الفكر الجغرافي الحديث



الفكر الجغرافي الحديث

تأليف ريتشارد بيت



Modern Geographical Thought

Richard Peet (2006)

Blackwell

عرض وقراءة: كرم عباس

مراجعة وتحرير: عاطف معتمد

العلاقة بين الجغرافيا والفلسفة

في الفصل الأول من كتابه "الفكر الجغرافي الحديث" يتناول ريتشارد بييت العلاقة بين المكان والفلسفة (فلسفة المكان) من خلال إعادة طرح عدة أسئلة جوهرية حول معنى الجغرافيا والفلسفة، وما وراء الفلسفة والنظرية الاجتماعية وفلسفة المكان والحتمية البيئية. وكل ذلك كمدخل لكتابه الرصين عن المذاهب الفلسفية في علم الجغرافيا (علم المكان).





ما الجغرافيا؟

تبدو الإجابة على هذا السؤال محيرة سواء لمن ينتمون لهذا العلم أو لمن لا ينتمون له. ويتمثل مصدر تلك الحيرة في الموضوعات المتعددة التي تدخل في نطاق العلم، والتي يبدو أنه لا يوجد رابط واضح أو علاقات دقيقة فيما بينها. ويبدو أن هوية الجغرافيا نفسها في أزمة بسبب تعقيد ما يفعله الجغرافيون. فالجغرافيا تدرس الإقليم والمكان واللاندسكيب والفضاء المكاني والبيئة الطبيعية، وتتفاوت أهمية تلك المفاهيم من وقت لآخر؛ ففي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي كان التركيز على المكان والإقليم، وفي السبعينيات كان التركيز على المكان والفضاء المكاني، وفي الثمانينيات كان التركيز بشكل أكبر على البيئة الطبيعية نظرًا لتنامي الوعي بمفهوم الكوكب العالمي الذي تتهدده مخاطر البشرية. أخذا في الاعتبار أن التحول بين الاهتمامات الجغرافية المختلفة إنما يخضع للأهمية البرجماتية (العملية والنفعية).

ويرى المؤلف أنه ليس مهما البحث عن تعريف لعلم الجغرافيا، بقدر ما هو مهم تحديد ما الذي يمكن أن يصنعه هذا التعريف. فهل يمكن للجغرافيا أن تساعد الناس على فهم الخصوصية والاختلاف بين الأماكن؟ وهل يمكن أن تعزز الجغرافيا لدى الناس شعورًا بأهمية وتقدير الأماكن بدلاً من التصارع عليها؟ تلك هي المسئولية الملقاة على عاتق علم الجغرافيا.

إن الجغرافيا هي دراسة العلاقات بين المجتمع والبيئة الطبيعية. فتنظر الجغرافيا في كيفية تشكل المجتمع وتغيراته وكيفية التشكيل المتنامي للبيئة الطبيعية لأجل خلق أشكال إنسانية لبيئة متكاملة تتكامل فيها الطبقات والبنى الاجتماعية، بحيث تتشكل فيها الواحدة على الأخرى لتخلق اللاندسكيب الاجتماعي الطبيعي بشكله المعقد.

وتنظر الجغرافيا أيضًا في كيفية تحكم الطبيعة في ظروف المجتمع الإنساني سواء فيما يخص البشر أو الموارد الطبيعية أو الحدود الجغرافية أو غيرها. فالجغرافيا ببساطة تدرس العلاقة بين المجتمع والطبيعة، وهي ليست علاقة بسيطة تنطوي على منحى واحد في الدراسة بل تشمل على مجموعة معقدة من العلاقات المتبادلة التي تشكل النظام الإنساني ككل. والعلاقة بين المجتمع والطبيعة لا تسير في اتجاه واحد، فالعلاقة السببية التي تؤسس للتغيرات الاجتماعية على أساس الظروف الطبيعية تحولت في اتجاه معاكس لتؤكد على تأثر البيئة الطبيعية بالتطور الاجتماعي.

وسؤال "ما الجغرافيا؟" ليس سؤالاً حيويًا لأجل تماسك واكتمال علم الجغرافيا فحسب، بل هو سؤال ضروري للإنسان لأن العلاقة التكاملية بين المجتمع والطبيعة تحدد الإمكانية الحقيقية لمستقبل الموجودات البشرية.

ويرفض المؤلف ذلك الفصل الزائف بين الفضاء المكاني والبيئة الطبيعية، والذي حدث خلال الثورة الكمية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي حين كانت هناك أهمية لذلك الفصل في سبيل بسط خدمة العلم المكاني في مقابل الحفاظ على تماسك العلم. ولكننا الآن أحرار في إعادة الربط بين الفضاء المكاني وأصله الطبيعي فيما يقول "بييت". فالفضاء المكاني كجزء من الطبيعي منخرط بشكل كامل في النشاط الإنساني.

إن الفضاءات المكانية الأكثر إثارة للاهتمام هي أجزاء من مناطق لها اختلافات طبيعية حيث تكون فيها المواد الخام ومصادر الطاقة واللاندسكيبات الجغرافية مصادر للاختلافات الثقافية. وفي ذلك العصر الذي يسهل فيه الانتقال والسفر فإن الاختلافات الإقليمية مستمدة في الأساس من مصادر البيئة الطبيعية؛ فالجغرافيا الإقليمية هي التسجيل التاريخي للاختلافات الاجتماعية الطبيعية socionatural. والأماكن لها خصوصية، وتختلف فيما بينها. ولها قوة طبيعية ترتبط بمحاولات نشر السلطة والنفوذ.

على هذا النحو ينبهنا "بييت" إلى أسوأ مخاوفنا... فبعيدًا عن رومانسية الخصوصية المكانية فإن تلك الخصوصية والمحلية قُتل باسمها الملايين من البشر كما حدث في البلقان، وانتشرت تحت مظلتها حقول الجماجم والهياكل العظمية في البوسنة. فالاختلاف في المكان كما له خصوصية وأهمية، هو أيضًا ذو خطورة بالغة.

ويؤكد المؤلف نفسه أن الكتاب يتجاوز التفاصيل التجريبية والعملية (الإمبريقية) لأجل الخروج بتعميمات بنيوية عامة، ولكن تلك التعميمات ليست نتاجًا لمحض تفكير عقلاني بل هي مبنية على كم هائل من التفاصيل الإمبريقية من خلال استخدام مستويات عديدة من التعميم في إطار الفلسفة وما وراء الفلسفة والنظرية الاجتماعية والممارسة.

وتحت عنوان "ما وراء الفلسفة Metaphilosophy" يعرف المؤلف ما وراء الفلسفة بأنها المناظير الأكثر عمومية التي توجه تفكيرنا. فما وراء الفلسفة هو الرابط بين وجهات النظر العالمية والثقافات والتفكير المرتكز حول الاهتمامات النظرية، هو إذن قناة تحمل القيم الثقافية داخل النظرية.

يعبر مفهوم "ما وراء الفلسفة" عن الغرض العام من التفكير، ما الذي يسعى إليه الناس، ما الذي ينشدونه، إنها معايير الحقيقة أو الفعالية مطبقة على التفكير. فالفلسفات يمكن أن يتم جمعها ما راء فلسفيًا metaphilosophically حول مجموعة من الأفكار الرئيسة، ويتم ترتيبها تاريخيًا من ما قبل الحداثة إلى الحداثة إلى ما بعد الحداثة حسبما تتغير اهتمامات المفكرين عبر الزمن. وبالتالي فإن الفلسفة تشير إلى محاولات التفكير في أسس الوجود: وجود الله، معنى الحياة، حقيقة التفكير. إن ما وراء الفلسفة هو البحث عن الحقيقة المجردة، وبالتالي لا تنتهي أو تختفي تحت سيطرة فلسفات معينة، ولذلك يمكن النظر إلى الماركسية على سبيل المثال على أنها بحث عن الحقيقة في ظل تحرر الإنسان.

ما الفلسفة؟

الفلسفة هي طريقة مجردة في التفكير تستخدم المنطق لتنظيم التخيلات والمعتقدات والمفاهيم والتصورات داخل أنساق صورية عقلانية. وحتى تحقق الفلسفة فائدة عملية فإنها تزعم أن الممارسات الإنسانية تحكمها الأفكار.

وتؤكد الفلسفة أيضًا على أن الأفكار ليست انبعاثا عشوائيا من الخيال، لكنها نواتج مستمدة بشكل أساسي من الخبرة المستقلة إلى حد ما عن الواقع المادي. وتنظم الفلسفة تلك الأفكار داخل أنساق متماسكة، وتوظف النتائج لأجل محاولة فهم الوجود.

ويعد كل من المنطق والعقلانية نتاج لإحياء عصر التنوير للتراث اليوناني القديم. وبالنسبة لهذا التراث الغربي فإنه يفترض أن العقل له بنية داخلية مستمدة من تشابه الخبرة في العالم المحدد أصلاً بطريقة منظمة كما في عملية التطور الطبيعي على سبيل المثال أو في نموذج الحياة البشرية الذي يبدأ بالميلاد ثم الحياة ثم الموت أو في بنى أخرى أساسية في عملية ديمومة الوجود.

إن المنطق العقلي يتمثل هذا النظام الخارجي في صور عقلية يمكن التعبير عنها بصورة رمزية. وهنا يستطيع المرء أن يتكلم ويكتب بالرموز التي تمنح الماهية لعدد لا نهائي من الحوادث. ولذلك لم يكن من عجب أن يرى أفلاطون أن الحكام لابد أن يكونوا فلاسفة. غير أن الأفكار الفلسفية ليست محض نتاج لإعمال العقل المحض كما يؤكد المؤلف؛ وهنا يتم تحديث فكرة البنى المنطقية الداخلية بمفاهيم البنى الاجتماعية والسياسية والثقافية، وبالتالي فإن مناهج وطرائق التفكير تسطر نفسها على العقل وفقًا للسياق الاجتماعي والثقافي.

ولذلك ليس هناك وسيلة للحديث عن فلسفة واحدة كلية وعالمية، بل إن هناك العديد من الفلسفات التي تتحدد معالمها وتمثلها لدى الفلاسفة وفقًا للأنساق التاريخية والأنماط الإقليمية. وتتضمن الفلسفة مواقف أساسية يتبناها الناس تجاه سبل معيشتهم فيما يعرف بالإنطولوجيات (علم الوجود Ontology) الاجتماعية، وتبحث أيضًا عن الصدق والصحة في أحكامنا على الواقع الخارجي والذي ربما نسميه ابستمولوجيا (نظرية المعرفة). والتمثل والانطولوجيا والابستمولوجيا هي مجالات أساسية من اختصاص الفلسفة.

ثم ينتقل المؤلف للمصطلح الثالث وهو مصطلح النظرية. والنظرية لديها صلة مباشرة مع الأحداث والممارسات التي تقابلنا في الواقع المعيش. والنظرية استقرائية بشكل أصيل، بمعنى أنها تتكون أوليًا من مصادر تجريبية (إمبيريقية)، فهي تتمثل بعض النتائج الجزئية الخاصة بأحداث أو مقولات التحقق الواقعي من خلال استخدام التعميم. وهي في الغالب تبحث عما هو مشترك أو متشابه بين الحوادث المختلفة، ولكنها ربما تبحث أيضًا عن أنماط للاختلاف، أو ربما تبحث فقط عن الاختلاف والتباين. وبالرغم من أن النظرية مكون أساسي من مكونات الفلسفة، فإنها ترتبط بغرض معين في الحياة، فهي جسر للصلة بين الواقع المعيش والتأمل الفلسفي. وكل مفكر عند صياغته لنظرية ما إنما يسعى بشكل أساسي للانتقال من المعلوم إلى المجهول. ويؤكد المؤلف أنه يتعامل في هذا الكتاب مع نوع ما معين من النظرية يسمى الجغرافيا.

النظرية الاجتماعية Social Theory

تشغل النظرية الاجتماعية المنطقة الوسيطة بين الفلسفة والنظرية. فالنظرية الاجتماعية ترتبط بالغرض أو الهدف أكثر من الفلسفة. فهي تتعامل بشكل أكثر وضوحًا مع الاتجاهات الاجتماعية والسياسية والثقافية والخصائص المميزة للمجتمعات الواقعية.

وكنتيجة لذلك فهي لا تنخرط في مصطلحات مجردة وعامة مثل الفلسفة بل تكون أكثر ارتباطًا بالمصطلحات الاجتماعية. والنظرية الاجتماعية مثلها مثل أي شيء جديدة إنما تنتج من خلال عدد سابق ومستمر من المحاولة والخطأ. وتُستمد النظرية الاجتماعية من الانتقادات الموجهة لفكرة أن العقل له بنية منطقية فطرية، وبدلاً عن ذلك فإن المنظرين الاجتماعيين ينظرون إلى المنطق على أنه اجتماعي وثقافي في الأصل، وسياسي في الغرض والهدف.

فالأفكار المنطقية تأثرت بالفعل بالمعتقدات غير المنطقية والمعاني الثقافية، وبالجسد والانفعالات مثلها مثل العقل. وهنا بدلاً من النظر إلى الفلسفة باعتبارها تجريد ما كلي يعتمد على منطق التحليل الرياضي كما في المدرسة التحليلية فإنه من الأفضل أن يُنظر للفلسفة هنا باعتبارها نظرية اجتماعية أو أفكار في سياق ثقافي بدلاً من التعميم الكلي.

ويمكن القول بأن النظرية الاجتماعية هي نظرية سياسية بشكل أصيل بالمعنى النقدي من حيث أنها مخصصة لتغير العالم بطريقة ما نحو الأفضل. وهي يسارية في الأسلوب والشخصية والغرض. فهي مكرسة لجعل العالم أفضل للفقراء والمظلومين، ومخصصة لتحرر الإنسانية في أشكالها الأكثر نزوعا نحو الشك (ما بعد حداثية). وفيما يرى "المؤلف" فإن النظريات الاجتماعية التي يتعامل معها الكتاب هي نظريات نقدية ويسارية بل حتى ثورية اجتماعيًا.

وما يميز النظرية الاجتماعية ليس فقط مصطلحاتها الخاصة أو مستويات التعميم التي تستخدمها، بل إن ما يميزها حقًا أنها تحاول تنظير الموجودات البشرية ووضعها داخل جماعات اجتماعية. وتستجيب الناس للظروف والغاية والعاطفة والوعي والاختيار، ويقوم البشر بتأويل القوى التي تؤثر فيهم. ويقوم المنظرون بتأويل تلك التأويلات في عملية هيرمونطيقية (تأملية) مضاعفة. وتعكس تلك البداية التعقيد في الحياة الإنسانية غير أن ذلك التعقيد هو ما يثير دائمًا فضول المنظرين الاجتماعيين.

ويعرض المؤلف كذلك لمصطلح "الممارسة Praxis". وينخرط المنظرون الاجتماعيون في الممارسة بطرق عديدة سواء داخل الإطار الأكاديمي أو خارجه. وينخرط المفكرون بشكل أساسي في إنتاج الأفكار ونشرها ومناقشتها بشكل أبدي، ولكن الأفكار نفسها هي تمثل لأحداث وممارسات واقعية. ويحاول البحث أن يكتشف الأسس الإمبريقية الواقعية لتلك التمثلات. أما التأمل النظري فيستخرج الأفكار من الوقائع ويضعها في أنساق نظرية. أما الكتابة فتوضح تلك الأفكار وتعمل على نشرها. وأما النقد فيتحدى بنية تلك الأفكار ويحاول استبدالها. والتعليم يعمل على نشر تلك الأفكار وإعادة صياغتها في بنى أخرى أكثر سهولة. وفي إطار النظرية الاجتماعية فإن تلك العمليات لا يمكن اعتبارها عمليات محايدة، بل إن التفكير والبحث والكتابة والتعليم هي عمليات سياسية مستغرقة في علاقات القوة. فالأفكار ليست مجرد تجريد للوقائع بل هي أدوات للإقناع.

أما فيما يتعلق بالفكر الجغرافي أو الممارسات الجغرافية Geographical Praxis فإن الجغرافيا بشكل عام هي ما يفعله الجغرافيون، ولكن ما يفعله الجغرافيون ليس أمرًا واحدًا أو ذو نمط ثابت، بل إن ما يفعله الجغرافيون يعبر عن طريقة صناعة الجغرافيا عبر الممارسات المستمرة، على سبيل المثال فإن طريقة تدريس الجغرافيا تحدد شكل الأفكار التي يتم نقلها من الأستاذ إلى تلاميذه. والبحث الجغرافي نفسه يعكس الإمكانيات والنواقص، حتى فعل الكتابة يلقى باستمرار بمفاهيم ومصطلحات جديدة، أو كما يقترح منطق الجملة (كيف لي أن أعرف ما أفكر فيه ما لم أرى ما أكتبه؟). وممارسات التعليم والبحث إنما تأتي كرد فعل على سياق أوسع من الأزمات الاجتماعية والأمور الطارئة والمتطلبات البرجماتية. ورد الفعل هذا هو رد فعل سياسي لأنه يتضمن منفعة أو نقد أو قبول أو معارضة لنظام اجتماعي قائم بالفعل.

فلسفة الجغرافيا

يرى "بييت" أن ثمة إثنان من المعاني لفلسفة الجغرافيا، معنى إيجابي وآخر سلبي. وبالنسبة للمعني الإيجابي فيمكن القول أن فلسفة الجغرافيا هي نسق من الأفكار الخاصة بمحتوى العمل الجغرافي الذي يطوره الجغرافيون من خلال ممارساتهم الجغرافية بشكل عام. ويؤدي تعليم وكتابة وممارسة الجغرافيا على مستوى النظرية إلى صياغة مفاهيم مجردة تلخص المناظير العملية، وتصوغها في مشروع نظري تأملي يؤدي إلى توجهات أخرى جديدة. إنها المنطقة التي يتقابل فيها الجغرافيون لمناقشة ممارستهم بطرق عامة، ويوضحونها بشكل بسيط.

أما فيما يخص معناها السلبي فإن فلسفة الجغرافيا قد تعني ممارسة أيديولوجية معينة من جانب من لديهم ثقافة فلسفية يمارسونها على من يظلون أو يبقون في إطار الممارسة فقط. ورغم ذلك تظل فلسفة الجغرافيا في تفاعل مستمر مع الفلسفة كعلم مستقل وبالتالي مع التيارات الفكرية بشكل عام. ويكون هذا التفاعل تفاعلاً منتجًا عندما يؤول الجغرافيون الفلسفة بتطبيق معارفها الإجمالية في تعزيز نسق الأفكار المتشكلة عبر تأمل الصور والأنماط المنفصلة خلال الممارسة النظرية.

ويمكن للفلسفة أن تخطو خطوات أفضل لو تخلت عن الإصرار على قراءة نظريات الفلاسفة من خلال نظريات أخرى، والأفضل لها أن تعيد التشكل من خلال الممارسات الإمبريقية بدلاً عن التأمل المحض، أي لابد أن تتوجه الفلسفة نحو الواقع. ولا يشبه التفكير المجرد في فلسفة الجغرافيا مثيله في الفلسفة بل هو أقرب إلى التنظير كما في النظرية الاجتماعية، وغالبًا ما يتم تفضيل النظرية الاجتماعية على الفلسفة إلى حد ما؛ لأن الفلسفة تبدو وكأنها تهرب من أي شيء يمكن أن ينطبق عليه فكرة التطبيق العملي، وتظل النظرية الاجتماعية هي الخلفية التي يمكن أن تقدم تعميمًا تستفيد منه فلسفة الجغرافيا وفي نفس الوقت لا تنفصل فيه عن الإطار العملي.

إن تحول فلسفة الجغرافيا من نطاق الفلسفة لتكون أقرب إلى النظرية الاجتماعية هي عملية ترتبط بطبيعة التغير الحادث في طريقة التفكير الجغرافي نفسه. فلقد كان التفكير الجغرافي تفكيرًا "طبيعيًا" naturalistic بمعنى أن مفهوم الطبيعية يحتل نقطة المركز داخل الفكر الجغرافي سواء في الشكل أو المضمون، فكان ينظر إلى المجتمعات من خلال خصائصها الطبيعية، وينظر إلى البشر على أنها موجودات طبيعية (مخلوقة) بالمعنى الحرفي لكلمة مخلوقة.

فالجغرافيا كانت تبحث عن فعل الله في العالم والطبيعة. كانت تبحث عن التصميم الإلهي والغاية الإلهية في العالم. وفي القرن العشرين أصبحت فلسفة الجغرافية ذات تاريخ مادي لعمليات واقعية، أو بكلمات أخرى حدث تغير في غرض التفكير ذاته بشكل عام من التأمل الروحي إلى النشاط العقلي العملي.

وهنا يبدأ الفكر الجغرافي الحديث؛ فالمقصود بالفكر الجغرافي الحديث مجموعة المدارس الجغرافية التي سبقت الفكر الجغرافي المعاصر والتي ظهرت في مرحلة ما بعد عصر التنوير في أوروبا. وقد نشأت تلك المدارس من خلال الحاجة إلى فهم وتفسير الكم الهائل من المعلومات التي جمعها المستكشفون باستخدام المنطق والعقل بدلاً من البحث عن الإرادة الإلهية أو العناية الإلهية في العالم. وقد بدأ الفكر الجغرافي بشكل عام عندما بدأ الجغرافيون وغيرهم من التخصصات الأخرى النظر إلى العلاقات الموجودة في الطبيعة متجاوزين الوقائع ذاتها للتفكير بشكل عام في الأنساق المختلفة مثل اللاندسكيب والأقاليم والفضاءات المكانية. ويشير "بييت" إلى أنه من المتفق عليه أن الفكر الجغرافي الحديث قد بدأ مع "ألكسندر فون همبولدت" و"كارل ريتر".

ويعتبر مفهوم "الحتمية البيئية Environmental Determinism" مفهوم جوهري في نشأة الجغرافيا كعلم قائم بذاته. ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر تحول الفكر الجغرافي في أساسه المفاهيمي من اللاهوت الطبيعي إلى البيولوجيا التطورية. وقد حدث هذا بفضل النظرية التطورية لدارون. وسادت تلك النظرة التطورية العلوم الاجتماعية لتقضي على ثنائية الإنسان والبيئة كما ظهر في النظرة العضوية للمجتمع عند "هربرت سبنسر". ومع ذلك سمح توجه جون بابتيست لامارك بالحفاظ على التصورات الدينية والغائية داخل علم الجغرافيا. وظهرت فكرة وحدة الحياة العضوية بأعلى صورها عند أحد غلاة الداروينية وهو "إرنست هايكل".

وقد أكدت الحتمية البيئية على الوحدة العضوية، ونظرت إلى البشر على أنهم لا يختلفون كثيرًا عن غيرهم من الكائنات التي تعيش على سطح الكوكب، وأكدت أن البشر بالفعل هم حيوانات، وشبهت المجتمعات البشرية بالقطعان والأسراب، ومع ذلك يظل البشر مختلفين.

فالبشر لديهم وعي، ويمارسون التأمل (فنحن نعرف أننا موجودون، وأننا نستطيع أن نفكر في وجودنا، وأن نفكر في تفكيرنا ذاته). وهنا حدث التحول ناحية الجغرافيا الثقافية، فالتغير الاجتماعي بين البشر لا يحدث نتيجة لعوامل وراثية أو جينية بل يحدث عبر تحول ثقافي، ولذلك نجد الجغرافي "كارل أورتن زاور Carl Ortwin Sauer" (1889- 1975) يؤكد أن استبدال القانون الإلهي بالقانون الطبيعي في مجال الجغرافيا لم يخلق سوى عقيدة متطرفة مخلصة للكوزمولوجيا الطبيعية بالرغم أن القانون الطبيعي لا ينطبق بدقة على الجماعات البشرية.

ويسير "زاور" هنا على نفس خطى التفكير الانثربولوجي الذي يبدأ مع "فرانز بواز Franz Boas" وصولا إلى "آلفريد كروبير Alfred Kroeber" والمستمد من الفيلسوف "فيلهلم دلتاي Wilhelm Dilthey" والذي يذهب إلى أن العلم الطبيعي يتعامل مع التفسير في حين أن العلم الاجتماعي يسعى إلى فهم البشر. ويشير المؤلف إلى الجغرافيا الإقليمية Regional Geography والتنظير الرائد لها عند "ريتشارد هارتشورن" (1899- 1992).

ويتناول المؤلف في نهاية الفصل الأسس الفلسفية للفكر الجغرافي الحديث، وتمثل إشكالية المعرفة الأساس الذي ظهرت من خلاله العديد من المدارس والتيارات الفلسفية التي ساعدت في ظهور الفكر الجغرافي الحديث. ويشير المؤلف إلى فلاسفة أمثال "جون لوك" و"ديفيد هيوم" و"ديكارت" و"ليبنتز" و"سبنوزا" وغيرهم، ليضع أهم فيلسوف أثر في الفكر الجغرافي في سياقه الفلسفي وهو الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانط" خاصة في نظريته عن الزمان والمكان.

ثم يتوقف بييت عند الوضعية المنطقية Logical Positivism، تلك المدرسة التي أثرت في شتى أنواع العلوم ومنها الجغرافيا لتحصر مجال العلم في العبارات والقضايا المنطقية التي يمكن الحكم عليها بالصدق أو بالكذب من خلال منهج التحقق العلمي.

ويشير بييت أيضًا إلى رفض الوضعية المنطقية عند بعض الفلاسفة والمفكرين وعلى رأسهم "كارل بوبر". ثم يختتم الفصل بالحديث عن مفهوم "التفسير" في الجغرافيا. ويستدعي هنا "ديفيد هارفي" الذي أكد على أن الجغرافيا تختص بالوصف والتفسير للتباين المكاني على سطح الأرض.

ليست هناك تعليقات :

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية