المقاربة النظرية أساس لتطوير الفكر الجغرافي

المقاربة النظرية أساس لتطوير الفكر الجغرافي

 


مولاي المصطفى البرجاوي
 
إن المقارَبة الأبستولوجية للجغرافيا، تتطلب معالجة نظرية في أفق ملامسَة قضاياها الجوهرية التطبيقية، لهذا ركَّزنا في هذه المداخلة على الجغرافيا بين النظرية والتنظير مِن خلال النبشِ في الجغرافية الطبيعية والبشرية؛ لتقريب القارئ المتلقي مِن هذه الزاوية النظرية.

1- مفهوم المقاربة (l’approche ):
المقاربة هي الطريقة التي يتناول بها الشخص أو الدارس أو الباحث، الموضوع أو الطريقة التي يتقدَّم بها في الشيء.

المقارَبة أساس نظري يتكون مِن مجموعة من المبادئ يتأسَّس عليها برنامج دراسي.

تُحيل المقاربة في الوقت الراهن على التخطيط التربوي والطلب على التربية من أجل كذا، وعلى الاقتصاد التربوي، وهنا نستحضر الحاجة والوظائفية بالانطلاق مِن حاجة المقاوَلة أو الاقتصاد أو الفئات العمرية أو التنافسية أو الحاجات الوطنية والإنتاجية، وما يُلاحظ أن كل مقاربة تُطرَح مشاكل منها: مشكلة مشروعيتها كمُقارَبة.

2- التنظير في الفكر الجغرافي:
تظلُّ الجغرافيا منذ نشأتها كعلم له أصول وقواعد، اهتمَّت بالتنظير على الرغم مِن اتِّهام البعض لها بأنها غير معنيَّة بالتنظير بقدر اهتمامها بالوصف المجرد للظواهر دون محاولة تحليلها وتعليلها أو النظر في ما وراءها، أو العوامل التي تتستَّر خلفها[1].

والتنظير مِن القضايا التي يتكرَّر مناقشتها في الفكر الجغرافي، وللجغرافيِّين مواقف ووجهات نظر مختلفة ومتبايِنة فيها.

2- 1- ماهية التنظير والنظرية:
يُطلَق التنظير على عملية بناء النظرية وصياغتها، والنظرية مِن الفعل "نَظَرَ" بمعنى تأمَّل، والنظرية قضية تَحتاج إلى برهان لإثبات صحتها، والتنظير مظهَر مِن مظاهر النشاط العقلي، هدفه إيجاد تفسير معقول للظاهرة أو الشيء أو الحدث المطلوب دراسته، فالإنسان حينما يلاحِظ ظاهرة مِن الظواهر أو حدثًا مِن الأحداث، فإن العقل يقوم بعملية التصورات العقلية أو التخيُّلات الحدسية؛ كي يستعين بها في تفسير ملاحظاته[2].

أما النظرية فتعدُّ مركز العلم ومحوَرَه ونواته، ولا بدَّ للنظرية أن تقوم بمهمة الشرح والتفسير والتنبؤ لهذا العلم حتى يؤديَ دورَه كاملاً.

فالنظرية بُنيان مِن المفاهيم المترابطة والتعريفات والمقولات التي تُقدِّم نظرة نظامية إلى الحوادث عن طريق تحديد العلاقات بين التحولات بهدف تفسير الحوادث والتنبؤ بها[3].

في حين النظرية في المنهج الوضعي هي نسق أو منظومة مِن المفاهيم والقوانين المرتبطة بالظواهر الجغرافية، وهي عبارة عن صيَغٍ تَفسيرية تسمَح بالكشف عن الأسباب الكامنة وراء تلك الظواهر الحسية؛ لأن تلك الأسباب لا تظهَر بشكلٍ مُباشر، بل تبدو مِن خلال مظاهِر على صعيد المعطيات الحسية، ولذا تَسعى النظرية إلى إبراز الآليات الخفية لهذه المعطيات الحسية.

2- 2- النظرية في الجغرافيا:
تمثِّل النظرية في علم الجغرافيا أعلى درجة التجريد المعرفي، فهي عبارة عن التعميمات والمفاهيم التي تُكوِّن العلاقات مع بعضها البعض، وهي مجموعة الأفكار التي تَكشِف عن النظام الذي تَسير بمُوجبه الظواهر الاقتصادية والسياسية؛ مثل: نظرية "مالتوس" السكانية، ونظرية الكتلة الاقتصادية وغيرها من النظريات[4].

وإذا كانت الجغرافيا الطبيعية محاوَلات في التنظير منذ القرن 19 الميلادي، بحكم اتِّصالها بالعلوم الطبيعية، مثل نظرية تطور الأشكال التضاريسية للجغرافي الأمريكي "وليام ديفيس"، ونظرية زحزحة القارات للجغرافي الألماني "فيجنر" سنة 1912، ونظرية المدخنَة الاستوائية، ثم نظرية انحراف الأجسام، ونظرية المحرِّك القطبي في المناخ، فإن الجغرافيا البشرية، لم تهتمَّ بالتنظير إلا منذ بداية الخمسينيات مِن هذا القرن، وجاء ذلك بفضل جهود الجغرافيِّين الأنجلو ساكسون؛ الذين استعملوا الوسائل الكميَّة، كما اقتبسوا بعض النظريات مِن العلوم الاجتماعية المُجاوِرة، خصوصًا علم الاقتصاد، واستعملوا لتفسير أنماط التنظيم المجالي للظواهر الجغرافية، وقد ساهم ذلك في تطوير الفِكر الجغرافي.


[1] - محمد علي عمر الفرا، 1990، التنظير في الفكر الجغرافي الحديث، الرسائل الجغرافية، العدد: 139، الجمعية الجغرافية الكويتية، (ص: 3).
[2] - محمد علي عمر الفرا، نفس المرجع، (ص: 5).
[3] - عاقل فاخر، 1979، أسس البحث العلمي في العلوم السلوكية، دار العلم للملايين، بيروت، (ص: 26).
[4] - ريمون المعلولي، 2001، التربية من أجل الجودة، وزارة والتعليم العالي، دمشق، سوريا ، (ص: 86).


ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية