الوضعية البيئية بالمغرب تواجه عدة تحديات


المختار الأكحل * لـ" كفى": الوضعية البيئية بالمغرب تواجه عدة تحديات 








 




حاوره: رشيد لمسلم 






بتزايد انشغالات المهتمين بالمجال البيئي في العالم، بقضايا البيئة والمخاطر التي تحدق بالبشرية بظهور محددات جديدة، خص الأستاذ الباحث في قضايا البيئة والجغرافية المختار الاحكل، " كفى بريس" بحوار يتحدث فيه عن الانشغالات اليومية للإنسان والمؤسسات والدول بقضايا البيئة وعلاقتها بالمحيط الاجتماعي، والوضعية البيئة بالمغرب والتحديات والرهانات التي تتطلب ايجادها للحد من التلوث وغيره من المشاكل التي تهدد الانسان والطبيعة والعالم، اليكم الحوار التالي:

كفى: ما هي المغزى والخلفيات من وراء تخليد اليوم العالمي للبيئة ؟

جاء هذا التخليد بعد أن أصبحت البيئة من الانشغالات اليومية للإنسان في معظم أنحاء المعمور، وقد بدأت هذه الانشغالات بشكمبكرعند الدول المصنعة ولاسيما التي قطعت مراحل في ميادين الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتنامي الاهتمام بالبيئة عند هذه الدول جاء مواكبا لما نتج عن التقدم الصناعي من مشاكل خاصة على مستوى صحة المواطنين و لذلك أخذ هذا الاهتمام منحى آخرخاصة مع ستينيات القرن الماضي عندما تحول الانشغال بقضايا البيئة إلى هم عام تتحرك أجهزة الدولة وفعاليات المجتمع المدني من أجل معالجته أو على الأقل التخفيف من وطأته وفي نفس الوقت تحول هذا الانشغال إلى سجال سياسي قوي باحتلاله لحيزكبير ضمن الحياة السياسية و الحملات الانتخابية في معظم الدول المصنعة التي عرفت ظهور أحزاب يتمحور برنامجها السياسي حول قضايا البيئة . ولما امتدت حركة التصنيع لتشمل ،ولو بشكل متفاوت ،العديد من الأقطار النامية التي تعاني في مجملها من عدة اختلالات بيئية ذات أصول اقتصادية و اجتماعية و تدبيرية و سياسية أصبحت المعضلات الكبرى المرتبطة بإشكالية البيئة و التنمية المستدامة تكتسي أبعادا كونية متداخلة والتخليد الأممي لخامس يونيه من كل سنة كيوم عالمي للبيئة هو أساسا من أجل التحسيس بفوائد و بقيمة صيانة الموارد الطبيعية من الاستنزاف والتدهور محليا و عالميا باعتبار هذه الموارد إرثا مشتركا للإنسانية تتداو له الأجيال وكذلك الدعوة لحشد المشاركة الرسمية والشعبية لخدمة البيئة في علاقتها بالتنمية المستدامة ثم التنبيه إلى أن معالجة قضايا البيئة تتطلب تظافرا قويا و تضامنا فعليا بين مختلف الأطراف داخل القطر الواحد من جهة ثم بين الدول الغنية و الدول الفقيرة من جهة ثانية علما بأن العمل في الميدان البيئي كما في غيره من الميادين لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يختزل في أيام محددة أومناسبات معينة تتعبأ له جهات دون أخرى بل هوعمل جماعي دؤوب و متواصل في الزمن لأن الذي ينقص في هذا المضمار هوالفعل اليومي الذي يلمس الفرد نتائجه باستمرار في الميدان و ليس الشعارات والخطب في المناسبات .

كفى: كيف هي الوضعية البيئية بصفة عامة في المغرب ؟

إن الاهتمام بموضوع البيئة عندنا بالمغرب جاء متأخرا لكون الدولة بعد الاستقلال صرفت اهتمامها لأولويات أملتها ظروف بداية الاستقلال ، ويمكن اعتبار سنة 1972 التي عرفت انعقاد مؤتمر استكهولم حول البيئة بمثابة انطلاق التفكيرالرسمي في هذا الموضوع ، و رغم أن المغرب صادق على مجموعة من المواثيق الدولية ذات الصلة فإن الخطوات الاجرائية و العملية في هذا الميدان لا زالت متعثرة و لا ترقى إلى مستوى تصحيح الاختلالات البيئية الكبرى و التي تتفاقم مع مرور الزمن، و دون الخوض في التفاصيل فإن هذه الاختلالات تهم أساسا الموارد الحيوية و في مقدمتها الماء وجودة الهواء ( خاصة بالمدن التي تتركز بها الصناعات الملوثة ) ثم التربة و الغابة و التصحر فضلا عن الاختلالات البيئية بالمجالات الهشة كالسواحل و الواحات و الجبال ، و من البديهي أن التدهور البيئي له كلفة كبيرة على صحة السكان وعلى موارد الدولة. و بالنسبة للمغرب الذي يجابه تحديات ويخوض معارك التنمية البشرية والمجالية فمن الأفيد أن يركزعلى مبدإ الوقاية و ليس الأسلوب العلاجي الذي تكون تكاليفه باهضة مقارنة بالتكاليف الوقائية.

كفى: كيف وصلت الأوضاع البيئية بالمغرب إلى ما وصلت إليه الآن ؟

وصلنا إلى الوضع البيئي الراهن لعدة أسباب منها : أن سلوكنا مع البيئة غاب فيه لمدة طويلة عنصر المسائلة و المحاسبة علما بأن هذه الأخيرة لا ينبغي أن تقوم فقط على الجانب السلبي أي التغريم (أو الإغلاق أو الترحيل بالنسبة للوحدات الصناعية) بل يجب أن تقوم أيضا على التشجيع بصيغ مختلفة ثم هناك عنصر ثالث له صلة بالعنصرين السالفين يتمثل في عدم تطبيق القوانين في هذا الميدان . ثم أن معالجة قضايا البيئة افتقرت لمدة طويلة للنجاعة و الفعالية بسبب غياب التنسيق الأفقي بين مختلف الأطراف و القطاعات مما أدى إلى تشتت الطاقات ،إذ غلب الارتجال وصعوبات التطبيق على العديد من العمليات الرامية لمحاربة مظاهرالتردي التي أصابت المحيط البيئى سواء بالمدن و ضواحيها أو بالبوادي.

و مما فاقم من مشاكل التدهور البيئي في سياق ما أسلفت هو الطموح لدى البعض في تحقيق الربح السريع ، مما حدا بهذا البعض إلى أن ينظروا إلى تدهور البيئة على أساس أنه ثانوي يمكن إهماله لبعض الوقت ، وفي هذا السياق وقعت تجاوزات في استغلال الموارد الطبيعية وأقيمت وحدات صناعية بشكل عشوائي تستخدم تقتيات لا تراعي المحافظة على البيئة ، كما أنه لم يرافق عملية التصنيع خلق مؤسسات لديها الصلاحيات الكافية و المعرفة العلمية من أجل وضع المواصفات و الضوابط الملزمة للوحدات الصناعية بناء على دراسات الأثرالبيئي و دفاتر تحملات صارمة .

كفى: و ما هو مآل الشعار الذي طالما سمعنا به وهو شعار" الملوث المؤدي"؟

لقد رفع في وقت من الأوقات شعار " الملوث المؤدي" و قيل مرحبا بالتلوث إذا كان سيؤدي إلى تحسين الاقتصاد ، وكانت النتيجة في العديد من الدول التي عملت بهذا الشعار هي المزيد من التلوث و القليل من الأداء ولذلك تم سحب هذا الشعارعند معظم الدول الصناعية التي عملت به بسبب نتائجه العكسية ،و يبدو أننا بالمغرب نسير في نفس الاتجاه، فالطموح العام في الخارج وبالمغرب هو أن يتم التحكيم إلى القوانين خاصة بعد المعارضة التي لقيها الشعارالمذكور من قبل الحقوقيين ومنظمات المجتمع المدني التي تفضل الاعتماد على مبدا الوقاية و إشاعة ثقافة المواطنة البيئية و بلورة رأي عام خادم للبيئة خاصة ما هو إرث مشترك تتداوله الأجيال إضافة إلى ترسيخ قيم وممارسات و سلوكات بيئية إيجابية مسؤولة و متضامنة باعتماد وسائل على رأسها التربية على المواطنة البيئية من منظور الحق و الواجب .

كفى: ما هي أنجع السبل للتخلص من مشاكل التلوث و النفايات بالمغرب ؟

فيما يخص التخلص من الملوثات الصناعية فهو موكول للصناعيين أنفسهم وعلى الدولة أن تدعمهم في ذلك و ما يلزمهم بالعمل في هذا السبيل هو توجه الرأي العام محليا و عالميا الذي يدعو قطعا إلى محاربة كل أشكال التلوث، ثم على المنتجين الصناعيين و غيرهم أن يستفيدوا من المكتسبات المتعلقة بتقنيات و أساليب التقليل من الإفرازات الملوثة التي تم التوصل إليها منذ عدة سنوات و منها عدم السماح بانفلات و انبعاث مواد ملوثة عن طريق استرجاعها و إعادة تثمينها إذ من شأن ذلك أن يعود علي المنتجين بفوائد مضاعفة. علما بأنه من المسلم به أن بعض مظاهر التلوث الصناعي يعتبر دليلا على التخلف التقني وانخفاض الكفاءة الإنتاجية و تدني جودة المنتوج و يشير إلى وجود هدر في المواد الأولية و في الطاقة ومن ثم الخروج من دائرة المنافسة الاقتصادية محليا و عالميا لعدم احترام المعاييرالبيئية و ضوابط التجارة العادلة بمعنى أن التلويث مكلف ليس فقط صحيا و لكن أيضا بالنسبة للتموقع في التجارة العالمية و السياحة الدولية و بالتالي له انعكاس سلبي على موارد و سمعة البلاد بوجه عام .

أما التخلص من النفايات المنزلية فقد بات حقا مشكلة محيرة تؤرق كل الجماعات المحلية على الصعيد الوطني نظرا لصعوبة الحسم في التعامل معها تقنيا و لتكلفتها ثم لا ننسى أنه سواء بالنسبة للملوثات أو بالنسبة لعدة مظاهر من الاعتداءات على البيئة فإن الأمور جد معقدة غالبا ما تصطدم بمصالح عميقة الجذور يتداخل فيها الاقتصادي بما هو اجتماعي وسياسي ، وهكذا بكل أسف نجد أن مشاكل بيئية كثيرة ،ومنها مثلا مشاكل دور الصفيح أو مشاكل الشواطئ ، تتحول إلى موضوع لحسابات و رهانات ضيقة ، و رغم أن حلها فيه منفعة عامة فإنها تظل في عدة حالات قائمة لمدة طويلة .

ونتمنى أن يعالج الميثاق الوطني للبيئة و التنمية المستدامة الكثير من القضايا البيئية الشائكة و الطموح المنشود هو أن يكون لدينا إطارا لحياة حضرية و قروية تحترم فيه صحة كل الكائنات الحية و يحقق الاستقرارللسكان الذي ينتفع منه الجميع .



بطاقة تعريف *

أستاذ التعليم العالي ، شعبة الجغرافيا بكلية الآداب و العلوم الانسانية ـ جامعة الحسن الثاني ـ المحمدية.

ساهم في مؤلف جماعي حول تدبير البيئة بالمغرب بتعاون مع جامعة بوخوم بألمانيا.

نسق كتابا حول مدينة المحمدية و محيطها البيئي.

ألف كتابا حول دينامية المجال الفلاحي و رهانات التنمية المحلية بإقليم بنسليمان.

شارك في مؤتمرات و ندوات وطنية ودولية حول البيئة و التنمية .

عضو مؤسس لجمعيات محلية و وطنية عاملة في ميدان البيئة .





المصدر http://kafapresse.com/index.php?ida=6883

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية