كولومبس ذاته صرح بأن وظائف الكوزموجرافيا والكارتوجرافيا والفلك كانت وظائف يهودية أساسا.

ثورة على السماء وفي الأرض

تدين الجغرافيا في تطورها حديثا إلى حركة التحولات الفكرية التي شهدتها أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر حين اندلعت سلسلة من الثورات في كل المجالات تقريبا، ثورات ضد الكنسية، وثورات فكرية وأخرى سياسية. وقبل هذا كانت هناك ثورة على التراث الفكري الفلكي دشنها كوبيرنيكوس حين طرح نموذجه الجديد الذي فند فيه النموذج القديم القائل بأن الأرض مركز الكون وكل شىء يدور حولها وبين في نموذجه الجديد كيف أن الأرض تدور حول الشمس وأنها ليست مركزا للكون.

ولابد هنا من التوقف والإشارة إلى أن مؤلف الكتاب لم يأت بأي حال على ما توصلت إليه الأبحاث الحديثة من أن كوبيرنيكوس قد استمد نموذجه الجديد من علم الفلك الإسلامي وبصفة خاصة منذ الكتاب الشهير الذي قدمه ابن الهيثم والذي يحمل عنوان "الشكوك على بطليموس" وذلك في القرن الحادي عشر الميلادي، إضافة إلى ما كشفت عنه الأبحاث الحديثة من وجود نسخة من أعمال عالم الفلك الشهير نصير الدين الطوسي (1201-1274) في مكتبة الفاتيكان والتي يعتقد أن كوبيرنيوكوس (1473-1543) قد اعتمد عليها في صياغة نظريته الجديدة(1).

ومن داخل الثقافة المسيحية الأوربية يستشهد المؤلف بجهود حركة البيوريتان (البروتستانتية) ذات التوجه الديني الإصلاحي المنتقد للكاثوليكية، وقد ساهمت هذه الحركة في أوربا في تطوير العلوم والجغرافيا من بينها. وكما في إنجلترا وألمانيا وعدد من الدول الأوربية كان معظم ممارسي الجغرافيا لاهوتيين، وكانت عملية الإصلاح والتمرد الديني تقوم على انتقاد المحتوى المعرفي للجغرافيا، الذي كان عبارة عن مركب كاثوليكي تقليدي من الكوزموغرافيا الإنجيلية وأفكار أرسطو. ومن ثم تحول الاتجاه من استمداد المعرفة الجغرافية من صفحات الكتاب المقدس، إلى التجربة في العالم. وبالتالي تحولت المفاهيم من جغرافية الهندسة الإلهية للخلق إلى دراسة الثقافة الإنسانية بتتبع انتشار المسيحية وتأثيرها على الحضارة عبر الزمان والمكان.

وقد مضت فترة طويلة حتى نهاية القرن السادس عشر كانت الجغرافيا في أوربا لابد أن تبدأ بالأبعاد المنظورة للتجلي الإلهي، وأن تبدأ أية جغرافيا حقيقية بفلسطين ـ لأن هذا هو المكان الذي حدث فيه أول تجلى ذاتي للرب ـ ثم تتقدم بعد ذلك لإظهار توسع المسيحية.

جغرافية كانط

حتى نهاية القرن السابع عشر لم تكن حرفة العلم الجغرافي قاصرة بشكل حصري على الجغرافيا، فقد كان يسهم فيها علماء من تخصصات مختلفة، من علم الفلك، واللاهوت، والكيماء بل ومن السحر والتنجيم. وقد ازدهرت الجغرافيا بشكل واضح في تلك الفترة على يد شخص لم يكن جغرافيًا على الإطلاق في حقيقة الأمر، وهو "روبرت بويل Robert Boyle" (1627- 1691م) الأب المؤسس لعلمي الفيزياء والكيمياء في إنجلترا. والذي شغل منصب مدير شركة الهند الشرقية حتى عام 1677م، هذا بجانب ترأسه لجمعية إنجيلية تبشيرية. وبناء على ذلك، يمكننا القول أن المعرفي والتجاري والديني قد استمر في خدمة بعضه البعض خلال القرن السابع عشر فيما يتعلق بمجال المعرفة الجغرافية بشكل لا يقل عما حدث في أي من العلوم الأخرى.

وعلاوة على ما سبق خطت الجغرافيا خطوة أخرى نحو الأمام في القرن التاسع عشر بفضل الجهود الفكرية التي قدمها الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724- 1804م) الذي كان يعطي محاضرات في الجغرافيا الطبيعية بجامعة كونسبرغ على مدار أربعين عامًا من 1756 إلى 1796م. وقد آمن كانط بأن الجغرافيا إنما تمثل وسيلة لتوحيد الأفهام عن العالم. ورأى أن الجغرافيا لابد أن تساعد في تجميع المعطيات المنفصلة – وهي شذرات من المعلومات المجزأة عن عالم الخبرة – داخل وحدة المعرفة. ومما لا شك فيه أن محاضرات كانط، قد تركت تأثيرا بالغا على التكوين الفكري لعلماء بازرين في الجغرافيا أتوا من بعده في مقدمتهم ألكسندر فون همبولت Humboldt وكارل ريتر Ritter.

ولكانط الفضل في التمييز في فلسفة الجغرافيا بين "النومينا" أي الشىء في ذاته noumena (باطن وجوهر الشىء) و "الفينوميناphenomena" أي ظاهر الشىء. وفي التطبيق اللاهوتي يلخص كانط الجدل الدائر الذي اشتعل بحدة في تلك الفترة التاريخية مؤكدًا أن الجغرافيا لا تستطيع أن تقدم يد العون في البرهنة على وجود الرب، ولا تستطيع أن تقدم دليلاً على عدم وجوده، بخلاف ما حاول الكثيرون من المتحمسين للتنوير الفرنسي أن يفعلوه.

وقد أكد كانط في وقت محوري من تاريخ الفكري الأوربي على أن الجغرافيا محايدة لاهوتيًا، داعيا إلى فك الارتباط بين الجغرافيا وغائية العناية الإلهية. وربما يكون ذلك الأمر هو الخدمة الكبرى التي قدمها كانط للفكر الجغرافي. وكانت كلماته في ذلك التاريخ واضحه حين رأى أن مهمة الجغرافيا هي دراسة ظواهر مثل الجبال والمد والجزر، ومسارات الأنهار، وتوزيع النبات والحيوان، والعلاقة بين الكائنات العضوية وبيئتها، بدلاً من التأمل في الدور المزعوم لهذه الظواهر في الخطة الإلهية. ولا يجب علينا البحث عن الإلوهية هنا؛ لأن الرب متحرك إلى الأبد بعيدًا عن المظاهر الخارجية لعالم "النومينا" غير القابل للمعرفة.

من جيمس كوك إلى ألكسندر فون همبولت

في نهاية القرن التاسع عشر قفزت الجغرافيا قفزة واسعة بفضل التحول من إبحار المجازفات العشوائية إلى البعثات العلمية المنظمة التي دشنها الكابتن جيمس كوك (1728 – 1779). وذلك لأن كوك أكد منذ البداية أن طاقمه لا يشمل ضباطا مؤهلين علميًا فقط، بل يضم أيضًا رسامين للمناظر الطبيعية، ومتخصصين في التاريخ الطبيعي، وعلماء فلك محترفين، وجراحين، وعلماء طبيعة.

وقد شكلت الإرساليات العلمية الثلاث التي قام بها كوك ما بين 1768 – 1780 التراث الحقيقي للرحلات العلمية، والتي كانت مجازفة ناجحة بكل المقاييس. وفي هذه الرحلات رصد كوك تحرك كوكب الزهرة وتسجيل تلك الحركة بدقة، وتم اكتشاف حيوانات الكنغر، إجراء دراسات إثنوجرافية عن السكان الأصليين، وتم رسم خط الساحل النيوزيلندي، وجُمعت مادة علمية هائلة تم شحنها إلى الجمعية الملكية البريطانية، شملت الآلاف من النباتات، خمسمائة سمكة تم حفظها في محلول كحولي، خمسمائة طائر، وخمسمائة عينة معدنية. وبالفعل فإن كوك نفسه قد ظهر إثنوجرافيا ذا موهبة لا يستهان بها، وخاصة في وصفه لما بدا عادات دفن غريبة أو ممارسات رسم الوشم، لأنه وحد بين الملاحظة المتأنية مع التفاهم المتعاطف فيما يتجاوز المعتقدات ووجهات النظر المعتادة في أيامه.

ورغم ذلك كله لا يجب الاعتقاد بأن المنجزات العلمية في إرساليات كوك كانت تتم في فراغ أيديولوجي. ففي حقيقة الأمر أبحر كوك تحت أوامر سرية من التاج الملكي البريطاني. وقد شملت التعليمات التي تلقاها عند الإبحار من الهيئة الملكية موضوعات محددة في سبيل تأسيس وترسيخ السيادة البريطانية على الأراضي المكتشفة حديثًا، إضافة إلى تقارير عن الموارد الطبيعية العضوية وغير العضوية التي يمكن استثمارها لصالح المملكة. وبالتالي فإن رحلات كوك هي صفحة جديد من التزاوج بين العلم والتوسع الإمبريالي.

أما النصف الأول من القرن التاسع عشر فقد كان شاهد عيان على نقلة نوعية في تحصيل المعرفة الجغرافية بفضل جهود الألماني ألكسندر فون همبولت Alexander von Humboldt (1769—1859). كان "همبولت" يعتبر نفسه دائمًا رحالة علمي وليس مستكشفا مغامرا، وقد استخدم ثرائه في تمويل رحلاته وإرسالياته الخاصة. وبينما كانت نقطة القوة عند كوك هي استكشافه في المحيطات، فإن نقطة القوة لدى همبولت هي اختراقه للقارات. وفي الوقت الذي كان فيه كوك متخصصا في الرياضيات والفلك فإن همبولت كان مختصا بالجيولوجيا وعلم المعادن. وتلك الخبرات هي التي جعلت من "همبولت" جغرافيًا؛ فقد تعلم من خلالها مباشرة التوزيعات المكانية للحياة العضوية وروابطها الوثيقة بالبيئة.

من كارل ريتر إلى تشارلز داروين

مرة أخرى تتقدم الجغرافيا الأوربية خطوة نحو الأمام بفضل إسهامات الألماني كارل ريتر Carl Ritter (1779- 1859) وإن ظل أسيرا لأفكار لاهوتية جعلته أقل ترحيبا من قبل الوضعيين من مؤرخي الجغرافيا الذين امتدحوا في المقابل علمانية "همبولت".

ولكن بعيدا عن الرؤية اللاهوتية أو الوضعية، فإن جهود ريتر قد ساهمت في تحرير الجغرافيا من عبوديتها المهنية، فالجغرافيا لدى ريتر ليست مجرد تلخيص أجوف خال من الحياة عن الوقائع والمدن والبلاد. ويكمن ذلك في رؤيته لـ "الوحدة في الاختلاف" بدلا من النظر إلى الجغرافيا على أنها سرد كامل لشذرات من المعلومات. لقد أراد أن يقدم صورة حية عن الأرض ككل، طبيعتها، ومنتجاتها، وخصائصها الطبيعية والبشرية. أراد أن يقدم ذلك ككلٍ واحد تكون فيه معظم الاستدلالات المهمة عن الإنسان والطبيعة واضحة بذاتها، خاصة عند مقارنتها بعضها ببعض. ثم تحول ريتر بعد ذلك إلى موضوع الهوية مركزًا على مفهوم "ترابط واتساق هوية الأشياء Zusammenhang". وهنا تتضح الجذور الكانطية في فكره. وقد أراد ريتر أن يحافظ باستمرار على ما اعتبره اتصال جوهري بين الثقافة والطبيعة، أو بين التاريخ والجغرافيا.

ولذلك يبدو كتاب ريتر "علم الأرض Erdkunde في نظر كثيرين التجربة العظمى الأخيرة في تراث العناية الإلهية في مجال الجغرافيا. ويعتبر ريتر نفسه أن جهده الأساسي لا يتمثل في محض تجميع كم هائل من المادة العلمية أكثر من تلك التي جمعها السابقون، وإنما يتمثل في تلمس القوانين الكلية التي تكمن وراء كل ذلك الاختلاف في الطبيعة.

وعبر الأطلنطي خطت الجغرافيا من أوربا إلى الولايات المتحدة خطوة إيجابية خلال ما عرف بالعصر الجيفرسوني الممتد من 1780 إلى 1830م المنسوب إلى الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية توماس جيفرسون (والذي شغل منصبه في الفترة من 1801-1809). وكان "جيفرسون" أكثر رؤساء أمريكا حبًا للعلم، وهو الوحيد الذي قال" العلم شغفي.. بينما السياسة واجبي". لقد كانت أمامه قارة عذراء مفتوحة أمام التحقق العلمي للمرة الأولى. وعزم على أن يقلص من مساحة الأسطورة على الخريطة. ووفقًا لذلك، ليس من الغريب أن يشير البعض إلى "جيفرسون" باعتباره رائد علم الحفريات وأبو علم الآثار، وبطريرك اللاهوت الطبيعي الأمريكي، وربما يكون هناك زعم مقبول لاعتباره أبو الجغرافيا الأمريكية أيضًا.

ويلفت الكتاب انتباهنا إلى ما توصل إليه بعض مؤرخي الجغرافيا من أن الكثير من العمل الجغرافي عبر المائة سنة الممتدة من 1850-1950 قد جاء متأثرا ـ بشكل ضمني أو علني ـ بعلم الأحياء، وخاصة كتابات "داروين". فقد أدت الداروينية إلى مزيد من الإثارة في الفكر الإنساني أكثر من أي علم أخر منذ إعادة ميلاد العلوم في عصر النهضة. غير أن نظرية "داروين" عن التطور القائم على الانتخاب الطبيعي لم تمر دون إثارة وعي معارض داخل المجتمع العلمي. وبالتالي، وفي خلال العقد الأول من القرن العشرين تعرضت النظرية الداروينية الأصولية لأفول نجمها مع ظهور بدائل أخرى منافسه، وربما كان أكثرها انتشارا ما أدخله "جون بابتيست لامارك Jean Baptiste Lamarck " من التجديد الانتخابي الطبيعي للمبادئ التطورية المبكرة.

نحو مظلة مفاهيمية جامعة

من بين محطات تاريخ نهاية القرن التاسع عشر اختار المؤلف عام 1887 الذي قدم فيه "هالفورد "ماكيندر" محاضرته إلى الجمعية الجغرافية الملكية والتي حملت عنوان "حول مجال ومفاهيم الجغرافيا" مهاجما فيها الجغرافيا السياسية التي لا تتبع العلاقات السببية، بل تبقى فيها البيانات منعزلة ويتعين على المرء في كل مرة استحضارها من الذاكرة، ومنتقدا تشظي البيانات الجغرافية المتراكمة نتيجة غياب منهجية رابطة تجمع هذا الشتات. وقد سعى "ماكيندر" إلى تعيين مهمة للجغرافيا تتمثل في إعادة توحيد المجتمع والبيئة معا. وكان مسعاه من وراء ذلك هو جبر تلك الفجوة العميقة "بين العلوم الطبيعية ودراسة الإنسان" واعتبر "ماكيندر" أن جبر تلك الفجوة هي مهمة الجغرافي الذي عليه أن "يمد جسرًا فوق تلك الهوة التي تحول دون وصولنا إلى توازن ثقافي".

وكانت هذه الخطوة من قبل "ماكيندر" دعوة تضع كلاً من الثقافة والطبيعة Culture & Nature تحت مظلة مفاهيمية واحدة. وبالتالي أكد "ماكيندر" على أنه يفترض تعريف الجغرافيا بأنها العلم الذي تتمثل وظيفته الأولى في تتبع التفاعلات الإنسانية داخل المجتمع وبالمثل تفاعله مع بيئته مع تلمس اختلاف ذلك على المستوى المحلي.

وقد تركت الكتابات التي قدمها "ماكيندر" انطباعا شاملاً عن بناء حتمي في العلاقة بين الطبيعة والثقافة وفي ذلك أكد "ماكيندر" في 1904م على أن ’’الإنسان وليس الطبيعة" كان هو البادئ بالتأثير في الآخر، لكن "الطبيعة تتحكم في المقام الأول" في الإنسان.

وكان الجغرافي الألمان الشهير فردريتش راتزل (1844 – 1904)، مثله مثل "ماكيندر"، قد تدرب في الأساس في مجال العلوم الطبيعية، وبصفة خاصة في علم الحيوان. وخلال سنوات دراسته الجامعية كان قد تأثر بالأفكار التطورية المطروحة باسم "الرؤية العالمية weltanschauung" التي اجتاحت ألمانيا آنذاك. وكانت هذه الفلسفة الجديدة للطبيعة، والتي صارت تعرف باسم النزعة الدراوينية Darwinismus، قد مثلها أعظم تمثيل في أوربا "إرنست هكل Ernest Haeckel" وتبناها عنه راتزل بعد تخرجه من الجامعة وأصبح واحدا من أكثر المتأثرين به. ومن ثم فلم تكن هناك مفاجأة أن راتزل في بداية حياته العلمية كان منخرطًا بشكل كثيف في الجماعات الداعمة للاستعمار والتي كانت تطالب الحكومة الألمانية بالسعي قُدمًا في المشروعات الاستعمارية فيما وراء البحار.

لقد كان المزاج التوسعي في أفكار راتزل المنادي بالمجال الحيوي والمجال الواسع دافعًا لأن يجد فيه بعض المعلقين مصدرًا للسياسات العنصرية التي تبناها الاشتراكيون القوميون الألمان. ونظرا لاتهام راتزل بارتباطه بمعهد الجيوبوليتيك الذي أسسه الجنرال النازي "كارل هوسهوفر" - الذي تبني مفردات راتزل - فإن أعمال راتزل تعرضت بالتالي للتهميش بعد عام 1945 ولعدة عقود تالية. ولكن مؤخرا أعاد بعض المؤرخين تفسير أعمال راتزل ووجد فيها أن التوجه البيئي الراتزلي لم يكن متوافقا مع العنصرية المتأصلة في عبادة النازية للأمة أو الشعب Volk.

وفي 1889 - وفي خلال دراسته الميدانية عن الأنهار والأودية في بنسلفانيا - قدم وليم موريس ديفز أول شرح مفصل ومنهجي لدورة التعرية. وكانت الدورة نمطا نموذجيا لتطور أشكال سطح الأرض، ومتضمنة المراحل المتعددة التي تبدأ بحركة رفع تكتونية سريعة لسطح الأرض، تعقبها عملية تنشط من خلالها قدرة عوامل النحت الهدمي لتشكل سطح الأرض إلى سلسلة من الأشكال المتتابعة، يعقبها تخفيض منسوب سطح الأرض إلى مستواه النهائي والأخير المتمثل في مرحلة السهل المستوي Peneplain.

وكان لما تمتعت به رؤية ديفز من بساطة ووجاهة أن أسرت أجيالا عديدة من الجيومورفولوجيين، وذلك نتيجة للتحول الفكري الذي أحدثه ديفز في الآراء السابقة التي كان قد قدمها باول Powell وجلبرت Gilbert عن مستويات القاعدة وجعل منها حزمة جيومورفولوجية مكتملة.

الاستخبارات الجغرافية

في النصف الأول من القرن التاسع عشر تنوعت مصادر المعرفة الجغرافية من خلال الحملات العسكرية والاستعمارية. فالحملة العسكرية الفرنسية على مصر (1798-1801)، ونظيرتها على الجزائر (1839-1842) مثلت مصدراً رئيسياً لما يمكن تسميته الاستخبارات الجغرافية، فقد كان ينظر إلى حملة فرنسا على الجزائر على سبيل المثال باعتبارها فتحاً حضارياً، وفي هذا السياق كان ينبغي فهم التحول المفاهيمي في طبيعة الجغرافية الفرنسية في منتصف ذلك القرن، وبخاصة الابتعاد عن التركيز التقليدي لحتمية المكان.

وقد اعتبر إدوارد سعيد أن الموسوعة التي خرج بها الفرنسيون من مصر والتي حملت عنوان "وصف مصر Description de I'Egypte" والتي ظهرت في الفترة من 1809 إلى 1828، بمثابة نقطة تحول في تاريخ تمثيل وتصوير ما هو غير مألوف. ولم يكن كتاب "وصف مصر" فريدا فقط في حجمه، بل مثل عملا متمتعا بوعي ذاتي يهدف إلى استنطاق غرائبي للحياة المصرية بطريقة تستأنس ما هو بعيد عن المحددات الأوربية الساعية إلى الإفتنان بالنفس. فمن خلال إعادة توجيه المصير المصري "بعيدا" عن الشرق، وأخذه "نحو" الغرب بفنه، وعلمه، ورؤيته البيروقراطية كانت فرنسا تسعى إلى دمج مستقبل مصر الجديد بالمشروعات النابوليونية.

على هذا النحو فإن الحملة الفرنسية على مصر، والتي أخذت شكل "بعثة تقصي الحقائق Fact-Finding Mission" قد تحولت - بكلمات إدوارد سعيد – إلى "إستيلاء جماعي رهيب لدولة على دولة أخرى". علاوة على ذلك، فالاستراتيجيات التي وظفها الفرنسيون في هذه المناطق كانت تهدف إلى "الكشف عن الكنوز الفكرية في هذه الأراضي العريقة، وتقديمها في إطار المناخ العالمي". وقد تكرر هذا الأمر على الجانب الآخر من الأطلسي مع البعثة العلمية الفرنسية إلى المكسيك في منتصف ستينيات القرن التاسع عشر. وزاد اهتمام الجغرافيا الفرنسية "بالفتوحات الحضارية الفرنسية على الشعوب الهمجية" لاستكمال القصور الذاتي الذي عانته الجغرافيا كتخصص علمي. لذلك لم يكن من المستغرب أن يحمل المؤتمر الدولي الثاني للعلوم الجغرافية بباريس في 1875، عنوان "العمل الدولي الكبير للفتوحات الحضارية السلمية على الهمجية".

وخلال كافة مسار القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، انتشرت في الكتابات الجغرافية فكرة أن الأقاليم المناخية في نصف الكرة الجنوبي أوجدت مجموعات بشرية من أعراق سوداء متوحشة تعيش حالة سلوكية متدنية، ويتسم سكان هذه المناطق بأنهم ذوي ميول شهوانية.

وذهب عالم السلالات الشهير أرنولد جيو Arnold Guyot إلى أن "الخالق" الحكيم هو الذي وضع مهد الجنس البشري وسط القارات الشمالية حيث يتمتع السكان بنشاط عقلي راق، وليس في وسط المناطق الاستوائية، التي يعاني سكانها من الضعف والوهن ومن ثم الخمول والكسل. وقد ذهب جغرافي شهير آخر هو ألسويرث هنتنجتون إلى تدعيم ذلك بالخرائط في مؤلفه عام 1924 الذي حمل عنوان شخصية الأعراق Character of Races. وفي كتاب آخر هو " شخصية أوروبا الحديثة"، رسم هنتنجتون رسوما بيانية توضح توزيع المعدلات التي تعبر عن مستوى كل من العبقرية، الصحة، الحضارة..ألخ. وعمل ارتباطات بين هذه الرسوم والرسم البياني الذي أسماه "الطاقة المناخية" Climatic Energy وكان الاستنتاج الذي توصل إليه هو التشابه الذي "يتحدث عن نفسه"، ففي كل خريطة توجد نفس المنطقة الداكنة حول بحر الشمال، حيث أكد هنتنجتون أن المناخ يؤثر على الصحة والطاقة، وهذان يؤثران بدورهما في الحضارة، ومن هنا تفوق أوربا على غيرها من القارا!

وكانت الدراسات المناخية والجغرافية التي تذهب إلى أن الرجل الأبيض لن يكون قادرا على العمل بسبب الظروف المناخية المدارية مردها النية المبيتة لاستنزاف العمال المحليين والحصول على ثرواتهم دون عمل، والعمل فقط في "إدارة" واستعمار هذه المناطق.

وقد حاول بعض الجغرافيين في مقدمتهم الفوضوي الروسي بيتر كروبوتكين Kropotkin (1842-1921) تحرير الجغرافيا من هذا "الدنس" الاستعماري. وكانت الرؤية التي تزعمها كروبوتكين للجغرافيا مختلفة عن الخطاب السائد آنذاك. فمن زنزانة سجنه في 1885 كتب كروبوتكين مقالته "ما الذي يجب أن تكون عليه الجغرافيا "، وذلك بعد أن تم اعتقاله بتهم التورط في محاولة تأسيس الفوضوية العالمية في فرنسا، ووصفت هذه المقالة بأنها "دعوة صريحة لإدراج البعد الاجتماعي في محتوى ومنهج التعليم الجغرافى. وقد رأى كروبوتكين الجغرافيا بوضوح مشروعا عمليا بوسعه تأدية "خدمات جليلة"، وفي ذلك يقول:

"يجب أن نعلم أنه منذ طفولتنا المبكرة أننا جميعا أخوة وأشقاء في الإنسانية بغض النظر عن قومياتنا. ففي زمن الحرب، وزمن الخيلاء بالنفس والغرور القومي والكراهية، حين يُشعل الفتيل أصحاب المصلحة الشخصية والنزعة الأنانية والطبقية، علي الجغرافيا إذا أن تصبح وسيلة من وسائل تبديد تلك التحيزات العنصرية وأن تخلق مكانها ماهو خير للبشرية. وعلي الجغرافي أن يقدم هذه الحقيقة، بكامل نورها، لتفنيد تلك الأكاذيب التي تراكمت بسبب الجهل والتبجح وغرور الذات ". وعلى نهج كروبوتكين ذهب إليزيه ريكلي إلى التركيز على ذلك الرباط الصوفي بين الإنسان والطبيعة والذي يتجلى في اللاندسكيب المؤنسن Humanized Landscape.

أفكار منتصف القرن العشرين

وعلى المسرح الأمريكي كان الجغرافي الشهير كارل ساور يقود حملة في منتصف القرن العشرين للهجوم على انشغال الجغرافيين الأمريكيين بقضية تعريف علم الجغرافيا، معتبرا أنه حينما ينصرف أصحاب تخصص ما عن حب البحث والاستطلاع، ويشغلوا أنفسهم أكثر بتعريف حدود علمهم، فإن تخصصهم العلمي يواجه الفناء في هذه الحالة"، وتحسر ساور قائلا "حين تسود روح المنادمة والمسامرة، فلا عجب أن ينصرف الفضول العلمي". لقد أرجع ساور هذا الانشغال المفرط بقضية المفاهيم إلى ما أسماه "التراجع الكبير" للتخصص خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الشعرين حين أخفق الجغرافيون في الجمع بين الطبيعة والثقافة بمصطلحات تطورية. وفي عام 1939 بدأ الجغرافي الأمريكي ريتشارد هارتسهورن اصدار كتابه الشهير "طبيعة الجغرافياThe Nature of Geography"، الذي مثل نظرة فلسفية وتاريخية واسعة هدفت إلى تحديد "طبيعة" الجغرافيا عبر دراسة وبحث مسارها "التاريخي".

وبينما افتقدت الأجيال اللاحقة الرؤية الفلسفية التي امتلكها هارتسهورن، إلا أن مبادئ وأسس التمايز المكاني Areal Differentiation ازدهرت سريعا كمعتقد رصين في الفكر الجغرافي عندما أصدر إيست
و وولدريدج East & Wooldridge في عام 1951 كتابهما المعنون "الجغرافيا: مغزاها ومرماها The Spirit and Puropse of Geography"، والذي قدم دعما لحجتهما المتعلقة بكون الجغرافيا موجهة بالأساس لمسألة كيف ولماذا يختلف جزء من سطح الأرض عن جزء أخر، عبر الاستشهاد والاستناد إلى آراء كل من هتنر، فيدال دو لا بلاش، هارتسهورن، وساور. وفي ضوء الإقرار بآراء هؤلاء العلماء كان هناك تأكيد وإصرار على أن "الفصل" بين الجغرافيا الطبيعية والبشرية "مخالف تماما" لروح وغاية الجغرافيا.

نحو مذاهب فلسفية حديثة

مع بداية النصف الثاني للقرن العشرين بدأ ظهور أعمال تبحث في فلسفة العلم، كما في كتاب "الجغرافية النظرية" لبَنْجي في عام 1962، وكتاب "التفسير في الجغرافيا Explanation in Geography" لديفيد هارفي عام 1969، وهي الأعمال التي استندت على المنطق الوضعي بالأساس، في مفارقة ملفتة، إذ تم ذلك في الوقت الذي تراجعت فيه الفلسفة الوضعية تماما في دائرة العالم الفكري الأوسع.

كانت المواجهة الجغرافية مع مصطلحات الوضعية المنطقية، نوعا من التدابير التى أعدت على عجل لإصباغ الصبغة العلمية على محاولات الجغرافيا إعادة بناء نفسها كعلم مكاني. ولأسباب مفاهيمية وأخلاقية، سرعان ما تعرضت الوضعية فى الجغرافيا لهجوم من جهات عدة. صحيح أن "الممارسة" الجغرافية استمرت تأخذ بشكل كبير بهذه الثورة التقنية التى خلقتها التحليلات الكمية، لكن العقيدة الوضعية كانت محط الهجوم النظرى الذى صوب نحوه أصحاب التوجهات الإنسانوية والراديكالية سهامهم.

وليس من المستغرب أن الجغرافيين الأكثر شهرة، الذين ظهروا كآباء روحيين للمنهج الوضعى – خاصة بَنْجي وهارفى – كانوا فى طليعة من أعربوا عن تمردهم على هذا المنهج لاحقا وأعادوا صف أنفسهم مع النظرية الاجتماعية الماركسية. وكان بَنْجي يعتبر مشروعه تعبيرا عن رفضه لما أسماه الجغرافيا الناعمة Nice Geography" " أو جغرافية الأمر الواقع status quo – وهو ما تم اعتباره دعوة غاضبة لإعادة التركيز على هدف الدراسة الجغرافية للقضايا الاجتماعية المُلِحة. وخلال الربع الأخير من القرن العشرين تمثلت الجغرافيا كثيرا من المناهج الفلسفية كالبنيوية والتفكيكية والإنسانوية والسلوكية والوجودية.

وفي ختام هذا التقديم ندعو القارئ أن يتحلى بقدر من الصبر عند قراءته للكتاب، فهو عمل علمي رصين استعان فيه المؤلف بترسانة مدججة من الأعمال الأرشيفية والمراجع الأصيلة. ونأمل أن يؤدي هذا الكتاب في طبعته العربية – كما فعل في لغته الأصلية – دوره كواحد من أهم المراجع التي تبحث في تطور الفكر الجغرافي خلال القرون الخمس الماضية.



عاطف معتمد


(1) راجع لمزيد من التفاصيل:

George Saliba (1994) A History of Arab Astronomy, Planetary Theory during the Godlen Age Islam.The New Yourk University Press.


............................................................................................................................................


الفكر الجغرافي الحديث

تأليف ريتشارد بيت

Modern Geographical Thought

Richard Peet (2006)

Blackwell

عرض وقراءة: كرم عباس

مراجعة وتحرير: عاطف معتمد



الجغرافيا النسوية

يحمل الفصل السابع عنوان "النظرية النسوية وجغرافية الجنوسة Feminst Theory and Geography of Gender". ويتناول فيه المؤلف الحركات النسوية التي جاهدت لأجل تحقيق العدالة والتحرر والمساواة في فترة ما بعد الحداثة. ويقسم "بييت" الحركة النسوية تاريخيًا إلى ثلاثة موجات: تبدأ الأولى من القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين، وكان هدفها الأساس الحصول على حقوق سياسية للمرأة مساوية لتلك التي للرجل.

وتبدأ الموجة الثانية منذ ستينيات القرن العشرين وحتى التسعينيات من نفس القرن. وقد ظهرت هذه الموجة في سياق الحركات المناهضة للحرب وتنامي الوعي الذاتي لدى الأقليات في شتى أنحاء العالم، وفي تلك الموجة كانت الحياة الجنسية ومسائل الإنجاب هي القضايا المهيمنة على الحركة النسوية. أما الموجة الثالثة فبدأت في منتصف التسعينيات، وفيها تمت مراجعة مفاهيم مثل "الأنوثة الكونية" و"الجسد" و"الجنس".

وقد اتخذت الدراسات النسوية شكلاً من أشكال الأنطولوجيا السياسية، وخاصة تلك الدراسات الناجمة عن الموجة الثانية من الحركات النسوية. وطُرحت فيها تساؤلات جديدة وتم تبني مواقف سياسية من خلال فلسفة العلوم النسوية التي رغم اتخاذها شكلاً أكاديميًا إلا أن أهدافها كانت أهداف سياسية في الأساس.

وينتقل المؤلف من النظرية النسوية في أشكالها الأنطولوجية والابستمولوجية إلى الجغرافيا النسوية وتاريخها وحججها والنقاط الجوهرية فيها. ويتتبع المفاهيم الأربعة الأساسية في حركات التحرر النسوي وهي: النسوية الليبرالية – النسوية الماركسية – النسوية الراديكالية – النسوية الاشتراكية.

"النسوية الليبرالية Liberal Feminism" وهي مستمدة من مجموعة أفكار الليبرالية الكلاسيكية. وتؤكد النظرية الليبرالية بشكل عام أن البشر متساوون ولديهم قيم أصيلة باعتبارهم كيانات عاقلة. واستنادًا على أساس التساوي العقلي بين الرجل والمرأة فإن الليبرالية النسوية تسعي للحصول على حقوق للنساء، باعتبار الأنثى إنسان مثلها مثل الرجل، لابد أن تحصل على الكرامة والحرية والعدالة وتحقيق الذات وغيرها من حقوق الإنسان.

ولا تسعى الليبرالية النسوية للحصول على امتيازات خاصة للنساء بل تطلب العدالة والمساواة للجميع. وقد أدى استناد النسوية الليبرالية على تجريد الفرد لأن يتم انتقادها من جانب النسوية الماركسية التي رأت في النسوية الليبرالية أيديولوجية برجوازية.

"النسوية الماركسية Marxist Feminism" عرضت النسوية الماركسية بديلاً للنسوية الليبرالية من خلال مفهوم الطبقة التي رأت فيه مفتاحا لفهم اضطهاد المرأة. وبدل التركيز على العقلانية الشمولية رأت النسوية الماركسية البشر نوعا بيولوجيا له احتياجات يتم تلبيتها عن طريق التطبيق العملي، وأن الأشكال الاجتماعية للعمل تحدد الملامح الأساسية للمجتمع وسكانه؛ وبالتالي يتم تشكيل طبيعة المرأة من خلال التفاعل بين التطبيق العملي والنظام البيولوجي والبيئة المادية والاجتماعية. وتؤكد الماركسية النسوية على أن النساء يتبنين وجهة نظر الطبقة العاملة جذريًا.

النسوية الراديكالية Radical Feminism: ظهرت من خلال حركة تحرير المرأة في ستينيات القرن الماضي عبر سلسلة من المواقف التي كان مبدؤها الأساسي القضاء على أسباب اضطهاد المرأة. وقاومت النسوية الراديكالية تمييز المرأة وفقًا للمفاهيم البيولوجية والإنجابية، ورفضت فكرة ضعف النساء فسيولوجيًا في مقابل قوة الرجل الذي تعتمد عليه الأسرة.

وقد أدت التطورات في علم الاستنساخ ووسائل الإنجاب ووسائل منع الحمل وأطفال الأنابيب وغيرها إلى إمكانية تحويل مفهوم الأساس البيولوجي للمرأة، بمعنى أن الفروق الجنسية التناسلية لم تعد لها نفس الأهمية الثقافية التي كانت سائدة من قبل.

وأصبح القرار البيولوجي لدى المرأة أكثر وعيًا وفقًا لوجود اختيارات فيما يتعلق بالسلوك الإنجابي. وتعددت نظريات النسوية الراديكالية باختلاف رؤيتها ومنظورها، ومنها ما ربط النسوية بالطبيعة، وأن المرأة تؤكد على العاطفة في مقابل الرؤية المنطقية والعقلانية للرجل، وأن القرب من الطبيعة هو المصدر الرئيس لقوة المرأة وسلطتها، ويصبح المثل الأعلى للإنسان متمثلاً في المرأة من حيث تعاطفها وحدسها وغريزتها للحماية والتضحية.

ومع ذلك هناك نظريات نسوية أخرى ترفض النظريات الطبيعية معتقدين أنه حتى البيولوجيا البشرية والاجتماعية هي عملية انتقائية ثقافية. ورغم الاختلاف بين النظريات الراديكالية النسوية فإنها تتفق على أن المعرفة النسوية الراديكالية إنما تنشأ مباشرة عن خبرة المرأة والتي تختلف بالتأكيد عن خبرة الرجل.

النسوية الاشتراكية Socialist Feminism وتلتزم بالمفهوم الماركسي للإبداع التاريخي والمادي للطبيعة البشرية. وترى النسوية الاشتراكية أن قضايا المرأة هي نتيجة لسياق المجتمع الرأسمالي. فقهر المرأة مرتبط بالاستغلال وقوة العمل عن طريق تحقير المجتمع للمرأة كقوة عاملة منتجة سواء في العمل مدفوع الأجر أو العمل غير مدفوع الأجر (العمل المنزلي). ويتمثل الحل في نظرها في تغيير المجتمع ككل وبالتالي تغيير وضع المرأة. وترى كذلك إن إعادة بناء الواقع يتطلب التحول والتغير الجذري بفهم أعمق من مستوى الفلسفة الذكورية.

وتفترض النسوية سلسلة من مستويات الواقع التي تشمل أبعادًا أعمق تقوم على تضخيم إمكانيات المرأة المتحررة من قيود الجسد. ووفقًا لنظام الثنائيات (العقل والجسد – الثابت والمتغير – المثالي والواقعي .....الخ) فإن الوجود النسوي يتمحور في علاقة معقدة ترتكز على جسد المرأة، والأنشطة الحيوية للمرأة هي التي تشكل أساس المادية النسوية على وجه التحديد، في حين تتميز تجربة الرجل بازدواجية مستمدة من الفصل بين مجال الأسرة ومجال الحياة العامة.

وتحت عنوان "السؤال العلمي في النسوية The Science question in Feminism" يؤكد "بييت" أن هذا السؤال كان محور التركيز والاهتمام في أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينات القرن العشرين. ويشير إلى "جينيفيف لويد Genevieve Loyd" التي أكدت في "إنسان العقل The man of Reason" على أن فلاسفة القرن السابع عشر مثل ديكارت وسبنوزا وغيرهما قد صبغوا الفلسفة بالصبغة الذكورية، وأن هؤلاء حيث يتحدثون عن المثل الإنسانية فإنهم يتحدثون عن المثل العليا للذكورة. وتقاوم النسوية تلك النظرة الذكورية التي تخللت العلوم الإنسانية بشكل عام، والتي وصلت إلى أن يصبح العلم عنصري وعرقي في بياناته وإحصائياته ووسائله التقنية والثقافية. وكشفت الكثير من الدراسات النسوية التحيز والعنصرية في المشاريع الاجتماعية ضد المرأة.

ويشير المؤلف إلى وجهة نظر "كيلر Keller" الشكية النسوية في العلم. فالأيدولوجيا العلمية تصف العلاقة بين العارف (العقل) والقابل للمعرفة (الطبيعة) باعتبارها علاقة عقلية تتم من خلال العقل بدلاً من الشعور، ومن خلال الملاحظة بدلاً عن التجربة الحسية المباشرة. والذكورة متضمنة في هذا الأمر من وجهة نظر "كيلر".

إن مشروع النسوية في الغرب كان موجهًا نحو انتقاد التمييز ضد النساء ذوات البشرة الملونة والمثليات ونساء العالم الثالث. وقد ركز ذلك المشروع الذي يحمل عنوان "تحت العيون الغربية Under Western Eyes" على اضطهاد المجتمع الذكوري الأبوي ضد النساء، إلا أنه من وجهة نظر "أودري لورد Audre Lorde" فإن النساء عانين من اضطهادهن بعضهن البعض.

وقد فشلت الأكاديميات في إدراك أن الاختلافات بين النساء يجب النظر إليها باعتبارها مصدرًا للقوة وليست نقاط ضعف. والمقصود هنا أن العمل النسوي في المشروع الغربي ركز على نساء العالم الثالث بحيث ركز على النظام الأبوي والهيمنة الذكورية والاضطهاد الممنهج ضد المرأة. ومن خلال تلك الحقائق نشأت نعرة عرقية كامنة في الكتابات النسوية الغربية تتمثل في أن النسوية الغربية وحدها هي التي تستوعب الموضوعات الحقيقية في حين أن نساء العالم الثالث لم ترتفع فوق حالتها الموضوعية الراهنة.

ويتناول المؤلف النسوية كحركة أساسية من حركات ما بعد الحداثة Feminism as Postmodernism. وتعارض نسوية ما بعد الحداثة نموذج العقل التنويري المتحيز الذكوري الذي يجسد العقلانية العلمية الاستعمارية.

وبالنسبة لنسويات ما بعد الحداثة فإن النسوية تناقض التنويرية من حيث المبدأ. وفي وجهة نظر بعض النسويين فإن هناك أسبابا وجهية لاستكشاف العلاقة بين النسوية وما بعد الحداثة، فكلاهما ينتقد الأسس الفلسفية وعلاقتها بالتراث الثقافي بشكل عام، وكلاهما أيضًا يقدم معايير للنقد الاجتماعي لا ترتكز على التراث الفلسفي التقليدي. ومع ذلك فإن كل منهما قد أتى من اتجاه معاكس للآخر، فقد جاءت ما بعد الحداثة من النقد الفلسفي وامتدت إلى النقد الاجتماعي، بينما ظهرت النسوية من خلال مواقف سياسية حرجة توصلت إلى نتائج فلسفية. والدمج بين النسوية وما بعد الحداثة قد أنتج نسخة أكثر قوة من النسوية، نسخة قادرة على انتقاء أفكارها وتعديلها.

ويتوقف المؤلف عند مقالة "جان فلاكس Jane Flax" التي تؤكد فيها أن النسوية تنتمي بشكل أصيل إلى فلسفة ما بعد الحداثة. وأن المجتمع الغربي في مروره من مرحلة العصور الوسطى إلى مرحلة المجتمع الحديث يتبنى فلسفات قادرة على حل مشكلات كل مرحلة.

وتعتبر مذاهب التحليل النفسي، والنسوية، وما بعد الحداثة، أفضل الفلسفات القادرة على التعامل مع مشكلات العصر. فهي تتناول جانبا كبيرا من الظروف الانتقالية وتعيد صياغة المفاهيم وتدشينها مثل مفاهيم تشكل الذات والجنوسة والمعرفة والعلاقات الاجتماعية الثقافية وغيرها من المفاهيم دون اللجوء إلى الشمولية أو الغائية أو ثنائيات الفكر والوجود.

وقد أكد بعض فلاسفة عصر التنوير – مثل كانط- أن المرأة غير قادرة على تحقيق التحرر من الأشكال التقليدية للسلطة باستخدام أساليب الحداثة. ورأى أنصار النسوية أن متطلبات الحداثة إنما تعكس تجربة وخبرة عدد قليل من البشر معظمهم من الذكور البيض. وردًا على استبعادها من حقوق الحداثة فإن البعض يرى أن المرأة يجب أن تصر على أن مفاهيم مثل استقلالية العقل والحقيقة الموضوعية والاكتشافات العلمية وغيرها لابد أن تنطبق على تجاربهن أيضًا.

إن النظريات النسوية مثلها مثل ما بعد الحداثة تشجع على التسامح، وكذلك التناقض والغموض والتعدد، وهكذا يظهر الواقع أقل ثباتًا وأكثر تعقيدًا وبلا نظام، وهنا يشير "بييت" بسخرية إلى أن "فرويد" كان على حق حين أعلن أن النساء أعداء الحضارة.

ويتساءل "بييت" عن من هن النساء وفقًا للنظرية النسوية والسياسات التي تتعلق بالمرأة؟! ويشير هذا السؤال إلى التمييز بين النساء بعضهن البعض وفقًا للهياكل الثقافية. فالاختلافات بين النساء في نظره إنما تعود لهياكل "الهيمنة". ويؤكد أن هناك حاجة لنظريات معرفية تحدد الاختلافات بين النساء وتمكن النسوية بشكل عام لمواجهة تلك الخلافات في سبيل توحيد الجهود النسوية لمقاومة أشكال خضوع المرأة بشكل عام.

وتؤكد "التجريبية النسوية feminist empiricism" أن التمييز على أساس النوع بالإضافة للمركزية الذكورية في البحث العلمي هي عوائق تشوه المنهج العلمي وتسير به نحو الخرافات والجهل بسبب التحيزات الاجتماعية التي يمكن القضاء عليها بواسطة الالتزام بقواعد للبحث أكثر صرامة وعلمية. وبالنسبة للتجريبية النسوية فإنه في الوقت الذي كان من المفترض فيه الارتكاز على المعرفة الناجمة عن التجربة فإن العلوم الغربية انبثقت من نوع محدود ومشوه من الخبرات الاجتماعية، ومن وجهة نظر النسوية فإن خبرات النساء يمكنها أن تقدم الأساس المعرفي الأكثر كمالاً والأقل تشوهًا من خبرات الرجال وتجاربهم.

ويعرج الفصل لاحقا على مفهوم "الجغرافيا النسوية Feminist Geography" التي ارتبطت منذ البداية بالجغرافيا الراديكالية، حيث ركزت الأخيرة في توجهها الجغرافي الراديكالي على وضع القضايا الاجتماعية بما فيها قضايا المرأة في بؤرة اهتمام العلم الجغرافي.

ووجهت الجغرافيا النسوية الاهتمام إلى قضايا حيوية خاصة بالمرأة أهمها عدم المساواة والتمييز استنادًا على الجنس. ويعالج "المنهج النسوي Feminist approach" في مجال الجغرافيا ثلاثة مناحي أساسية، وهي: الفضاء المكانيSpace، والمكانPlace، والطبيعة.

وتوضح الدراسات النسوية في مجال الجغرافيا البشرية أن المدينة بشكلها المعاصر تجسد الانقسام بين الجنسين بالمعنى الحرفي، على سبيل المثال خوف النساء من المدن أو مشاكل الإسكان للنساء غير المتزوجات أو آثار التصميم الحضري والتخطيط على المرأة، كما تركز الدراسات على الاختلاف في مستوى المعيشة بين الرجال والنساء. وتميل لأن تعتمد على المنهج الوصفي والمؤشرات الإحصائية في إثبات أطروحاتها الخاصة.

ويستمر الفصل في تناول تفاصيل النظرية النسوية وعلاقتها بالجغرافيا، فيعرض للـ "الجدل الأبوي Patriarchal debate" الذي بدأ بين "جو فورد Jo Ford" و"نيكي جريجسون Nicky Gregson" عن مفهوم المجتمع الأبوي الذي عملت النسوية الاشتراكية بشكل خاص على تهميشه. ويشير المؤلف كذلك إلى مجال الدراسات الميدانية في الجغرافيا النسوية.

وينتهي الكتاب بالفصل الثامن الذي يمثل خاتمة عامة يوضح فيها أهم النتائج التي توصل إليها.


ليست هناك تعليقات :

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية