التخطيـــط للتنميــة الريفية المتكاملــــة


التخطيـــط للتنميــة الريفية المتكاملــــة




بســم الـلّـــه الرحمـــن الرحيــــــــــم

الجامعـــة الأردنيــة  كليــة الدراسات العليا

التخطيـــط للتنميــة الريفية المتكاملــــة



إعــداد الطالب :علــي صــبري محمــود

تحميل 

http://www.4shared.com/office/7zCAbcwL/___online.html



بإشـــــراف :الأستـاذ الدكتـور

حسن عبـد القادر صالح

الفصـــل الأول

1998/1999



مقدمــة:-

مما من شك في أن ليس هناك قضية تتربع على قمة اهتمامات عالمنا المعاصر مثل قضية التنمية بشكل عام والتنمية الريفية بشكل خاص، رغم إنها قديمة قدم الإنسان ومستمرة باستمرار ومتجددة ومتطورة بتجدد مطالبة وتطور احتياجاته، ومرد ذلك إن التنمية ببساطة وإيجاز تعني ان يتمكن الإنسان حيثما ووقتما كان من تحقيق حسن استخدام وتوظيف ما لديه من طاقات بشرية وإمكانيات مادية لتغطية كافة احتياجات ومتطلبات حياته بكل جوانبها، وفقاً لمستوى عصره الذي يعيشه وبأكبر قدر من الوفرة وأعلى مرتبه من الجودة ، وفي نفس الوقت يحقق فائضاً ليعاد استثماره من أجل المزيد من التطور والتقدم نحو الواقع الأفضل لبلوغ الطموح الأكثر، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كانت جميع أقطار العالم الثالث واقعة عملياً تحت الحكم المباشر للاستعمار، أما اليوم وقد تحررت جميعها فإن الاستقلال لا يعني بالنسبة لهذه الدول إن تحكم نفسها بنفسها وتدير مواردها فحسب، بل يعني كذلك مسئوليتها عن تطور ونمو ورفاهية شعوبها، وقد كانت معظم هذه الأقطار فقيرة، وتميز فقرها بالبطالة والأمية وسوء التغذية والمرض، فكيف لها ان تعالج مثل هذه المشكلات؟

ولا تعتمد المجتمعات في نهضتها على الصدفة، وإن كانت الصدف تلعب دوراً بسيطاً في بعض المواقف إلاّ إنها لا تستطيع أن تقف طويلاً أمام الخطط المنظمة للتنمية الشاملة، لذا فإن كل مجتمع يسعى للنهوض لجعل حياته سلسلة من النمو المتواصل، يخطط لحياته في ضوء احتياجاته وإمكانياته وآماله، لذلك لا بُـد لأي مجتمع من اللجوء إلى التخطيط والتنظيم كأسلوب للعمل يستهدف الاستخدام الأمثل لموارده بما يحقق أقصى كفاية لمقابلة الاحتياجات التي يتطلبها المجتمع وفق المستوى الذي يأمل في الوصول إليه، ويتم ذلك بإعادة تنظيم الخدمات القائمة فعلاً وإنشاء خدمات جديدة تتفق واحتياجات المجتمع.

وتمتاز الدول النامية عموماً بحاجتها إلى التخطيط أكثر من الدول المتقدمة، لان مواردها المتاحة ضئيلة والفارق الاقتصادي والحضاري واسع بينها وبين الدول المتقدمة، وقد أثبتت التجارب العديدة السابقة أن السياسات التخطيطية الشاملة التي تتبعها هذه الدول لم تحقق إلاّ القدر الضئيل مما وضعت له، حيث أن خطط مشاريع التنمية الشاملة كانت ولا زالت تتعامل مع كافة القطاعات بما فيهم السكان بنفس القدر من الاهتمام، مما زاد في أتساع الفجوة ما بين الحضر أو المدنية بسكانها والريف بكافة قطاعاته المختلفة.







التخطيط للتنمية الريفيـة

المتكاملة





تستهدف التنمية الريفية المتكاملة في جوهرها الخلاص من حالة الركود والتخلف التي تسود المجتمعات الريفية، لتنطلق إلى توازن متحرك ومضطرد النمو من خلال تصحيح القطاعات المختلفة للمجتمع الريفي، وذلك بأحداث تغيرات جذرية في الأنماط الإنتاجية والاستهلاكية في مختلف القطاعات، وبما أن المشكلة الأساسية في أي مجتمع ريفي هي الموائمة ما بين الموارد المحدود كماً ونوعاً وبين الحاجات والرغبات غير المحدودة للوصول لأقصى إشباع وأفضل استغلال ممكن لتلك الموارد، من هنا تبرز حاجة المجتمع الريفي إلى أداة فنية لتحديد الإمكانيات والإنتاج، والمفاضلة بين الأولويات لتحقيق الأهداف على أفضل وجه، لذلك يعتبر التخطيط للتنمية الريفية المتكاملة أفضل السُبل لرسم صورة تقديرية للمستقبل عن طريق التنبوء بما سوف يكون عليه الحال مستقبلاً آخذين بعين الاعتبار جميع الأهداف الواجب تحقيقها ضمن الإمكانيات المتاحة، وعند الحديث عن التخطيط للتنمية الريفية المتكاملة لا بـُد لنا من التطرق إلى التنمية الريفية كمدخل إلى التعريف بهذا القطاع.



التنمية الريفية المتكاملة:-



جاء في مقدمة دراسة صدرت عن مكتب العمل الدولي عام 1977 لبحث مشكلة الفقر أنه خلال الستينات من هذا القرن أرتفع دخل الفرد في الدول النامية بمعدل سريع، وأن كثيراً من أهداف خطة التنمية الأولى التي تضمنتها إستراتيجية الأمم المتحدة قد تم إنجازها بل وتجاوزها أحياناً، ولكن لوحظ أنه لم يطرأ تحسن معقول في المستوى المعيشي لمجموعات ضخمة من الناس في العديد من الدول، وأن الفجوة بين الشعوب الفقيرة والشعوب الغنية حتى بين المجموعات في البلد الواحـد آخـذة في الأتساع، ويرجع كاتب الدراسة السبب في ذلك إلى(1) :-

1- الاهتمام المفرط بتنمية قطاعات متطورة وهذه القطاعات ذات ارتباط ضعيف بالقطاع

الريفي أو القطاعات الأخرى التي يعمل فيها معظم السكان.

2- الفشل في إيجاد توافق بين التزايد السكاني ونمو القطاعات المختلفة التي ترفدهم .





وتهدف غالبية الدول من وراء التخطيط أو البرامج التنموية الى الاسراع في تحقيق معدلات عالية من النمو الاقتصادي، والتخطيط التنموي في غالبية الدول النامية يخضع لاعتبارات متعددة، بعضها محلي وبعضها الاخر خارجي، وبحكم بنيانها الاقتصادي والاجتماعي المعتمد على مورد اقتصادي واحد أو اكثر، وبحكم أن العوامل الخارجية تلعب دورا رئيسيا في إنتاجة وربما في إستثمار عائداتة، ولقد ناقشت كثير من الدراسات الاقتصادية والاجتماعية موضوع التخطيط التنموي في الدول العربية، وإتجهت معظم الاراء الى عدم وجود تخطيط للتنمية الريفية بالمعنى الحقيقي وإنما إستنزاف للثروات، وأن مفهوم التخطيط السائد هو مفهوم خاطيء لانة مجرد ميزانية للاحتياجات مع ضعف الالتزام القومي، وإتجهت بعض الاراء الى التأكيد على أن التخطيط السليم يحتاج الى مقومات متعددة، مثل المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والادارية، وهذة المقومات غير متوفرة في الدول النامية، حيث تبين أن غالبية هذة الدول لا زالت تعتمد على الخبرات الاجنبية في مجال التخطيط الاقتصادي والاجتماعي، رغم أن الاعتماد على الخبرات الاجنبية في التخطيط حلقة من حلقات التبعية الاقتصادية والاجتماعية لهذة الدول والتي تفرض من خلال توجيهات تساعد على إستنزاف الثروات من هذة الدول وفق إستراتيجية مدروسة، وبالتالي أصبحت خطط التنمية من الشعارات التي ترفعها الدول النامية لتدل على تقدمها فقط.

ومن الملاحظ أن جميع دول العالم والتي تخطط للتنمية تعترف بأن التنمية الريفية المتكاملة إن لم تكن هي الحل الأفضل فهي على الأقل الحل الوحيد المتاح للإبقاء على حياة الملايين من البشر ورفع مستوى حياتهم بدرجة مقبولة، لذلك فالتنمية الريفية هي إستراتيجية تهدف إلى تطوير الحياة الاقتصادية والاجتماعية لمجموعة معينة من الناس وهم فقراء الريف المحرومون من مكاسب وإنجازات خطط التنمية الشاملة في معظم دول العالم والذين يعيشون في حالة فقر مدقع، وتصل نسبتهم إلى 85% من فقراء الدول النامية(2) ، وحيث أن التنمية الريفية تهدف إلى خفض حجم الفقر، فإنها يجب أن تكون مصممة بشكل يستهدف بوضوح زيادة الإنتاج القطاعي ورفع الإنتاجية لكافة القطاعات بشكل عام، بحيث تستطيع بصورة غير مباشرة من زيادة قدرة هؤلاء السكان على الإسهام في الاقتصاد القومي بشكل عام، إضافة إلى إسهامات التنمية الريفية بتطوير المجتمع الريفي وصقله والانتقال به من عزلته التقليدية إلى الاندماج في الاقتصاد القومي، وهكذا أصبح المزارع الأمريكي الذي يوصف بأن ثلثه ميكانيكي وثلثه مهندس زراعي وثلثه تاجر أصبح ينتج من المواد الغذائية ما يكفي لمعيشة 40 شخصاً وراح زميله الفرنسي يقدم ما يطعم 15 نسمة والسوفيتي 8 أشخاص أما فلاح الدول النامية فلا يكاد ينتج ما يكفي شخصين أثنين لأن كلمة فلاح في البلدان المتخلفة تعتبر مرادفه لكلمتي جاهل وفقير(3).

وكما يلاحظ من الشكل رقم (1) إن الاهتمام بدعم التنمية الريفية قد أخذ طريقه في أواسط الستينات من هذا القرن فقط.



























شكل رقم (1)



لذلك فأن أهداف التنمية الريفية تمتد إلى ما هو أبعد من أي قطاع محدد، فهي تشمل تطوير الإنتاج وزيادة فرص العمل، مما يحقق بالتالي مردود أعلى للجماعات المستهدفة، مع مراعاة أن أي خطة أو مشروع للتنمية الريفية يعكس باستمرار الظروف السياسية والاقتصادية لأي إقليم أو دوله، وكذلك فإن نجاح عملية التنمية الريفية يتوقف إلى حد كبير على إنتاج الطرق العلمية في تحديد ما يجب أن يقام من مشروعات وتحديد أولويات تنفيذها وفقاً للإمكانيات المتاحة في الدول، ومراعاة مدى الارتباط ما بين هذه المروعات والمكاسب المادية والمعنوية التي ستنعكس على السكان.

وتشمل أهداف التنمية كذلك أيضاً تحقيق زيادات ثابتة في متوسط إنتاج ودخل الفرد وتوسيع حجم العمالة الإنتاجية، وعدالة أكبر في توزيع منافع النمو، وهذا يعني خفض حجم الفقر بزيادة إنتاجية الفقراء وتوفير قدر أكبر لهم من السلع والخدمات، وبما أن النسبة العالية من الفقراء يقيمون في المناطق الريفية لذلك فإن التنمية الريفية يجب أن تشكل جزءاً رئيسياً من إستراتيجية التنمية ما دام قطاع كبير جداً من المحتاجين سيستفيدون منها.

ولقد كانت إستراتيجيات معظم الدول النامية في الماضي تتجه إلى التركيز على التقدم الاقتصادي العام دون اعتبار محدد لطبيعة توزيع منافع هذا التقدم، وكان المقترح أن التقدم المتزايد في حد ذاته سيؤدي إلى انخفاض حجم الفقر على أساس أن منافع الاقتصاد الموسع تستشري بين الناس، وبالتالي فأن التركيز كان على زيادة معدل النمو مع الاستبعاد الكامل للقطاع التقليدي الذي يشكل فيه صغار الملاك والمستأجرين والمعدمين غالبية فقراء الريف.

ورغم أن التنمية الاقتصادية لسكان الريف المتزايدين ستعتمد في المدى البعيد على توسيع القطاعات الحديثة والمجالات غير الزراعية، إلاّ أن التركيز القوي على القطاع الحديث معرضة لتجاهل جهد النمو في المناطق الريفية، ولقد كان عدم الاعتراف بذلك سبباً رئيسياً في بطء النمو الريفي وفي تزايد حجم الفقر في الريف، وعلى النقيض تماماً فأن انشغال عدد قليل من الحكومات في تحقيق العدالة الاجتماعية في المناطق الريفية يحتمل أن يكون قد عرقل تشجيع الاستثمار في مجال النمو لدرجة خلق حالة كساد اقتصادي، ومع التزايد السريع في عدد السكان فقد أنكمش متوسط دخل الفرد في المناطق الريفية.

وتتطلب إستراتيجية التنمية الريفية التي تستهدف زيادة معدلات النمو وتوزيع عوائده بشكل أكثر عدلاً، تفاعلاً أكبر بين القطاعين التقليدي والحديث خاصة في شكل زيادة حجم التجارة الزراعية وكذلك يجب أن يحتضن أي برنامج للتنمية الريفية دائرة واسعة من الأنشطة منها مشروعات لزيادة الإنتاج الزراعي ومشروعات لتحسين التعليم والصحة وتوسيع شبكات المواصلات وتطوير الإسكان، ويختلف تنوع الأنشطة باختلاف متطلبـات

الإقليم والأولويات المحددة للعناصر داخل أي برنامج في أوقات محددة ومراحل محددة من التنمية، وقد يوضع البرنامج على أساس سلسلة من المشروعات المتتابعة، مثلاً التنمية الصحية أولاً ثم التعليم ثم بعد ذلك التنمية الزراعية، أو قد يوضع البرنامج على أساس محاولة أتباع أسلوب أوسع ومتعدد القطاعات بحيث يجري تنفيذ سلسلة من الأنشطة في آن واحد تقريباً، وبما أن معظم المجاعات ذات الدخول المنخفضة في الريف يعتمد على الزراعة بشكل أساسي لكسب قوتها فإن كثيراً من البرامج التي تستهدف الدخول في الريف يجب أن تركز على التنمية الريفية، وأما المعدمين الذين يعدون من الجماعات التي تحصل على أقل الدخول فأن برامج الأشغال العامة قد تخلق وظائف لهم يمكن أن تكون عنصراً هاماً في برنامج التنمية الريفية، وذات الوضع ينطبق على الصحة والتعليم عندما تركز هذه الخدمات على فقراء الريف، وفي هذه الحالات قد تكون نتيجة البرامج هي زيادة قدرة الفقراء على أن يكونوا أكثر إنتاجاً بدلاً من زيادة الإنتاج والدخول بشكل مباشر.

وبشكل أكثر تلخيصاً فأن برامج أو مشروعات التنمية تستهدف تحقيق زيادة في إنتاج ومستوى معيشة نسبة كبيرة من فقراء الريف في منطقة معينة، وهذا قد يتطلب في بعض الحالات التركيز على عمليات إنتاجية غير مباشرة، ولكن التركيز في الأساس هو على الأنشطة التي أما أن تزيد الدخول مباشرة أو على الأقل تقوم العوامل الخاصة لزيادة الإنتاجية، وتنفيذ مثل هذه الإستراتيجية يتطلب أيد عاملة مدربة وهيئات تتمتع بالكفاءة، وبالتالي فأنه يجب أن يساهم فقراء الريف في تصميم وتشغيل البرنامج الذي يمس عدداً كبيراً جداً منهم.



دواعي إهتمام المخططين بالتنمية الريفيــة:



يعود اهتمام المخططين والسياسيين بالتنمية الريفية إلى عدة عوامل أهمهـا(10):-

1- حجم سكان الريـف: حيث تؤكد دراسات البنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة الدولية FAO بأن 60-70% من شعوب العالم الثالث تقيم في مناطق ريفية، ورغم ارتفاع معدلات الهجرة من الريف إلاّ أن تعداد سكان الريف في تزايد مستمر، حيث ترتفع معدلات المواليد في هذه المناطق مقارنة بالمناطق الحضرية في الدولة الواحدة، وأن الزراعة هي المهنة الأساسية لما يتراوح ما بين 75-85% من سكان الريف.

2- مستويات المعيشة المنخفضة في المناطق الريفية: إذ أن عدد المزارعين الذين لا يملكون أرضاً هم في ازدياد، إذ يبلغ عددهم بالنسبة للمزارعين حسب تقديرات منظمة العمل الدولية الأخيرة 66% في تشيلي، 49% في مكسيكو، 32% في الهند، كما وأن معدل أيام العمل السنوي للمزارع في حقله منخفضة جداً، إذ أظهرت إحدى الدراسات في جنوب الهند أن معدل أيام العمل السنوي للمزارع لا يتجاوز 80% يوم عمل، بسبب صغر مساحة الحيازات الزراعية، وفي مناطق الريف الأردني المعروفة يعمل المزارع في أشغال خارج الزراعة عدداً من الأيام تفوق أيام عمله بالزراعة.

3- فقـر الريـف: إن ما لا يقل عن 60% من مجموع فقراء البلدان النامية يسكنون الريف، وإن حوالي 85% من الفقراء فقراً مطلقاً Absolute poverty يوجدون في المناطق الريفية، ثم أن درجة الفقر تكون أكثر قسوة وشراسة في المناطق الريفية، والمشاهد أن الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية ومجهوداتها الإنمائية غالباً ما تكون ذات نتائج غير مرضية لأهداف التنمية الريفية لأنها أفكار وقرارات حضرية متميزة تساعد على تدعيم الفقر.

4- التعارض بين المشروعات التنموية: حيث أشارت خطط التنمية السابقة إلى تعارض واضح وشديد في خطط تنمية الريف أو على الأقل عدم التكامل بينها، إذ كثيراً ما نجد أن الفعاليات في الجانب الاقتصادي تمارس وتنفذ دون أن تأخذ بعين الاعتبار القضايا الاجتماعية ومشروعاتها.

5- اقتصاد بلدان العالم الثالث هو اقتصاد زراعي بالدرجة الأولى: ورغم المحاولات التي بذلت وتبذل من أجل التصنيع إلاّ أن الزراعة والريف لا يزالان يمثلان جانباً رئيسياً من مصادر الدخل القومي في كثير من بلدان العالم الثالث، إذ مثلت الصادرات الزراعية 30% من مجموع عائدات الصادرات السلعية في بلدان العالم الثالــث.

6- تزايد الفجـوة التنموية: بين المناطق الريفية والحضرية المتمثلة بالثنائية الاقتصادية والاجتماعية والتقنية، مما يتسبب في هجرة السكان من الشباب هرباً من سوء الأحوال، وتقترن الثنائية هذه بظاهرة التبعية Dependency والاستغلال Exploitation فأدى كل هذا إلى ابتعاد الريف عن بناء القوة في المجتمع الريفي، وعن المشاركة في قرارات الأمة على مستوى البلد ككل، مما اثر سلبياً على الجهود المبذولة لتنميته.



التخطيط للتنمية الريفيــة المتكاملــة:-



في الوقت الذي تنال فيه قضايا التنمية اهتماماً أساسياً في الاقتصاد العالمي بشكل عام فان الدول النامية ترغب في الإسراع بالتنمية والبلدان المتقدمة ترغب في الحفاظ على نمو ثابت، فلم تعد تعتمد مختلف الدول على نتائج التنمية التلقائية، بل أصبحت في معظمها تريد أن تأتي التنمية نتيجة تخطيط مسبق يهدف إلى رفع معدلات النمو ومواجهة مشكلات التخلف والفقر، والتخطيط بمعناه العلمي والعملي أحد السُبل الرئيسية المؤدية إلى التقدم الذي تطمح إليه كافة الشعوب من أجل رخائها وسعادتها من خلال تحقيق حياة أفضل لكل فرد في المجتمع، لذلك يعتبر التخطيط ضرورة حتمية لتنسيق الجهود والطاقات واستثمارها بشكل جدي من أجل تحقيق الأهداف التي تسعى إليها الدول، وتتم عملية التخطيط بدراسة جميع الموارد المتاحة المتوفرة لدى الدولة أو المنطقة أو القرية، ومن ثم استنتاج النهج الذي تفرضه مباديء التخطيط.

والتخطيط للتنمية الريفية ينبغي أن يتم كجزء من التخطيط للتنمية الوطنية الشاملة، ولا شك أن التنمية الريفية المتكاملة والشاملة سوف تنهض بقطاع رئيسي من قطاعات المجتمع وبالتالي يمكن التغلب على مشكلة التخلف والفقر بشكل عام، وبذلك ترتفع مستويات المعيشة عند أبناء الريف مما ينعكس الوضع بالتالي على ارتفاع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية لسكان الريف، من هُنا فأن التخطيط للتنمية الريفية المتكاملة يجب أن يعتمد أساساً على المعرفة الكاملة والحقيقة لأحوال الريف من حيث الموارد الطبيعية والبشرية، وهذا يتطلب دراسة جغرافية هذه المناطق أولاً ثم يمكن البدء بالتخطيط معتمدين على التقييم الشامل لأحوال الريف لرسم سياسة تنموية واقعية ونابعة الإمكانيات والحاجيات الأساسية لأبناء الريف، وكذلك تذليل الصعوبات التي تواجه العملية التنموية ومحاولة حل المشكلات التي تعترضها والتنسيق المستمر بين الأقاليم المختلفة، وحتى نضمن نجاح الخطط الإنمائية لا بُد وأن تتولى الأجهزة الحكومية للدولة التنسيق بين الأقاليم المختلفة للدولة للوصول بالخطط التنموية إلى حالة من الشمول والتكامل لضمان أقصى قدر من إنجاح لهذه الخطط والنهوض بهذا القطاع، وبالتالي فأن نجاح عملية التنمية الريفية يتوقف إلى حد بعيد على إتباع الطرق العملية في تحديد ما يجب أن يقام من مشروعات لنهوض بالقطاع الطبيعي أو البشري وتحديد أولويات تنفيذها وفقاً للإمكانيات المتاحة.



مفهـوم التخطيط:-



يقال أن أول من أدخل لفظ التخطيط هو العالم الاقتصادي كرستيان شونيدرC.Shwinder في مقال له عام 1910، ثم طبقت ألمانيا فكرة التخطيط بعد الحرب العالمية الأولى لأغراض عسكرية، ولكن في الحقيقة أن الاتحاد السوفيتي هو أول دولة طبقت نظرية التخطيط الاقتصادي عام 1928 ، لتحويل الدولة الزراعية المتأخرة إلى دولة صناعية متقدمة في أسرع وقت ممكن(4)، وبعد الحرب العالمية الثانية زاد اهتمام الدول الرأسمالية بالتخطيط للمحافظة على معدلات النمو، وكانت فرنسا وهولندا في طليعة الدول الرأسمالية التي وضعت خططاً شاملة فيها.



تعريــف التخطيــط:-



بما أن التخطيط وسيلة لتحقيق غاية فإنه لا يوجد اتفاق تام على إيجاد وتعريف محدد للتخطيط، فيعّرفه الدكتور حسن عبد القادر بأنه التوجيه الواعي لموارد المجتمع لتحقيق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية، ويعّرفه بالدوين Baldwin بأنه أسلوب استخدام الموارد النادرة المتاحة في المجتمع بما يحقق له الحصول على أقصى إشباع ممكن(5)، في حين يعّرفه البرت واترستون A.Waterson بأنه عبارة عن إختبار أحسن البدائل المتاحة لتحقيق أهداف محـددة(6) .



تحديـد الغايات والأهـداف



يعتبر تحديد الغايات والأهداف وصياغتها بشكل واضح أول الخطوات اللازمة في إعداد الخطة، وبدون ذلك يتعذر على سلطات التخطيط أن تقوم بصياغة سليمة للأهداف واختيار سليم للمشروعات التي تضمن تحقيق هذه الأهداف، ويستحسن أن يتم تحديد الغايات بشكل موجز بمعنى أن لا تتعدد الغايات بشكل كبير، وإنما يتم التركيز في كل خططه على عدد محدود من الغايات، ويتوقف اختيار هذه الغايات على التفضيل القومي ومرحلة التطور والنمو التي بلغتها المنطقة الريفية قيد الدراسة ويمكن اختصار هذه الأهداف في :-

1- تحديد أهداف منسقة وأولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

2- التركيز على تنمية الموارد البشرية وهي الثروة الحقيقية للمناطق الريفية.

3- تحديد الوسائل الملائمة لبلوغ هذه الأهداف.

4- تفعيل تلك الوسائل بالطرق الملائمة وإمكانيات وظروف المنطقة قيد الدراسة والتنمية.

وسواء كانت الغايات أو الأهداف فأن تحديدها يتوقف على الظروف الموضوعية للمنطقة قيد الدراسة، غير أنه يمكن الإشارة هنا إلى بعض الأمور التالية:-

أ- أن تحقيق زيادة معينة في متوسط الدخل الحقيقي للأفراد يعتبر هدفاً أساسياً في أي خطة للتنمية، ذلك أن النمو الحقيقي للفرد هو في الواقع المعيار السليم لقياس التطور، نظراً لأن ذلك هو الأساس الذي ينبني عليه تحسن مستوى المعيشة وهو الهدف الرئيسي للتنمية.

ب- أن الأهداف التي تتضمنها أي خطة يجب أن تكون أهدافاً واقعية يمكن تحقيقها في ظل الموارد المتاحة، ولا يجوز المبالغة في عدد الأهداف أو في حجمها وعلى نحو يجعل تحقيقها متعذراً أو مستحيلاً.

ج- أن بعض الأهداف قد يحتل مرتبه ثانوية بأن تتضمنه الخطة في صورة شروط جانبية وليس في شكل أهداف رئيسية، بمعنى أن ترمي الخطة إلى تحقيق أهداف أخرى رئيسية ولكن في حدود ضمان تحقيق هذا الشرط الخاص بتوازن ميزان المدفوعات.

د- أن تعدد الأهداف يعني بالضرورة قيام تنافس فيما بينهما على الموارد المتاحة، وهذه مسألة طبيعية ناتجة عن ظاهرة الندرة ذاتها، كذلك فإن تحقيق بعض الأهداف كاملة قد يتعارض مع تحقيق البعض الآخر، لهذا فإن من الضروري أن يدرك المخطط في هذه المرحلة طبيعة التنافس بين بعض الأهداف حتى يمكن التوفيق بينهما، ويتم ذلك التوفيق باستخدام وزن الأهمية لهذه الأهداف ومن شأن هذه الوسيلة أن تنعكس على اختيار المشروعات وأولوياتها الضرورية.

ولتحقيق هذه الأهداف والغايات فإنه يجب استخدام أسلوب التخطيط الشامل أو المتكامل في التنمية الريفية والذي يربط القطاعات المختلفة مع بعضها البعض، بحيث أنه لا يمكن تطوير قطاع معين دون أن نأخذ القطاعات الأخرى المرتبطة به بشكل أو بآخر بعين الاعتبار، وكذلك التكاملية ما بين حاجات المناطق الريفية والحضرية، فلا يمكن أن يحقق التخطيط للتنمية الريفية المتكاملة أهدافه بمعزل عن المدينة وتأثيرها وتأثرها بالمنطقة المحيطة بها، وبالتالي فأن تحقيق المصلحة العامة تتم من خلال خطط متوازنة الأهداف ما بين المدينة ومنطقتها الريفية التابعة لها، لذلك فأن التنمية الريفية المتكاملة تستند على أساس صحيح من التخطيط المتكامل على النطاق القومي الشامل.

ويمكن أن تقسم أساليب التخطيط إلى الأنواع التالية:-



أولاً:- التخطيـط الاستـدلالي:

حيث تشير الدولة فقط إلى الأهداف التي ترغب في تحقيقها عن طريق التوجيه والإعلام دون تدخل مباشر في عملية التنفيذ.

ثانياً:- التخطيـط التشجيعـي:

وتلجأ فيه الدولة إلى الحوافز المختلفة لتشجيع القطاع الخاص، وبالتالي يأتي تدخلها بصورة غير مباشرة في عملية التنفيذ.

ثالثاً:- التخطيـط الإلزامــي:

حيث تلزم الدولة القطاعات المختلفة على تطبيق المخطط الذي تنوي تنفيذه.



أنــواع التخطيــط



في الوقت الذي تفترض فيه التنمية الريفية المتكاملة التعامل مع التخطيط كاستراتيجية وطنية عامة فإنه يمكن التعامل مع التخطيط كوسيلة لتحقيق الهدف العام للدولة، وبالتالي فإن أنواع التخطيط تضع أمام المختصين والمخططين خيارين للآخذ بأي منهما حسب ما تقتضيه الحاجة والإمكانيات الاقتصادية والبشرية للدولة، وهذه الأنواع هي التخطيط الجزئي أو التخطيط الشامل.



أولاً:- التخطيــط الجزئــي

يقصد بالتخطيط الجزئي أي برنامج لا يتناول الاقتصاد القومي بنظرة شاملة(7) بحيث يشمل بشكل أساسي تخطيط قطاع معين كالسياحة أو الزراعة دون أن يشمل كافة القطاعات، ويعتبر هذا النوع من التخطيط خطوة نحو التخطيط الشامل والمتكامل، حيث يبدأ بالتخطيط مشروعاً فمشروعاً، وتجمع المشاريع العائدة لقطاع معين في خطة استثمارية موحدة.

وكذلك يعتبر من قبيل التخطيط الجزئي برامج الوزارات المختلفة، حيث يتناول ذلك التخطيط جزاء واحدا من الحياة الاقتصادية أو الاجتماعية للمنطقة الريفية المقصودة، ولا يغير من هذه الصفة الجزئية للتخطيط أن تضع الدولة خطة خاصة بكل قطاع من القطاعات، كالقطاع الزراعي أو الصناعي أو السياحي أو الاجتماعي دون أن تجري تنسيقاً بين هذه الخطط الجزئية على أساس النظرة الشاملة للاقتصاد ككل.

وللتخطيط الجزئي مساويء تتلخص في أن تقييم البرنامج أو البرامج لا يتم في إطار كلي يمكن الجهة المختصة من الإلمام بالمعلومات اللازمة عن حجم وتركيب الاستثمارات الحالية والمتوقعة، وبما يتبعه من عدم القيام بحصر شامل للموارد اللازمة للقيام بهذه الاستثمارات والاستعدادات لكل الاحتمالات، كذلك فإنه لا مجال في هذا النوع من التخطيط لوضع أولويات للمشروعات على أساس معايير اقتصادية واجتماعية موحدة.

ورغم هذه المساوىء فقد يكون هذا النوع من التخطيط أمرا لا يد منه وذلك لعدم توفر العناصر اللازمة لوضع خطة كلية شاملة، كندرة الإمكانيات المادية أو البشرية أو حتى نقص أو عدم توفر الإحصاءات الدقيقة التي لا بُد من توفرها لهذا الغرض، وقد واجهت فرنسا هذا الوضع بعد الحرب مباشرة، لذلك لجـأت في أول محاولاتهـا للتخطيط إلى وضع أولويات لبعض الصناعات الرئيسية الهامة، التي أعتبر إنماؤهـا ضرورياً لإعادة بناء الاقتصاد القومي.



ثانياً:- التخطيـط الشـامـل

وهو من أكثر التخطيطات الإنمائية تقدماً، ويشمل وضع خطة استثمارية عامة متكاملة وخطة مرتبطة بالقطاع الخاص(8)، وبالتالي فإن هذا التخطيط يمس كل الجوانب الطبيعية والبشرية في المناطق الريفية قيد التنمية، وعلى ذلك فأن وضع خطة تشمل كل من القطاع العام والقطاع الخاص بصرف النظر عن حجم كل منهما يعتبر تخطيطاً شاملاً، بعبارة أخرى إن وضع القواعد الملزمة للقطاع الخاص وتنسيقها مع استثمارات القطاع العام في خطة موحدة يضفي على هذه الخطة صفة الشمول، وبالتالي فإن الشرط الهام أن تكون كلا الخطتين خطة متكاملة في إطار كلي، ويتم من خلاله بحث الإمكانيات والموارد الطبيعية والبشرية المتوفرة في المنطقة الريفية وتقدر المؤسسة المعنية بالتخطيط بعد ذلك نصيب كل قطاع من الموارد والإمكانيات ودور كل منهما في تحقيق الأهداف على نحو يحقق التناسق بين دور كل من القطاعين العام والخاص وأهداف الخطة الكلية من جهة أخرى.

ومن مزايا هذا التخطيط ضمان عدم حدوث تعارض بين تحقيق الأهداف المختلفة وعدم حدوث آثار جانبية ونحن بصدد تحقيق هدف معين يكون من شأنها التأثير على تحقيق أهداف أخرى، أو حدوث اختناقات تعطل أو تفسد تحقيق بعض أهداف التنمية الريفية المتكاملة.



الأبعاد الزمنيـة للتخطيـط:



تتخذ عملية التخطيط للتنمية الريفية المتكاملة أبعاداً زمنية مختلفة نظراً لوجود العديد من الاعتبارات، منها ما هو مرتبط بالإمكانيات الطبيعية للدولة أو الإمكانيات البشرية أو حتى الأهداف المرسومة من عملية التخطيط سواء كانت علاجية أي لوقف التدهور في الاقتصاد أو الزراعة الريفية و أهداف تنموية طويلة المدى تحتاج إلى تخطيط على فترات طويلة، ويشكل كل منهما إطاراً زمنياً خاصاً يفرغ في داخله نوع معين من التخطيط.

وتقسم الأبعاد الزمنية للتخطيط إلى:



1- التخطيط طويل الأجـل

يستغرق هذا النوع من الخطط مدة تتراوح بين 15-30 سنه، وتوضح الخطة طويلة الأجل الغايات الرئيسية التي تهدف التنمية موضع البحث تحقيقها خلال تلك الفترة، ووضع الحلول بعيدة المدى للمشكلات التي تعوق سيرها، ويلاحظ أنه تجري التفرقة عادة بين نوعين من هذه الخطط، أما النوع الأول فهو المسمى Long term planning ويتعلق بالخطة طويلة الأجل لقطاع بعينه دون غيره من القطاعات، أما النوع المسمى Perspective planning فيتعلق بالخطة طويلة الأجل التي تشمل كل القطاعات، وهذا ما يقصد عادة بتعبير الخطة طويلة الأجل.

ولما كان التخطيط طويل الأجل يتضمن في الواقع - نماذج نمو طويلة الأجل- تحوي فقط عدد قليل من الأهداف، فإنه لا حاجة أن يشتمل هذا النوع من التخطيط على أية تفاصيل أو حسابات مطولة، بل يشتمل فقط على العموميات، ورغم ذلك فإن هذا النوع من التخطيط يؤدي مهام على درجة كبيرة من الأهمية مثل:-

أ- إعطاء صورة واضحة عن الأولويات التنموية، وبالتالي فأنه يعطي الفرصة لمؤسسات أو سلطات التخطيط للتركيز على القطاعات الهامة عند وضع الخطط المتوسطة الأجل.

ب- أنه يبين للمخطط مقدما ما إذا كانت هناك قطاعات معينة في الاقتصاد موضع البحث

تحتاج الى متطلبات أو دراسة شاملة، الى غير ذلك مما يحتاجة التخطيط متوسط

الأجل بالتأكيد.



2- التخطيط متوسط الأجل

يشتمل هذا النوع من خطط التنمية على تفصيلات أكبر بكثير من النوع السابق

وتتراوح المدة من 3-7 سنوات(9) وليس من السهل هنا أن نحدد بشكل قاطع المدة المثالية لهذا النوع من الخطط، فإلامر يتوقف على حالة كل دولة على حدة، وعلى وجهة نظر المخططين وعلى إمكانيات وموارد المنطقة الريفية قيد الدراسة، وبالتالي نوع المشروعات التي تتضمنها الخطة، على أنه بالامكان وضع بعض الضوابط في هذا الخصوص.

أ- يجب أن تكون فترة الخطة متوسطة الأجل من القصر بحيث تسمح بإجراء التنبؤات

والتوقعات بدرجة معقولة من الثقة.

ب- كما يجب أن تكون فترة الخطة متوسطة الأجل من الطول بحيث تسمح بوضع المشروعات الهامة موضع التنفيذ، أي أنه يجب أن تعطي مدة الخطة لمشروعات القوى الكهربائية والنقل في الريف مثلاً، أو غير ذلك من المشروعات التي يستغرق إتمامها أربع إلى خمس سنوات تقريباً.

ذلك أنه إذا كانت فترة الخطة قصيرة أكثر من اللازم، فإنها لن تسمح بإعداد وتنفيذ المشروعات الحيوية التي يتوقف على تنفيذها نجاح تنفيذ الخطة في غيرها من الفروع والأنشطة، وإذا كانت فترة الخطة أطول مما ينبغي فإن ذلك يقلل من فعالية التخطيط ذاته، لأن الأهداف في السنوات الأخيرة من الخطة قد تصبح في حاجة إلى تعديل نتيجة تغيير الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية ، كما أن حسابات الخطة ذاتها قد تحتاج إلى تعديل نظراً للتغير الذي يطرأ على الظروف الفنية للإنتاج، وبوجه عام يمكن القول أنه كلما طالب فترة الخطة كلما زادت الحاجة إلى مزيد من الإحصاءات الدقيقة وكلما قلت درجة التأكد، وبعبارة أخرى كلما لزمت درجة عالية من الثقة في التوقعات.

3- التخطيــط قصـير الأجــل

ويطلق هذا النوع من الخطط عادة على الخطة السنوية، وتبدو أهمية الخطة السنوية إذا لاحظنا أن الخطة متوسطة الأجل توضح عادة النمو الإجمالي، كما توضح توزيع ذلك النمو على القطاعات المختلفة خلال سنوات الخطة، ولكن الخطة المتوسطة الأجل لا توضح مقدار الاستثمارات الإجمالية التي توضح موضع التنفيذ من سنة إلى أخرى، ولا نصيب كل سنة من سنوات الخطة في أهداف الإنتاج العام للتنمية، لذلك يمكن القول أن الخطة متوسطة الأجل لا تعتبر في الواقع فعالة في التنفيذ(7)، ومن هنا وحتى نجعل الخطة أكثر فعالية في هذا الخصوص يجب أن يتم تحديد الاستثمار والأهداف للتنمية لكل سنة من سنوات الخطة، وهذا ما يتم في الحقيقة بواسطة الخطة السنوية.

وتقسم الخطط القصيرة الأجل الأهداف التي تتضمنها الخطة متوسطة الأجل إلى أهداف سنوية، مجموعها في الواقع هو هدف الخطة المتوسطة الأجل ذاتها.

على أنه يجب أن نلاحظ أن عرض أنواع الخطط الثلاث على هذا النحو لا يعني بالضرورة انفصال كل منها زمنياً وبقاءها كما هي حتى نهاية المدة المحددة لها، وهنا في هذا الصدد فكرتان جديرتان بالإشارة.



الأولى - التخطيط المتحرك طويل الأجـل

ومضمونها أن تغير المؤسسات المختصة في الخطة طويلة الأجل بحيث تتغير نقطة البداية ونقطة النهاية للخطة، وقد أخذت الهند بهذا النوع من التخطيط ، إذا وضعت الخطة طويلة الأجل من 1951-1981 في خطتها الأولى ثم من 1956-1971 في خطتها الثانية، ثم من 1961-1971 في خطتها الثالثة وهكذا.



الثانية - التخطيـط المستمـر

وخلاصة هذا النوع أن تضع المؤسسات المختصة سنوياً ثلاثة أنـواع من الخطط:-

1- خطة للسنة التالية مباشرة، أي خطة سنوية لتحديد النشاط التنموي في العالم القادم.

2- خطة متوسطة للسنوات الخمس (مثلاً) التالية ، ويتم سنوياً تعديل هذه الحطة وذلك بإسقاط السنة التي انتهت وإضافة سنة أخرى في نهاية المدة.

3- خطة طويلة الأجل خمس عشرة سنة أو أكثر والفكرة في هذا النوع من التخطيط هو إجراء عملية تجديد دائمة ومستمرة للخطة متوسطة الأجل ،مع بقاء عدد سنوات الخطة كما هو دون تغيير مع تقدم الخطة نحو المستقبل.

وقد أدركت معظم بلدان العالم الثالث أن القطاع المحبب في خططها التنموية وهو التصنيع لم يحقق شيئاً يذكر لتضييق الفجوة القائمة بين الريف والحضر، فلا هي أفلحت في التصنيع بالدرجة المثلى ولا هي اهتمت بالريف والزراعة، فأصبحت مضطرة إلى استيراد المواد الغذائية من الخارج ليس لسكان الحضر بل ولسكان الريف أيضاً، وتعتبر تنزانيا إحدى الدول التي أدركت هذا الأمر مبكراً ، حيث أعلن رئيسها في إحدى المؤتمرات العالمية بأن معركة العالم مع الفقر والتخلف موقفها من المناطق الريفية وما فيها من مشاكل، وأن التنمية الريفية المتكاملة هي التنمية القومية.

لذلك فإن من المناسب أن نضع تخطيطاً للتنمية الريفية المتكاملة على ضوء دراستنا لأوضاع البيئتين الطبيعية والبشرية فيه، بالإضافة إلى معرفتنا للنتائج المترتبة على العلاقة والتفاعل بين الأرض والإنسان والإنتاج والتي ظهرت في صور متعددة تمثلت في ارتفاع الكثافة الزراعية للسكان وتدني نصيب الفرد من الأراضي الزراعية عامة، وتشتت الملكية الزراعية ، وتدني نصيبه من الإنتاج الزراعي مما نتج عنه بعد ذلك كله ظهور ضغط سكان كبير على الموارد الزراعية وانتشار الفقر والجهل والمرض وبعبارة أخرى تخلف المناطق الريفية بطريقة واضحة، ويزداد هذا الخطر بتزايد هجرة الصفوة من أبناء الريف للعيش والإقامة في المدن حيث أصبحت المناطق الريفية مناطق طاردة لأبنائها للأسباب السابقة والمناطق الحضرية مناطق جذب لديها القدرة على جذب المزيد من هؤلاء الشباب، لذلك فمن الواجب أن يكون للريف تخطيطاً لتنميته حتى يتمكن أن يستعيد مكانه اللائق، ويمكن أن نبني هذا التخطيط على أساسين رئيسيين أحدهما طبيعي والثاني بشري.



أولاً:- الأساس الطبيعـي

يعتبر حصر المصادر الطبيعية المستغلة والكامنة للمناطق الريفية أمر أساسي يجب أن يعتمد عليه المخطط في إبراز القيم العقلية والحقيقية للمناطق الريفية، من حيث اعتبار المصادر الطبيعية المستغلة ومدى تطوير طرق وأساليب استغلالها وزيادة قدراتها الإنتاجية ، وكذلك فالمصادر الكامنة تمثل احتياطياً هاماً يمكن الاستفادة منه مستقبلاً في ضوء التخطيط للجدوى الاقتصادية لمشروع استغلالها مستقبلاً وكيفية المحافظة عليها، كذلك فان معرفة المشكلات التي تمنع استغلال المصادر الطبيعية يمكن أن يحدد أولويات مشروعات المحافظة عليها لما فيه مصلحة المنطقة قيد الدراسة، فمثلاً تعتبر دراسة الأوضاع المناخية ومصادر المياه يمكن أن تحدد أفضل الطرق للاستعمالات الزراعية للأرض ، بحيث يكون هذا الاستعمال مطابقاً للمواصفات الفعلية لهذه الأرض.

وتعتمد التنمية الريفية المتكاملة على إيجاد نوع من التنسيق والتكامل ما بين المصادر الطبيعية وكيفية ونمط استغلالها، إذا لا بُد من إيجاد نوع من التنسيق ما بين الإنتاج الزراعي وكمياته وبين الأسواق التي يمكن أن يصلها هذا الإنتاج، وكذلك قيام صناعات تعتمد على هذا الإنتاج الزراعي كمواد أوليه له مثل تعليب الخضار والفواكه أو ما غير ذلك، وكذلك توزيع الأراضي الريفية بين مساحات مخصصة للزراعة المختارة وليست العشوائية تناسب وإمكانيات الأرض الزراعية والمناخية وكذلك حاجة الأسواق المحيطة، وكذلك تخصيص مساحات للرعي حيث تنمو الأعشاب التي تناسب أنواع معينة من الحيوانات، وترك مساحات أخرى لنمو الغابات الطبيعية، ومناطق أخرى لبناء السدود والبحيرات للاستفادة منه لأغراض الري وتغذية المياه الجوفية، وبالتالي فإنه يجب أن لا نخطط لتوسيع أي نوع من المشاريع الريفية على حساب مشاريع أخرى مثل التخطيط للتوسع العمراني في هذه المناطق على حساب الأراضي الزراعية الجيدة، ويجب أن لا يغيب عن الأذهان أن تطوير هذه المصادر الطبيعية يجب ان يتم في إطار من التنسيق والتكامل فالمياه الجوفية مثلاً يجب أن يرتكز تنميتها واستغلالها على أساس من التوازن بين عدد السكان وحجم هذه المياه وقدرة هذا المخزون الجوفي على الإنتاج في حدود المعقول بدرجة لا تفقدنا إياه خلال فترة قصيرة جداً، في الوقت الذي يمكن أن ندعم هذا المخزون الجوفي للمياه واستغلالها بشكل منطقي وعقلاني.

ويتطلب التخطيط لإقامة البنية التحتية لسكان الريف الابتعاد عن تدمير أو إتلاف مصادر أخرى فبناء المنتزهات العامة مثلاُ داخل المناطق الريفية لا يمكن أن تقام على أراضي يمكن استغلالها زراعياً، وكذلك فإن هذه المناطق الترفيهية لسكان الريف يفترض أن تكون في مناطق قريبة من المناطق السكنية قدر الإمكان وأن تحوي عوامل جذب للزائرين أقوى من عوامل الرفض لقبولها وتتناسب وطبيعة سكان هذه المناطق، وكذلك فإن الغابات والتي يمكن استغلال كمناطق ترفيهية فهي يمكن أن تكون إحدى عوامل جذب السياح إلى أسواق القرية للتسوق، إضافة إلى أنها تضفي على البيئة الريفية سحراً وجمالاً لا يقاوم، كما أنها تؤدي إلى تلطيف الجو وتنقيتة وتحد من تلوث البيئة في هذه المناطق.

في خضم التطورات التكنولوجية المتسارعة فأن استغلال هذه التطورات لخدمة أهداف التنمية يمكن أن تساعدنا كمخططين على رسم السياسات والخطط لخدمة أهداف وأغراض التنمية، فاستخدام التقنيات الفضائية مثل الصور الجوية التفصيلية التي يمكن ان تزودنا بها الأقمار الصناعية للمناطق الريفية تساعد في عمليات الحصر والتخطيط لتنمية المصادر الطبيعية، حيث يمكن أن تساعد في مسح البيئة الطبيعية كاملة لمعرفة التكوينات الصخرية وأنواع التربة والنباتات الطبيعية والثروات المائية والمعدنية وغيرها، وكذلك تكشف صور الأقمار الصناعية عن تأثير السماء ومياه الري على نمو المحاصيل وزيادة الإنتاج وحجم المناطق الزراعية ونموها، وكذلك تساعد هذه التكنولوجيا في رصد ومتابعة العديد من الكوارث الطبيعية حيث خصصت بعض المحطات لرصد ومتابعة حركات الجراد الصحراوي في المناطق المختلفة ومتابعة تحركاته اليومية بين المناطق الزراعية في العالم، فقد تم إنشاء العديد من محطات الإنذار المبكر في مناطق المملكة العربية السعودية والسودان وأواسط أفريقيا لرصد هذه الغزوات ومتابعة تحركاتها وقاومتها، ولا يغيب عن البال وجود محطات أقمار صناعية خاصة لرصد الأحوال الجوية والتنبوء بالأحوال الجوية، ومتابعتها لمساعدة محطات الإنذار المختلفة على اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالتخفيف من حدة هذه الظواهر الجوية الناجمة عن العديد من الظواهر الجوية المدّمرة مثل الأعاصير والفيضانات التي قد تدمر ليس محاصيل أو منتجات وأراضي المناطق الريفية بل كل المناطق التي تصلها.



ثانياً:- الأساس البشري

يعتبر الإنسان هو العمود الفقري للتنمية الريفية المتكاملة بصفته صانع التنمية والمستفيد منها، لذا فأن عملية الإعداد التربوي والمهني يجب أن يخطط لها بعناية كافية بحيث تكون عملية شاملة وواعية ومستمرة ليتمكن المواطن الريفي من مواجهة آثار التقدم العلمي والتكنولوجي على وسائل الإنتاج والخدمات والخبرات والثقافات المكتسبة عند سكان الريف(11) .

وكثيراً ما يظهر عدم كفاية المعلومات المتعلقة بظروف فقراء الريف والوسائل التي يمكن بها زيادة سرعة التنمية الريفية، لذا فيجب أولاً توجيه أولوية قصوى لإجراء البحوث وجمع المعلومات، حيث تتمثل الحاجة لمعرفة الخصائص الاجتماعية للجماعات المستهدفة، وهي تخطو أولى خطواتها على طريق التطوير والتنمية، وفي بعض الحالات فإن تلك الحاجة ببساطة هي مجرد الحاجة إلى معلومات عن عدد السكان وأين هم ومن هم ومهاراتهم وملكية مواردهم والدخول والتغذية والصحة والهيكل الأسري والبيئة الاجتماعية والاقتصادية، ويجب جمع هذه المعلومات من خلال عمليات مسح شامل لكافة المنطقة المطلوب تنميتها لكي تحقق الخطط الموضوعة أهدافها، وبعد ذلك من المهم إجراء بحوث زراعية فنية حتى يمكن ملائمة التكنولوجيا المتطورة مع الظروف المحلية، ومثل هذه البحوث القادرة على التعديل تشمل محاولات متنوعة واستنباط سلالات نباتية وتجارب خاصة بمتطلبات الأسمدة والماء للحصول على نوعيات زراعية ذات غلة اقتصادية عالية، وتنمية ممارسات زراعية مطورة وتصميم نظم فلاحة متميزة للحيازات الصغيرة التي يملكها صغار الفلاحين.

ورغم أن هنالك زيادة كبيرة في فرص التعليم في المناطق الريفية، ولكن هذه الفرص موزعة بطريقة غير عادلة، إلى جانب أنها جاءت متأخرة كثيرة عن التوسع التعليمي في المدن، لذلك فإنه يمكن بتوفير التعليم لأبناء الريف خلق بعض الفرص أمام شباب الريف للهرب من الفقر، ورغم أن ذلك قد يحتاج إلى وقت طويل، ولكن هناك اعتبارين هامين يقفان ضد فقراء الريف الذين يتلقون تعليماً عالياً، العامل الأول هو النقص النسبي في التسهيلات التعليمية والنوعية الفقيرة للتعليم في المناطق الريفية، والعامل الثاني هو ارتفاع نفقات التعليم والتدريب بشكل عام بالنسبة للفقراء فيما يتعلق بالرسوم والكتب والمواد الأخرى اللازمة للدراسة، من هنا فأن وضع هذه الاعتبارات عند التخطيط للتعليم أو تطويره وتنمية في المناطق الريفية سيحد من العوائق التي تقف أمام توسع التعليم في هذه المناطق.

وفي الوقت الذي نوفر فيه فرص التعليم لأكبر عدد ممكن من أبناء الريف تصبح إمكانية إيجاد الأيدي العاملة المثقفة والمدربـة أمراً ميسراً، حيث أن نقص القوى العاملة المدربة قد تكون من أكثر العقبات خطورة في طريق الجهود التي تبذل في مجال التنمية الريفية، لذلك يجب العمل على بذل جُهد تدريبي مكثف يوجه بشكل خاص إلى حاجة التنظيمات المحلية وعلى الدعوة إلى بذل جهود أضخم تركز على التدريب في البيئات المحلية حيث يعمل الناس، كذلك فأن النقص في العاملين المدربين في مجال تنفيذ برامج التنمية الريفية يجب أن يشكل اعتباراً هاماً في تصميم البرنامج، فكثير من الدول وخاصة في آسيا وأفريقيا تعاني من ندرة المهارات في جميع المستويات، وحتى لو وجدت القوى العاملة المدربة فإنه غالباً ما يكون عدد الذين يخدمون المناطق الريفية ضئيلاً مقارنة بمناطق المدن، وقد يرجع ذلك إلى إعطاء التنمية الريفية أولوية أقل أو بسبب العجز في الموارد المالية، كما أن عدم وجود الوسائل التي توفر الحياة الراغدة في مواقع العمل بالريف، تمنع الأشخاص المدربين جيداً من البقاء هناك، إضافة إلى أن ممارسة العمل الحكومي في عديد من الدول لا تحترم ولا تكافيء التخصص، لذلك فإن منح أعضاء الجهاز الذي يعمل في المناطق الريفية الحوافز الملائمة من اجورات وسكن ومنح الخدمة في المناطق الريفية امتيازات واضحة ومميزة عن سواها.

وتشكل بدائية الأساليب التكنولوجية المستخدمة في الأقطار العربية أهم سبب مباشر لانخفاض إنتاجية عوامل الإنتاج خاصة عنصري العمل والأرض، كما تشكل الازدواجية التكنولوجية القائمة على استخدام نسبة ضئيلة من التكنولوجيا المحلية إلى جانب استيراد معظم التكنولوجيا من الخارج تشكل فجوة تتسع مع مرور الوقت، ومما يضاعف من هذه المخاطر أن استيراد بعض الأجهزة المتطورة من الخارج لا يعني بالضرورة الاستفادة منها في عملية التنمية، وذلك لأنها قد لا تجد من يستطيع أن يديرها ويتعامل معها، وقد تجد صعوبة في الحصول على قطع غيار لها بالسرعة الممكنة فيما لو احتاجت إلى ذلك.

لذلك فإن التدريب الفني والمهني هو الوسيلة الوحيدة لتوفير الأفراد والمواد وتكوين الأجيال القادرة على العمل والإنتاج، والمقصود بالتدريب المهني في هذا المجال هو الذي يشمل جميع الوحدات والأجهزة التدريبية المسؤولة عن إعداد الأفراد اللازمين لشغل وظائف العمال المهرة ومتوسطي المهارة الذين يكونون في مجموعهم القاعدة الكبيرة في قطاع العمل والقوى العاملة، والتخطيط للتدريب يجب ان ينبني على الأسس التالية:

أ- يجب أن يكون هدف التدريب تلبية الاحتياجات التدريبية الواضحة المحددة.

ب- استمرارية التدريب من مرحلة ما قبل الخدمة حتى قمة الهرم الوظيفي.

ج- تصميم التدريب لجميع فئات العاملين وفي جميع المستويات.

د- واقعية التدريب بحيث يكون أسلوبه ومادته العلمية متوخين تنفيذ البرنامج ورفع مستوى المدربين.

هـ- مسايرة التدريب لكل ما هو جديد ومتطور في الحياة.

ثم يأتي بعد كل ذلك دور التنظيمات، والتي يجب إعطائها أولوية لتبدو تنظيمات جماعية فعاله مثل اتحاد المزارعين والتعاونيات، ويمكن إدراك قيمة المشاركة الشعبية في التنمية الريفية من حقيقة الغرض بأن الإدارة لا يمكن أن تكون أفضل من المجتمع الذي تعمل فيه، لأنها إلى جانب كونها أبنية تنظيمه فهي أيضاً علاقات بين من يقومون بالعملية الإدارية وبين المواطنين، ولا يمكن تطوير أو تغيير هذه العلاقات المرتبطة بأنماط السلوك الإنساني والتي لا يمكن تغييرها ما لم يشارك المواطنون المطلوب تغيير سلوكهم في تقرير ماهية التغيير واتجاهاته وكيفية إحداثه، لذلك يعتبر اشتراك المجتمع الريفي في اختيار وتصميم وبناء وتنفيذ برامج التنمية الريفية الخطوة الأولى في عملية قبول التغيير الذي يؤدي إلى تبني أساليب فنية جديدة في الإنتاج.

وقد واجهت العديد من الدول مشكلة تحقيق توازن بين آراء الريفيين والمسؤلين الحكوميين المتعلقة بالتنمية الريفية، ومحاولة كل جانب منهما السيطرة على الجانب الآخر وفرض رأيه، لذلك فإنه بلا شك أن المؤسسات المحلية مثل اتحاد المزارعين والجمعيات التعاونية لها مزايا واضحة، فهي تتمتع بحرية الحركة والقدرة على التحرر من المشكلات والمعوقات الإدارية التي تكبل الأجهزة الحكومية، وبالتالي تصبح قدرتها على الوصول إلى المنتفع الحقيقي أفضل، كذلك تقديم الخدمات لقطاع أكبر من المستفيدين من مزايا التنمية الريفية.

هذا ويجب أن يقوم التخطيط للتنمية الريفية المتكاملة على مباديء عامة أساسية يجب مراعاتها وهي:-



أولاً:- الواقعيــة وتعني أن تكون الخطة من حيث أهدافها ووسائلها متفهمة للواقع الاقتصادي والاجتماعي القائم، فيجب أن لا تتضمن الخطة أهدافاً طموحة تتخطى حدود الإمكانيات المتاحة، فالأهداف غير الواقعية تتضمن وسائل غير واقعية، والخطة بوصفها تعديل لوضع القائم وإحلال واقع جديد محله فيجب ان تكون متمشية ومتلائمة مع هذا الواقع.

ثانياً:- الشمـول ونعني به أن تكون خطة التنمية قادرة على توجيه كافة الموارد والتأثير في كافة المتغيرات، فلا يجب أن تقتصر على قطاع دون قطاع أو تختص بمورد دون مورد آخر وإلاّ كانت النتيجة اختلال في التوازن وظهور الفوائض والاختناقات فإذا اقتصرت الخطة مع القطاع الصناعي مثلاً دون بقية القطاعات فان ذلك قد يؤدي إلى ظهور إختلالات نتيجة للارتباط المتبادل بين القطاعات ، فالزراعة والصناعة مرتبطان ببعضهما بروابط عديدة، فقد يترتب على التوسع الصناعي زيادة الطلب على القوى العاملة من الزراعة زيادة الطلب على المواد الأولية والمواد الغذائية الزراعية، فإذا لم يتم التخطيط في الزراعة لمواجهة هذه الزيادة في الطلب فقد يترتب على ذلك حدوث اختناق في الطلب على السلع الزراعية، كذلك يرتبط القطاع الصناعي وقطاع المواصلات بروابط عديدة ويؤدي التوسع الصناعي إلى زيادة الطلب على خدمة المواصلات وبالتالي لا بـد من تخطيط القطاعين سوياً، وهكذا على كافة المستويات القطاعيه في الريف قيد التنمية.

ثالثاً:- مركزية اتخاذ القرار ولا مركزية التنفيذ(12) ونعني بذلك أن القرارات الأساسية في وضع الخطة والمتعلقة بنمط استخدام الموارد وتحديد معدل الاستثمار توزيع الاستهلاك معايير اختيار المشروعات واختيار الفن الإنتاجي والسياسة السعرية من اختصاص السلطة المركزية للتخطيط، أما تنفيذ الخطة فيترك مجال كبير فيه للوحدات الإنتاجية ويتسع نطاق الحرية الممنوحة لها في التصرف، ولا نعني بذلك عدم إشراك الوحدات الإنتاجية في بناء الخطة بل على العكس تلعب الوحدات الإنتاجية عن طريق مقترحاتها دوراً فعالاً في بناء إطار الخطة، كل ما نقصده هنا هو أن القرار النهائي من اختصاص السلطة المركزية للتخطيط، ويرجع السبب في ذلك إن السلطة المركزية هي الوحيدة التي لها النظر الشمولية للاقتصاد القومي، ذلك إن الوحدات الإنتاجية على مستوى القطاع الريف قد لا تضع في اعتبارها ظروف ما يجري في الوحدات الإنتاجية أخرى أو القطاعات الأخرى، كذلك فإن الخبرة التخطيطية في بدايات عملية التنمية الريفية تكون قليلة، ولذلك فمن المستحسن تركيز القرارات التخطيطية الأساسية لدى السلطة المركزية للتخطيط التي تحوي الخبرات التخطيطية القادرة .

والواقع إن درجة المركزية في اتخاذ القرارات التخطيطية تحكمها عوامل متعددة لعل أهمها هو درجة النمو، فكلما كانت مراحل التنمية مبتدئه حيث عدد المشروعات قليل وهيكل الاقتصاد الوطني متخلف كلما كانت المركزية في اتخاذ القرار أكبر، وبالتالي فمع نمو الاقتصاد الوطني واتساع درجة تنوعه وتعدد النشطة الاقتصادية وزيادة عدد المشروعات، فمن المفروض أن تتساهل درجة المركزية في اتخاذ القرار وتنتقل بعض القرارات التخطيطية إلى المستويات الأدنى.

رابعاً:- التنــاسـق ونعني بذلك التناسق بين أهداف الخطة بعضها البعض، والتناسق بين الأهداف الموضوعة والسياسات اللازمة لتحقيقها، ثم بعد التناسق بين السياسات بعضها البعض وإلاّ واجه الاقتصاد على المستوى القومي مشكلة اختلال التوازن بين القطاعات أو بين العرض والطلب على السلع المختلفة أو القوى البشرية.

خامساً:- المـرونـة يرتبط بنجاح الخطة عند التنفيذ إلى حد كبير بمقدار ما تتصف به الخطة من مرونة لان مرونة الخطة تجعل عمليات التنفيذ مأمونة الجانب بل ميسورة وممكنة أيضاً، ولحل المشكلات الطارئة والتي لا يمكن دائماً أن يتنبأ بها تفصيلاً ومقدماً في الخطة، ومهما كان تقدير الموقف مستقبلاً دقيقاً ومبنياً على دراسات علمية فإنه لا يمكن لنا أن نعرف بالضبط جميع دقائق الاحتمالات والمفاجئات، لذلك يجب أن تعتمد الخطة على إحتمالات كثيرة وحلول لها، حتى لا يفاجأ المنفذون بصعوبات تعوق تقدمهم، أو ظروف لا تتناسب مع الإمكانيات المستخدمة.

والمرونة في الخطة معناها قابلية الخطة لمواجهة جميع الظروف الزمانية والمكانية في المجتمع أثناء التنفيذ، والمرونة الزمانية تراعي إمكانيات التنمية التلقائية والذي تحدث خلال المجال الزمني المحدد لتنفيذ الخطة، أما المرونة المكانية فالمقصود بها أن يكون التخطيط الذي يوضع على المستوى الوطني قابلاً للتنفيذ على المستويات المحلية.



مستويـــات ومراحــل عمليــة التخطيـط:-

تنقسم العملية التخطيطية إلى مرحلة إعداد وبناء الخطة، ثم مرحلة التنفيذ ومتابعته، ثم مرحلة التقييم النهائي لنتائج الخطة، وقبل شرح هذه المراحل فأنه يجب الإشارة أولاً إلى المستويات التخطيطية، ذلك أن أي مجتمع يأخذ بأسلوب التخطيط المتكامل فلا بد لنجاح عملية التخطيط من تقسيم الاقتصاد الوطني عموماً إلى مستويات تخطيطية مختلفة وهذه المستويات هي:-

1- مستوى القيادة السياسية العليا والتي يناط بها وضع أهداف المجتمع بالاستشارة مع الهيئات المختلفة وبصورة خاصة هيئة التخطيط المركزية، ويدخل في اختصاصها أيضاً الموافقة النهائية على الخطة القومية الشاملة.

2- مستوى الهيئة المركزية للتخطيط وهي تلي المستوى الأول وتختص بوضع الإطار النهائي للخطة القومية الشاملة قبل عرضها على القيادة السياسية العليا، وهي تقوم بذلك بالمناقشة والاستشارة مع المستويات التخطيطية الأدنى.

3- الهيئات التخطيطية وهي تلي الهيئة المركزية وعادة ما تكـون أما على مستوى الوزارة أو الشكل الإداري الآخر الذي يمثلها، وهذا المستوى يقوم بوضع الخطة على مستوى القطاع.

4- المؤسسات أو الهيئات الاقتصادية وعادة ما تكون تابعة للوزارات وتقوم بالتخطيط على مستوى فرع النشاط الاقتصادي الذي تشرف عليه.

5- الوحدات الإنتاجية ويتم في هذا المستوى التخطيط على مستوى الوحدة الإنتاجية كما يكون مسؤولاً عن تنفيذ الخطط التنموية منذ لحظة البدء في تنفيذها.



أما مراحل إعـداد الخطط التنموية فتقسم إلى:-

أولاً:- مرحلـة إعـداد الخطة

تعتبر الهيئة المركزية للتخطيط والتي تقوم بدراسة إمكانيات المجتمع الريفي المتاحة والكامنة وتعطي تصورها عن إمكانيات التنمية في الفترة المقبلة، وتقوم السلطة السياسية العليا بناء على دراسات الهيئة المركزية للتخطيط بوضع الأهداف القومية والاجتماعية في الفترة المقبلة، ثم تقوم الهيئة بعد ذلك بترجمة هذه الأهداف في صورة مؤشرات اقتصادية تتعلق بالدخل والإنتاج والاستثمار والاستهلاك على المستوى القومي ومستوى القطاع، ويمثل ذلك الإطار المبدئي للخطة الذي تقوم بإرساله إلى المستوى التخطيطي الأدنى وهو مستوى القطاع، وهنا تقوم الوزارة أو ما يماثلها كل في نطاق اختصاصه بترجمة أهداف هذا الاقتراح المبدئي في صورة خطة تفصيلية على مستوى القطاع مع وضع التعديلات والمقترحات البديلة، وترسل هذه الخطة التفصيلية على مستوى القطاع إلى المستوى الأدنى وهو مستوى فرع النشاط الاقتصادي أو الاجتماعي الذي يقوم بدورة بترجمة خطة القطاع ومؤشراتها إلى خطة تفصيلية على مستوى القطاعات الأصغر مع وضع تعديلاتها ومقترحاتها بالنسبة للإطار المبدئي، وترسل هذه الخطة التفصيلية لمستوى فرع النشاط إلى الوحدات الإنتاجية التابعة لها التي تقوم بدورها بترجمة هذه الخطة على مستوى فرع النشاط المعني بالتنمية إلى خطط تفصيلية على مستوى الوحدات الأصغر مع وضع مقترحاتها وتعديلاتها بالنسبة للخطة.

تقوم الوحدة الإنتاجية بعد ذلك بإرسال خطتها التفصيلية المبدئية إلى مستوى التخطيط الأعلى، هذا المستوى يقوم بجميع كل مقترحات الوحدات ويزيل التناقض فيما بينها ويحقق منها خطة متناسقة على مستوى فرع النشاط، ثم يقوم بإرسالها إلى المستوى التخطيطي الأعلى، يقوم مستوى القطاع بتجميع خطط فروع الأنشطة المختلفة ويجعل منها خطة متناسقة على مستوى القطاع بعد أن يزيل منها التناقضات الناشئة عن الاقتراحات المختلفة، والخروج بخطة قومية متناسقة وشاملة، وبعد بناء الخطة في صورتها النهائية ترسل إلى القيادة السياسية العليا لمناقشتها وإقرارها أو تعديلها، ثم يصدر بها قانون لتصبح الخطة في صورتها النهائية ملزمة للجميع.

ثانياً:- مرحلـة التنفيـذ ومتابعـة العمل

بعد إعداد الخطة يرسل إطار الخطة النهائي بتفصيلاته إلى كافة المستويات التخطيطية كل في نطاق اختصاصه لبدء العمل في تنفيذ الخطة، ويقوم بمتابعة تنفيذ الخطة هيئات مختلفة، ويقوم بمتابعة تنفيذ الخطة هيئات مختلفة، فهناك أولاً التنظيم السياسي الذي يقوم عن طريق وحداته في المؤسسات والوحدات الإنتاجية بمتابعة التنفيذ دون تدخل مباشر منه، ولكن يبلغ أوجه القصور في التنفيذ إلى قيادته التي تقوم بإبلاغها إلى الهيئة المركزية للتخطيط أو إلى المسؤولين عن التخطيط في المستوى الذي يلاحظ فيه القصور، وهناك المتابعة التي تقوم بها أجهزة التخطيط نفسها في المستويات التخطيطية، إذ من المفروض أن تقوم أقسام التخطيط في المستويات المختلفة بكتابة تقرير ربع سنوي عن سير العمل في الخطة ومدى ما حققته والصعوبات التي واجهت عملية التنفيذ وأوجه العيوب والقصور حتى يمكن العمل بسرعة على علاجها.

وهناك المتابعة الإحصائية التي يقوم بها الجهاز المركزي للإحصاء عن طريق ممثليه ووحداته على المستويات المختلفة، ويقوم هذا الجهاز بوضع تقرير في صورة مؤشرات إحصائية عن الدخل والعمالة والاستثمار والاستهلاك وغيره من المتغيرات الهامة حتى يتمكن الجهاز المركزي للتخطيط من متابعة سير العمل في الخطة، وبناء على متابعة التنفيذ من الأجهزة المختلفة تقوم الهيئة المركزية للتخطيط بتعديل الخطة أو معالجة أوجه القصور بها.



ثالثاً:- مرحلـة التقييـم

وتأتي هذه المرحلة بعد تنفيذ الخطة وفيها يناقش مدى تنفيذ الخطة للأهداف الموضوعة ومدى انحراف المحقق عن المستهدف في الخطة والأسباب الكامنة وراء هذا الانحراف، هل هو نتيجة لقيود في التمويل أو الإدارة، وبناء على دراسة التقييم للخطة توضع هذه الدراسة موضع الاعتبار عند وضع الخطة القادمة.



مقاييس التخطيط للتنمية الريفيـة:

إن توفير معطيات تنموية لا يستهدف فقط قياس التنمية الاقتصادية بل يستهدف أيضاً مساعدة المخططين ومتخذي القرارات في تحليل أهداف برامجهم وخططهم، وفي مساعدتهم على أن تكون قراراتهم واقعية وموجهة لتحقيق غايات محددة وواضحة، ويمكن أن نجمل المقاييس التي يستخدمها المحللون لتحديد ما يمكن إنجازه عبر عمليات التنمية بما يلي(11) :-

أ- المقياس الاقتصادي:- يقاس من خلاله التغير في مستوى المعيشة والتغير في تكاليفها والتغير في الدخل الحقيقي من الإنتاج القومي والتغير في هيكل النشاط الاقتصادي المشتمل على الزراعة والصناعة والتجارة والنقل والخدمات وغيرها.

ب- المقياس الاجتماعي:- تقيس فيه التغير في تركيب الأسرة وسلوك الأفراد والجماعات واتجاه المجتمع من خلال قياس التغير في اتجاهات وممارسات السكان لنشاطاتهم النقابية والسياسية، ومدى استخدام وسائل الاتصال ومدى شيوعها والسلوك في اتجاه الوحدة الوطنية والتعاونيات المختلفة، كما يقاس من خلاله التغير في حركة السكان وهجراتهم واهتمامهم بالأمراض والصحة العامة للمواطنين .

ج- المقيـاس الثقافـي:- ونقيس فيه أخيراً الخصائص التعليمية والثقافية للسكان ومدى الانعكاسات الناتجة عن تحسن المستويات الثقافية على دفع عجلة التنمية إلى الأمام.



العقبات التي تواجه التخطيط للتنمية الريفية:



قد يعترض عمليات التخطيط للتنمية الريفية المتكاملة كثير من التحديات والعقبات، وبعضها يكمن في عملية التخطيط نفسها ومنها ما ينشأ عن طبيعة مضمون التنظيم الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع الريفي، لذلك فقد تضع الدولة خطة تنمية لسنة أو عدد من السنوات، فإن ذلك يعني أن يقوم خبرائها بمسح الوضع الحالي لتحديد الأهداف التي ينبغي الوصول إليها، ودراسة الطرق الكفيلة بالانتقال من الوضع الحالي إلى تحقيق الهدف المحدد، والفشل في تحقيق هذه الأهداف يعود إلي(13) :-

أ- قد ترسم الخطة بعد دراسة سريعة لا تفي بالغرض المطلوب أو تكون قد اعتمدت على حقائق ومعلومات ناقصة أو مفصلة، وفي مثل هذه الحالات فإن المشكلة موضوع البحث لا تعّرف التعريف الصحيح وبالتالي لا يمكن تحقيق الفائدة المرجوة منها، وكذلك فإن مصادر مهمة تكون قد فاتت الباحث أو تجاوز عن أهميتها دون وعي كامل، أو قد يفوته الإدراك السليم للأنماط الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة الريفية المخطط لها.

ب- يتطلب التخطيط إثناء التنفيذ مشاركة المواطنين عنصر أساسي لإعطاء النتائج الإيجابية في جميع المراحل، لأنه قد ترسم خطط أو تدرس مواضيع كثيرة دون الانتباه إلى ضرورة المشاركة الفعلية في تنفيذها تلافياً للنتائج السلبية التي قد يؤدي إليها.

ومن أهم العقبات التي تقف في وجه التخطيط عدم وجود القيادات ذات الكفاءة العالية التي تشرف على جميع مراحل التنفيذ.



دراسـات حول التخطيط للتنمية الريفية:

بلغ عدد الخطط الإنمائية القطرية التي تم إعدادها منذ مطلع الستينات أو جتى قبله في الوطن العربي أكثر من تسعين خطة تنموية وزعت على 19 دولة، ومعظم هذه الخطط خماسية السنين وبعضها رباعية أو ثلاثية أو سداسية أو حتى عشرية، ورغم التباين الكبير في الهياكل الاقتصادية والاجتماعية لهذه الأقطار إلاّ أن الخطط التنموية اتسمت بصفات مشتركة يمكن إيجازها فيما يلي(5):



أ- تشترك جميع الخطط التنموية في أنها لم تكن جزءاً من تصور إستراتيجي عام أو خطة طويلة الأمد، وتشير الحقائق إلى أن هذه الخطط أغفلت بعض القضايا المحورية التي كان يجب أن تكون جزءاً من التصور الإستراتيجي سواء على المستوى القطري أو القومي مثل قضية الأمن القومي وقضية القوى البشرية وشكل الثروة وغيرها.

ب- اتسمت الخطط التنموية العربية بوحدة الهدف المشترك وتكرار الأهداف وتعددها.

ج- اتفقت الخطط من حيث أنها جميعاً خطط استثمار محورها الأساس هو حجم الاستثمارات وتوزيعها على القطاعات المختلفة.

د- اتفقت الخطط التنموية من حيث إهمالها للقطاع الزراعي مع إنها أجمعت على وضع هدف لزيادة الإنتاج الزراعي وما يتطلبه ذلك من استثمارات، ولم تتضمن خطة الزراعة تطوير الريف والتغير الاجتماعي والتقدم التكنولوجي.

هـ- تبنت جميع الخطط الإنمائية نمط التصنيع الذي تحركه قوى الطلب، وتحتل فيه الصناعات الاستهلاكية الأولوية الأولى.

و- اتفقت الخطط الإنمائية من حيث افتقارها إلى أداة للتحليل يستخدمها المخطط في اختيار الآثار الاستراتيجية أو السياسات البديلة.

ز- تفتقر الخطط إلى البُعد الشامل أو التكاملي على مستوى القطر الواحد.

وفي سبيل المثال لا الحصر فيمكن أخذ التجربة الأردنية في مجال التخطيط التنموي في الأردن.



التخطيـط التنمـوي في الأردن(10) :

من المشاكل المستوطنة في الاقتصاد الأردني العجز الدائم في ميزان المدفوعات، وفي الميزانية العامة المركزية للحكومة، إذ نجد أن الأردن يعتمد في سد العجز على المعونات الأجنبية والعربية والاقتراض الخارجي والمحلي، وحتى عام 1962 لم يكن هناك جهود تخطيطية ومحاولات رسمية جادة في الأردن لتبني خطط تنموية مركزية أو إقليمية، فقد شهد الأردن خلال فترة الثلاثينات اضطرابات وأزمات سياسية صرفت الحكومة الأردنية عن خطط التنمية وعن خطط الاستثمار بالمعنى الفعلي للتخطيط، ثم عاش الأردن مع أهالي فلسطين مراحل القضية والانتفاضات الوطنية التي عاشتها المنطقة، ثم جاءت حرب 1948 بين العرب واليهود، ثم جاء مقتل الملك عبد اللّه بن الحُسين ملك الأردن عام 1951، جعلت الأردن يشعر بالعزلة التامة والخوف الشديد من تدخل قوى خارجية وأجنبية، مما كان له الأثر الأكبر على أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والسياسة، لهذا لم نجد أن الأردن قد شعر بالارتياح والهدوء الذي يسمح له بالتفكير بالتخطيط التنموي إلاّ بعد عام 1962، فكانت أول خطة تنموية رسمية هي الخطة الخمسية الأولى 1962-1966 والتي عدلت في عام 1964 إلى برنامج السنوات السبع للتنمية الاقتصادية1964-1970، ونظراً لنقص البيانات الإحصائية عن والأوضاع الاقتصادية والأوضاع الاجتماعية العامة في الأردن، فقد اقتصرت تلك الخطة على مشروعات الحكومة والإصلاح الإداري حيث وضعت هدفاً لها:

أ- تحقيق معدل نمو في الدخل القومي لا يقل عن 8% .

ب- إنقاص العجز في الميزان التجاري.

ج- إصلاح الجهاز الإداري.

إلاّ أن هذا البرنامج توقف كلياً مع قيام حرب 1967 بين العرب واليهود، التي أدخلت البلاد في صراع ومنازعات وحروب مع إسرائيل، حتى بدأ الاستقرار يسود نسبياً عام 1972 عندما تشكل ما يسمى بالمجلس القومي للتخطيط National Planning Council كجهاز حكومي، حل مكان ما كان يسمى " بمجلس الأعمار الأردني" ليتولى مهام وضع الخطط التنموية ومتابعتها والعمل على تموينها، فبدأت الحكومة جهودها التخطيطية ثانية بوضع الخطة القومية الثلاثية 1973-1975، ثم تلتها خطة قومية أخرى 1976-1980، ومن ثم الخطة القومية 1981-1985 ، وتتركز الخطط بصورة إجمالية على تحقيق الأهداف العامة التالية:-

1- محاربة البطالة زيادة فرص العمل المتاحة وخلق فرص عمل جديدة.

2- تحقيق زيادة في الإنتاج المحلي الإجمالي بمعدلات عالية تصل أحياناً إلى 11%.

3- توفير وتعميم الحاجات الأساسية والخدمات الضرورية.

4- تخفيض نسبة العجز في الميزان التجاري الأردني عن طريق الاعتماد على المصادر المحلية.

5- الحد من الفوارق في مستويات الدخل بين فئات المواطنين والسعي لإيجاد توزيع عادل للإنتاج وللمكاسب الاقتصادية الناتجة عن التنمية بصورة أكثر عدالة بين الفئات والمناطق الجغرافية.

6- توسيع المشاركة الشعبية وقاعدة اتخاذ القرارات في عملية التنمية والجدول رقم (1) يشير إلى مدى نجاح خطط التنمية في تحقيق الأهداف المرسومة منها، وبالتالي إعادة تقييم الخطة ومدى فائدتها عند وضع الخطط التالية.







القطـاع

الخطـــة

1981-1985

الخطــة

1986-1990




المخطط

الفعلـي

المخطط


الزراعـة

5ر7

-ر7

8ر7


التعدين والصناعة

8ر17

9ر4

2ر7


المياه والكهرباء

9ر18

6ر9

7ر4


الإنشاءات

6ر12

3ر2

-ر4


التجــارة

-ر10

3ر4

-ر4


النقل والمواصلات

1ر11

4ر5

6ر5


الخدمات الحكومية

5ر3

2ر2

2ر4


الخدمات الأخرى

-ر9

9ر3

5ر3




شكل رقم (1) المصدر(14)



معدلات النمو الحقيقة للناتج من القطاعات خلال سنوات الخطة 81-1985 والخطة 86-1990



ورغم ما يشير إليه الجدول أعلاه من إخفاق الخطة عن تحقيق أقل من 30% من الطموحات الموجودة في الخطة 1981-1985 كما في قطاع الصناعة والإنشاءات، إلاّ أن الخطة الاقتصادية والاجتماعية 1993-1997 رسمت الأهداف التالية(15):-



1- تحقيق نمو اقتصادي قابل للاستمرار يفوق معدل النمو السكاني.

2- معالجة الأختلالات الهيكلية وتحقيق الاستقرار المالي والنقدي.

3- تحقيق التنمية الاجتماعية المتوازنة.

إلى هنا نبقى في انتظار الخطة القادمة ولتقييم ما حققته هذه الخطة من إنجازات.



قائمة المراجع




1- خلدون الصبيحي حول التنمية الريفية المتكاملة مجلة التنمية العدد 69-1979

2- البنك الدولي ورقة عمل قطاعية القاهرة 1975

3- حسن عبد القادر صالح مشكلة الغذاء في العالم والوطن العربي مجلة التنمية العدد

13-1974

4- حسن عيد دراسات في التنمية والتخطيط دار المعرفة الجامعية الاسكندرية

5- حسن عبد القادر صالح جغرافية الوطن العربي منشورات جامعة القدس المفتوحة عمان 1996

6- ALBERT WATERSTON DEEVELOPMENT PLANNING LESSONS OF EXPERIENCE BALTIMORE MARYLAND JOHN HOPKINS PRESS. 1969

7- عبد الفتاح قنديل إقتصاديات التخطيط وكالة المطبوعات الكويت

8- خليل النقيب، حسن الحلبي الادارة التنموية للوطن العربي معهد الانماء العربي

بيروت 1987

9- جان تنبرجن التخطيط المركزي الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والاحصاء

التشريعي ترجمة جلال احمد أمين مطابع الاهرام القاهرة 1967

10- محمد محمود الصقور التحطيط الاقليمي والتنمية في الريف دراسة تطبيقية على

الريف الاردني عمان 1986

11- حسن عبد القادر صالح تنمية الريف في العلام الاسلامي مجلة دراسات المجلد

الخامس العدد 2 عمان الجامعة الاردنية

12- عمرو محي الدين التخلف والتنمية دار النهضة العربية القاهرة 1983

13- حافظ قبيسي إستثمار الثروة العلمية والبشرية في الوطن العربي مجلة التنمية

العدد 141 1985

14- وزارة التخطيط ملخص خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية 1986-1990 عمان

15- وزارة التخطيط الخطة الاقتصادية والاجتماعية 1993-1997 عمان







ليست هناك تعليقات :

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية