آفاق الجهوية المتقدمة بالمغرب

آفاق الجهوية المتقدمة بالمغرب بين اللامركزية الجهوية و اللاتمركز الإداري تحت إشراف د أحمد بوعشيق



كلية العلوم القانونية الإقتصادية و الاجتماعية -سلا
ماستر القضاء الإداري
رسالة لنيل دبلوم ماستر تحث عنوان:

آفاق الجهوية المتقدمة بالمغرب بين اللامركزية الجهوية و اللاتمركز الإداري

إنجاز
عبد الصمد الركيك

أعضاء لجنة المناقشة

 د.أحمد بوعشيق:أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق سلا................رئيسا
 د.الشريف الغيوبي:أستاذ بكلية الحقوق سلا............................عضوا
 د.محمد العلوي:منتدب قضائي إقليمي وأستاذ زائر بكلية الحقوق سلا...عضوا
 بوعمر تغوان:رئيس مجلس جهة الرباط-سلا-زمور-زعير................عضوا



 آفاق الجهوية المتقدمة بالمغرب بين اللامركزية الجهوية و اللاتمركز الإداري تحت إشراف د أحمد بوعشيق

مقدمة

إذا كانت اللامركزية الجهوية هي الغاية، فإن اللاتمركز الإداري يعد الوسيلة لتحقيق تلك الغاية . لذلك أجمع الباحثون و المهتمون بموضوع الجهة،أن اللامركزية الجهوية أصبحت البديل والأداة الأساسية لخوض معركة التنمية،بحيث تشكل شرط جوهري لتنظيم وإعداد مجال ترابي قادر على تحقيق توازن بين اللامركزية الجهوية و اللاتمركز الإداري ،تمنح للسكان حق إدارة شؤونهم بالشكل الذي يجعل عملية اتخاذ القرار تستجيب لتنمية الأنشطة الاقتصادية و الاجتماعية. بل الأكثر من ذلك فقد أراد جلالته جعل الجهوية المتقدمة المنطلق لإيجاد أجوبة خلاقة للقضايا المغربية الكبرى، وهو الشيء الذي يحتم على الجميع من فاعلين ومجتمع مدني واقتصاديين المساهمة في الوظيفة الجهوية المرتقبة من أجل المشاركة في صنع القرار المتعلق بمستقبلهم . فالإدارة في العصر الحالي لم تعد تعتمد على الهيئات المركزية فحسب،بل تجاوزت ذلك لتجعل من لاتمركز القرار ولامركزية الأنشطة الاقتصادية و الاجتماعية أساسا لتحقيق التنمية المندمجة و المتوازنة تشمل كافة المجالات و القطاعات الحيوية،وهي الوظيفة المرتقبة من الجهوية المتقدمة التي ستعمل على تدشين جيل جديد من الإصلاحات المؤسساتية،وإرادة تغييرية مستقبلية لنمط تدبير مجالنا الترابي،وفق قواعد القرب و الحكامة الجيدة و التقطيع الترابي المنطلق من محددات وغايات ترمي إلى محاربة الفقر و التهميش و الهشاشة و الإقصاء،إنها عودة نحو المحلي في وقت استنفدت فيه كل السياسات التنموية المنطلقة من المركز و ما يمكن أن تحققه،في تجسيد تقلص دور الدولة الحائزة لوحدها على ميكانيزمات السلطة و التي تسمح بتشكيل فضاءات مجالية منافسة خارج وصاية المركز .
إن ضرورة التنمية المندمجة، وأهمية مفاهيم الديمقراطية والحكامة والحرية في أسلوب الإدارة المعاصرة المحفزة لمشاركة السكان في القرار التنموي، أدت إلى التفكير في إعادة النظر في مكنزمات الإدارة الترابية والأسس التي تقوم عليها وإعادة تأطيرها لتساير المعطيات الداخلية والخارجية،في سبيل تقدم ورفاهية التراب الوطني.
وجاء تبني هذه المفاهيم في الخطاب السياسي نتيجة تراكمات سوسيوسياسية واقتصادية طبعت تطور المجتمع المغربي في الأوانة الأخيرة.
لذلك لجأت أغلب الدول إلى إتباع تنظيم اللامركزية الجهوية لرصد متطلبات السكان وتحديد احتياجات الحياة اليومية،وكان المغرب من بين الدول التي سارعت إلى ذلك بعد استقلاله السياسي،وجعل من الاختيار اللامركزي المقرون باللاتمركز الإداري أحد أسس الإدارة الترابية،من أجل تشييد دعائم الدولة المغربية المعاصرة.
إلا أن هذا الإهتمام سيتعزز أكثر فأكثر من خلال محدودية التجربة الجهوية لسنة 1997، التي ساهمت بشكل وافر في تطوير الوعي بأهمية اللامركزية المقرون باللامركزية الإدارية كأسلوب للإدارة والتسيير،خصوصا أن الخلاصات التقييمية لهذا المسار ومنها التقرير الذي أصدرته اللجنة الاستشارية للجهوية،انتهت إلى أن الآليات القانونية المؤطرة للجهة،لم تمكن من خلق شروط كبيرة للجهات تم دون رصد إمكانيات مالية مناسبة،إضافة إلى وجود تقطيع ترابي متضخم 16جهة بالنسبة لدولة لا تتعدى مساحتها الترابية710.000كلم مربع،وغير منسجم وغير موفر لشروط "أحواض الحياة" بالنسبة للجهات .
لكل ذلك،يطرح موضوع الجهوية المتقدمة تساؤلا مبدئيا، يهم في المقام الأول إشكالية التحديد لمفاهيمي لمثل هذه المصطلحات التي أصبحت حاضر وبقوة في المقاربات المقارنة للتنمية والتنمية المستدامة، وأيضا أصبح لها نفس الحضور خاصة في الاهتمام المرتبط بالمسار العام للتطور اللامركزي المغربي سواء في أبعاده التاريخية القديمة، أو في أبعاده الحاضرة من خلال التراكم الموضوعي لتجربة التنظيم الجهوي في ظل القانون رقم 47/96، وكذا الأبعاد المستقبلية لذات المفهوم من خلال المسار الذي تعرفه القضية الوطنية الأولى (قضية الصحراء) والدفع المغربي لمبادرة الحكم الذاتي، وكذا التحول المتجدد للتعاطي مع مفهومي اللامركزية واللاتمركز الإداري من خلال تطوير ورش الجهوية للانتقال بهذه الأخيرة من مقاربة تقليدية ذات جوهر إداري، إلى جهوية متقدمة ذات جوهر اقتصادي وتنموي ، وهو مفهوم ذهبت إليه العديد من القراءات، حيث نلاحظ أن هناك خلط بين الجهوية المتقدمة والجهوية الموسعة التي تختلف جذريا عنها شكلاومضمونا . فمضامين الخطب الملكية السامية تتحدث بالتحديد عن "جهوية متقدمة" وليست موسعة،والفارق بينهما كبير وعميق، بل ومتناقض في بعض المجالات .
فالخطاب الملكي لذكرى المسيرة الخضراء بتاريخ 6 نونبر 2008 تحدث صراحة عن "جهوية متقدمة ومتدرجة، تشمل كل مناطق المملكة، وفي مقدمتها جهة الصحراء المغربية"، وهو ما تم تأكيده في الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش بتاريخ 30 يوليوز 2009 حيث دعا جلالته إلى "إقامة جهوية متقدمة..."، وجاءت نفس العبارة أيضا في الخطاب الملكي بتاريخ 3 يناير 2010 بمناسبة تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية.
فالأمر يتعلق تحديدا بجهوية متقدمة وليست موسعة، لأن الجهوية الموسعة تقوم على أساس الجهوية السياسية في إطار اللامركزية السياسية، والذي يتطلب وجود برلمانا جهويا حقيقيا وحكومة جهوية، حيث يقتصر دور ممثل السلطة المركزية على ضمان التنسيق بين المركز والجهات، وهو نموذج شبيه بالنظام المنشود في المقترح المغربي للحكم الذاتي بأقاليمنا الجنوبة .
أما الجهوية المتقدمة فيمكن تلخيصها في نظام أكثر تقدما للجهوية من النظام المطبق حاليا، بمعنى أن عملية الإصلاح يجب أن تنطلق مما هو موجود مع توسيع اختصاصات الجهات وإعادة تركيب البنيات الجهوية، وتخويل المنتخبين الاختصاصات التقريرية والتنفيذية، وإيجاد نظام يعزز الاستقلالية المالية والتدبيرية للجهات وإعادة النظر في علاقتها بالسلطات المركزية،من حيث إقرار ميثاق فعال وحقبقي اللاتمركز الإداري يكون منسجم و ملازم للجهوية المتقدمة ،كما دعا إلى ذلك صاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي يعتبر الإطار المرجعي للامركزية الجهوية و اللاتمركز الإداري من خلال خطبه السامية،و التي يمكن أن نستشف من خلالها مفهوم الجهوية المتقدمة المعبرة عن تصور قانوني/سياسي إداري و اقتصادي لعلاقة المركز/العاصمة بمحيطها الترابي،بحيث على ضوئها يتم تحديد نمط التنظيم السياسي و الإداري الذي يساعد على توزيع السلطة وإعادة هيكلة المؤسسات داخل الدولة،حيث أدت التراكمات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية بالمغرب إلى ضرورة تحقيق وقفة تأملية،كفيلة بتقييم الوضع الحالي وتحليل حصيلة المراحل السابقة،وحصر ما تم تحقيقه على مختلف المستويات.
وهكذا، فإن الجهوية كمقاربة للتدبير الترابي، يمكن تحديدها من خلال منظومة الجهة في مستواها التقليدي كجماعة ترابية معترف لها بمجموعة من الاختصاصات والصلاحيات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتتمتع في سبيل الاضطلاع بهذه الصلاحيات بمجموعة من الإمكانيات ووسائل العمل المادية والبشرية، أما الجهوية المتقدمة وكما هو واضح في الخطاب الرسمي، أنها هي الأخرى مقاربة للتدبير الترابي، إلا أنه تدبير يجوز على درجة متقدمة سواء في التمثيلية الشعبية آو في الصلاحيات والاختصاصات الجهوية، التي نضمت بمقتضيات دستورية وجعلت من الوسائل المالية المرتبطة بالاختصاصات الجهوية تصبح مقسمة بين كل من الدولة كوحدة مركزية والجهات كوحدات ترابية بناء على مبدأ التفريع.
ومن تم جاء تدشين مرحلة جديدة في مسلسل اللامركزية الجهوية،بتبني الجهة أعلى جماعة ترابية في التنظيم الترابي بالمملكة بموجب الدستور الجديد لفاتح يوليوز2011 وإنطلاق إصلاح جهوي جديد يرتكز على توازن فعال بين اللامركزية الجهوية و اللاتمركز الإداري.
وفي نفس المنحنى جاء التقرير الختامي للجنة الاستشارية لبلورة الإرادة الملكية حول الجهوية المتقدمة، حيث دعا جلالته إلى جعل الجهوية " تحولا نوعيا في أنماط الحكامة الترابية "، وذكر جلالته في خطابه المؤرخ في 3 يناير 2010 على أن الجهوية المتقدمة ستعمل على إعادة توزيع الاختصاصات بشكل منسجم على مختلف المستويات الإدارية وتترجم بتضامن كبير ما بين الجهات، ولا تغير في الثوابت السامية لوحدة الدولة والأمة والتراب ، داعيا في نفس الإطار الحكومة للإعداد ميثاق حول اللاتمركز الإداري بالموازاة مع عمل اللجنة الإستشارية للجهوية المتقدمة.
فاقتران اللامركزية الجهوية في الدول البسيطة بأسلوب اللاتمركز الإداري تبرره أسباب عديدة نوجزها في كون اللاتمركز الإداري صورة من صور المركزية أملتها ضرورة تقريب الإدارة من المواطنين،فمفهوم اللاتمركز الإداري يدعم استمرارية النظام المركزي على خلاف اللامركزية التي تعد نمطا مؤسساتيا تمنح في إطاره الجماعات الترابية وعلى رأسها الجهة اختصاصات كانت أساسا تمارس من قبل الدولة.
وهنا تتجلى لنا أهمية الموضوع من خلال خلاصات اللجنة الاستشارية حول الجهوية المتقدمة وما قدمته من اقتراحات تسمح للمغرب بالانتقال من تنظيم إداري مبني على مركزية مفرطة،إلى نظام يتأسس على الحكامة الجيدة والمقاربة الترابية أي نظام إداري جديد يشيه إلى حد كبير،الأنظمة المطبقة في الدول الجهوية كإسبانيا وإيطاليا.
فاختيار الموضوع لم يكن بمحض الصدفة أو بدافع الإرتجال،وإنما جاء رغبة منا في إغناء هذا البحث بتصور مستقبلي لما يمكن أن تكون عليه الجهوية المتقدمة ببلادنا،خصوصا وأن التنزيل الديمقراطي لهذا المشروع لم يتم بعد بلورته بواسطة القانون التنظيمي للجهة،كما جاء في دستور فاتح يوليوز 2011،وكذا في غياب رؤية واضحة حول اللاتمركز الإداري.
لذلك، فإن راهنيته تقتضي منا تسليط الضوء على إشكالية كيفية تحقيق التوازن بين اللامركزية الجهوية و اللاتمركز الإداري في إطار الجهوية المتقدمة بالمغرب،ذلك أن الخاصية العامة لعيوب اللامركزية الإدارية المغربية هو ضعف التوازن المولى لكل من مبدأ اللامركزية و اللاتمركز الإداري في التطور الإداري العام الوطني و الذي أصبح يقتضي بحق ضرورة تبني لا تمركيز الدولة.
لذ نعتمد فبي مقاريتنا لهذه الإشكالية المتفرعة عنها مجموعة من الأسئلة و التي تعتبر الإجابة عنها ذات أهمية بالغة على منهج تحليلي لمضمون الجهوية المتقدمة بالمغرب وأفاق تفعيلها إنطلاقا من استحضار بعض التجارب المقارنة وهو المنهج الذي يفتح لنا مجالا لمعرفة الأبعاد المستقبلية لذات المفهوم بعيدين كل البعد عن الاستنساخ الكلي للتجارب المقارنة كما دعا إلى ذلك صاحب الجلالة الملك محمد السادس.
وعليه، نرى أنه من الأهمية بمكان الوقوف من جهة على الإطار المرجعي للامركزية الجهوية و اللاتمركز الإداري في إطار الجهوية المتقدمة (الفصل الأول)،على أساس التطرق من جهة أخرى إلى أفاق اللامركزية الجهوية كخيار استراتيجي بالنسبة للإدارة الترابية المنتخبة،وكذلك ضرورة إصلاح اللاتمركز الإداري من أجل توازن حقيقي وفعال (الفصل الثاني).


للإطلاع على النسخة الكاملة يرجى التحميل


ليست هناك تعليقات :

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية