الجغرافيا التطبيقية الطموح والتحديات


الجغرافيا التطبيقية ووظيفتها الديداكتيكية - التعليمية
مولاي المصطفى البرجاوي














الجغرافيا التطبيقية ووظيفتها الديداكتيكية - التعليمية:
الطموح والتحديات!!

تُعتبر الجغرافيا من العلوم الإنسانية التي كان لها السَّبق في ميدان وصف الحياة البشرية، ومحاولة فَهم علاقة الإنسان بمحيطه، وقد ظلَّت منفعتها - إلى عهد قريبٍ - تقتصر على محاولة الفَهم العميق لعناصر المحيط البيئي لمعناه الواسع؛ نظرًا لموقعها الإستراتيجي عند ملتقى التخصُّصات المعرفية الدقيقة، وانطلاقًا من موقعها هذا فإن مجالها التطبيقي الأول في مساعدة الإنسان على الانفتاح ومعرفة الآخرين؛ حتى يتم الاندماج بشكلٍ سليم في المجتمع.

فالنمو الطبيعي لشخصية الإنسان يقتضي منه اكتشاف محيطها القريب، ثم البعيد فالأبعد، وفي هذا التحول يتمُّ اكتشاف الذات[1].

بل تُعد الجغرافيا - كأحد فروع الدراسات الاجتماعية - من أكثر المواد الدراسية حساسية لِما يجري في المجتمع من أحداث، وما يعتريه من مشكلات؛ لاتصالها بالإنسان وعلاقته بالبيئة، وما ينشأ بينهما من تفاعلات، وما ينتج عنهما من مشكلات؛ ولذلك فإن المختصين في مناهج هذه المادة وتدريسها يسعون دائمًا وراء كل جديد يمكن أن يَزيد من فاعليتها، ويُحقق أهدافها، ومحاولة توظيفها لخدمة دارسيها، والإفادة منها في حياتهم اليومية والعملية[2].

لكن المقاربة الديداكتيكية الحديثة للجغرافيا تقتضي من المتعلم أن يتسلَّح بعُدَّة معرفية جغرافية، ومهارات تُمكِّنه من المزج بين الجانب النظري والتطبيقي، وبين التعلُّم داخل الفصل الدراسي وخارجه، من خلال الربط بين التأصيل الإبستمولوجي الجغرافي، والانفتاح على المحيط القريب؛ سواء تعلَّق الأمر بما هو بيئي، أو تنموي، أو مشاريع تربوية، وهذا الطرح الجديد يُخرج لا محالة تدريس الجغرافيا من المَلل الذي يَطبعها - من جرَّاء التلقين والاستظهار - إلى التشويق والوظيفية بعرْض المادة التعليمية على مِجهر الحياة اليومية والعملية للمتعلِّم؛ حيث تشير "فارعة حسن" (2001)[3] إلى أنه: في التعليم الناجح لا يُقاس التعلُّم بما يَعرفه المتعلم من جوانب نظرية، بل يُقاس في ضوء ما يستطيع توظيفه من هذه الجوانب النظرية في حياته، بحيث يكون لها أثرٌ وظيفي واضح في سلوكه وفي ممارسته لحياته اليومية.

ويؤكد على ذلك "ميشيل"[4] (Mechel,2003)؛ حيث يرى أن ارتباط المدرسة بالحياة والتلازم بين المنهج والبيئة، يُعد شرطًا أساسًا لتحقيق وظيفية التعليم، وهذا يعني أن يتَّجه التعليم بالدرجة الأولى إلى إعداد الفرد المتعلم لحياة منتجة، وليس لمجرَّد تحصيل حقائق ومعارف متفرِّقة، فالمعرفة لا تَكتسب أهميَّتها إلا من خلال إمكانية استخدامها وتطبيقها في الحياة بصورة أفضل.

1- تعريف الجغرافية التطبيقية:
إن المقصود بالجغرافيا التطبيقية: هو ذلك التوجه العملي الذي لازَم الجغرافيا ودأَبت على السيْر في نَهجه منذ أن ظهرت كفرعٍ معرفي مستقل بذاته، ويرتكز هذا التوجه العملي على الفهم الشمولي والدقيق للمحيط الخارجي للإنسان؛ بهدف المساهمة في معالجة قضايا التنمية، وإعداد وتدبير هذا المحيط[5].

يرى أحد الباحثين أن الجغرافيا التطبيقية تهتم بتنمية المعرفة النفعية للجغرافيا في المجالات المختلفة، وتنقسم بدورها إلى فروع؛ مثل: صناعة الخرائط، والتخطيط الإقليمي، وجغرافية التنمية[6].

وبالنسبة للمغرب، وبالرغم مما حدث من تطور نوعي وكمِّي في الإنتاج الجغرافي، فإنه ما زال هذا الإنتاج العلمي يُقابَل بالتشكيك في هُويَّته ومنطلقاته من طرَف بعض الإداريين والتقنيين، أو بنظرة سلبية تُعنَى بتلقين مجموعة من المعارف والأفكار حول الخصائص الطبيعية والبشرية لمختلف البلدان والأقاليم، والغاية منها تزويد المتعلم بهذه الأفكار؛ قصْد الاطلاع على العالم من حوله في إطار التحضير لمزاولة مهنة التدريس، أو من أجل الثقافة العامة[7].

2- الجغرافيا علم في تطور مستمر نحو الوظيفية والتطبيق:
عرَفت الجغرافيا كجميع العلوم الإنسانية تطورًا مستمرًّا، خصوصًا منذ بداية القرن العشرين، ويرجع ذلك إلى التطور العام الذي عرَفته الإنسانية، وبالخصوص في الميدان التكنولوجي بعد الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم، من تقدُّم في اختراع تقنيات تُساعد باستمرار على تطوير أساليب وطرائق البحث والدراسات في ميادينَ شتَّى.

وقد استفادت الجغرافيا بدورها من هذا التقدُّم التقني، فتمكَّنت من تحسين مناهجها، وتحديد أهدافها، والسرعة في إنجاز الأبحاث الميدانية والدراسات؛ لاستخدامها أفضلَ الأدوات الممكنة بمسايرة جميع المُبتكرات التكنولوجية من جميع الأشكال والعقول الإلكترونية[8].

3- الجغرافيا التطبيقية أحدث التيارات الفكرية المعاصرة في علم الجغرافيا:
يُعد هذا الاتجاه من المناهج المعاصرة في حقل الجغرافيا، فهو لم يبدأ في الظهور إلا فيما يَقرب من عقدين من الزمن، وقد ظهر من خلال بحث الجغرافيين عن هدف نفعي لعلم الجغرافيا، كما ارتبط أساسًا بمبدأ التخطيط الذي كان قد نَهجه الاتحاد السوفييتي السابق، وانتشر بعد ذلك في كثير من الدول المتقدمة، فالجغرافيا المعاصرة في البلدان الراقية خرَجت من المعرفة النظرية إلى الفعل والعمل الميداني، تُحاول أن تؤثر في المجتمع وتعمل لصالحه، فأصبحت لصالحه، وأسهَمت في حل قضاياه ومشاكله، ولم يعد الأمر يقتصر على هاته البلدان؛ فها هي المغرب - بعض بلدان العالم الثالث - تسير على نفس النهج، فسارعت إلى إحداث تخصُّصات لِما يسمى بالجغرافيا المطبقة La géographie appliqué في خِضَم انفتاح الجامعة والمدرسة على محيطها الاقتصادي والاجتماعي.

4- الظروف التاريخية وأسباب تعثُّر الجغرافية التطبيقية:
أدرك الجغرافيون القدامى أن الجغرافية علم يوسِّع من نطاق معرفتهم بالعالم، ويزوِّد المكتشفين بما يُمكِّنهم من مواصلة كشوفهم، وأن رجال الإدارة والحكم وجدوا في هذا العلم ما يُعينهم في حُكم بلادهم، وتنظيم استغلالهم لمواردها، لكن يبدو أن الجغرافيين والذين أفادوا من المعرفة الجغرافية، لم يدركوا في وضوح دور الجغرافيا في هذا السبيل، وكان لا بد أن ينتهي هذا التطبيق للمعرفة الجغرافية باستنفاد هذين الغرضين، فالعالم أصبح معروفًا، وتمَّت الكشوفات الجغرافية، كما أن موجة الحرية الاقتصادية والتجارية، قد ترَكت مهمة تنظيم استغلال الموارد للأفراد والدول، بعيدًا عن التخطيط والتنظيم الذي يتَّخذ من المعرفة الجغرافية نِبراسًا يهتدي به، وربما كانت مجازفة بعض الجغرافيين - كأنصار مدرسة الجيوبوليتكية الألمانية في ميدان الجغرافية السياسية، وما ترتَّب على ذلك من نتائج خطيرة تُمجِّد القوة في السياسة الدولية، وترسم خُططًا للسيطرة ومدِّ النفوذ لإيجاد المجالات الحيوية للدول الكبرى - من أسباب تردُّد الكثير من الجغرافيين في أن يتجاوَزوا بدراستهم الجغرافيا ميدان الوصف والتفسير[9].

5- منهجية البحث في الجغرافيا التطبيقية:
توصَّل الباحث الجغرافي العراقيمضر خليل عمر - في مقالته: الجغرافيا التطبيقية ما لها وما عليها- إلى أن مراحل أساسية ينبغي تتبُّعها في الجغرافية التطبيقية، وهي:
مرحلة الوصف: تحديد المشكلة وما يتعلق بها؛ مِن جمْع البيانات، وتحديد التقنيات، والمسوحات والاستبانة، وتحديد مجتمع الدراسة، والإحصاءات المنشورة، والاستشعار عن بُعد.

مرحلة التفسير: التحليل لتوفير استيعابٍ للحال الراهن، وما سيكون عليه الحال في المستقبل؛ من تقنيات تحليلية، وتصنيف البيانات، واستكشاف العلاقات بين المتغيرات، وتحليل الأنماط، والتوقُّع للمستقبل والنَّمذجة.

مرحلة التقييم: تطوير بدائل من الإجراءات، وتقييم خصائص البدائل، والتقنيات المقارنة: اختبار درجة التوافق بين الأهداف، وتقييم خصائص البدائل المحتملة.

مرحلة وصْف العلاج: تقديم مقترحات سياسية وبرامج لمتخذي القرارات، تقنيات الاتصالات، تقديم توصيات لصالح المجاميع ذات الصلة، بما فيها صانعو القرارات والمِهَنيُّون والعامة، "تقنيات مُجدولة ورسوم وخرائط".

مرحلة تضمين القرارات: منظمات وتعاونيَّات؛ لتعزيز الإجراءات السياسية والبرامج، تقنيات لوجستية؛ لتسهيل عمليات السياسات والبرامج، السيطرة على التنمية، حوافز، تحديد مناطق القيام بفعْل معيَّن، مَعارِض إعلامية، مبادرات للسلطة المحليَّة، توفير خُبراء للمجتمع المحلي.

مرحلة المراقبة: تقييم مدى نجاح أو فشل الإجراءات المُتَّخذة، تقنيات إدارة المعلومات، بنك معلومات مُحدَّث دوريًّا عن تأثير السياسات والبرامج وعلاقتها بالأهداف، نُظم معلومات جغرافية.

6- الجغرافية التطبيقية العالمية والتعليمية بالمغرب وتهميش دور الجغرافيين!
تقف في وجه تجربة الجغرافية التطبيقية بالمغرب جملة من المُعوِّقات، ولعل من أبرزها:
تكوين المدرسين الجغرافيين على الجانب النظري والمعرفة الجغرافية، دون الارتقاء بهم إلى مستوى تأهيل في المشاريع الجغرافية التطبيقية.

ضَعْف الربط والانفتاح للمؤسسة التربوية على مؤسسات المحيط السوسيو - اقتصادي.

نظرة المتعلمين لمادة الجغرافيا على أنها مادة للحفظ والاستظهار، ولا ترتقي إلى مستوى التطبيق العملي - الميداني، كما هو الشأن بالنسبة للمواد العلمية الأخرى: "علوم الحياة والأرض، الفيزياء والكيمياء".

هكذا تَمَّ تغييب الجغرافيين الجامعيين والمدرسين للجغرافيا في المؤسسات التعليمية الثانوية، من المشاركة في التخطيط للعديد من مشاريع التكوين التطبيقي، وإعداد المجال؛ سواء الريفي، أو الحضري، أو المشاريع الكبرى ذات الصلة بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وبالتهيئة المجالية التي تَبنيها مختلف المؤسسات العمومية، مع استثناءات قليلة جدًّا يَغلب عليها طابع العلاقات الشخصية، نذكر على سبيل المثال: إنجاز مشروع سبو، ودراسة حول مشروع الريف الغربي، والإحصاء العام للسكان والسكنى، وتحضير مخططات التنمية الاقتصادية، وتقسيم المغرب إلى جهات اقتصادية منذ 1971م، والتقطيع الجهوي لسنة 1996م، والمشاريع المندمجة المتعلقة ببعض المناطق، والعمل الوحيد الذي شارَك فيه الجغرافيون بكثافة وبإدارة سياسية - لكن كان ذلك دائمًا بصفة شخصية غير مؤسسية - هو الحوار الوطني حول إعداد التراب سنة 2000م.


[1] موسى كرزاري ومحمد آيت حمزة؛ الجغرافية التطبيقية في المغرب، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 122، ط1، 2005، ص 7.
[2] أحمد إبراهيم شلبي وآخرون (1998)؛ تدريس الدراسات الاجتماعية بين النظرية والتطبيق، القاهرة: المركز المصري للكتاب، ص 358.
[3] فارعة حسن محمد (2001)؛ دراسـات وبحـوث في المناهـج وتكنولوجيـا التعليم، ط2، القاهرة: عالم الكتب، ص 159.
[4] Mechel, David (2003) : "An Investigation of the Relationship among Life -Esteem, and Well - Being in Adults", (PhD), Louisiana. Tech University, Available at : http://wwwlib.umi.com/dissertations/Fullcit/3068014, P6. (Retrieved on : January / 15 / 2004) .
[5] المختار الأكحل؛ الجغرافيا التطبيقية بالمغرب: الحصيلة والآفاق، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 122، ط 1، 2005، ص 15.
[6] فتحي محمد مصيلحي؛ الجغرافيا البشرية بين نظرية المعرفة وعلم المنهج الجغرافي، ط2، 1994، توزيع الأهرام، ص 18.
[7] المختار الأكحل؛ نفس المرجع، ص 15.
[8] - حسن جنان؛ تحوُّلات البوادي المغربية مقاربة منهجية، مجلة مكناسة، العدد الثاني، 1987، مكناس، ص 33 - 36.
[9] - جمال الدين الدناصوري؛ الجغرافية التطبيقية: طرق تطبيق وإنجازاته، مطبعة الأنجلو مصرية، مايو 1981، ص10.


ليست هناك تعليقات :

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية