التوزيع السّكاني عند العرب


التوزيع السّكاني عند العرب











ليس سهلاً على الباحث في هذا الموضوع أن يختار المنهج الملائم الذي يعالج فيه هذا الجانب من المعرفة ضمن إطار لا يلحقه لوم أو تثريب.‏
ولا سيما أنَّا ونحن أمام جمع من النصوص والأفكار سطعت في عقول أساطين الفكر العربي مبثوثة هنا وهناك وتحتاج إلى يد صناع لتجلو ذلك وتنهجه ضمن إطار عملي سليم ومقبول. وهذه النصوص المبعثرة تتطلب عناية خاصة ومعالجة دقيقة وفهماً لروح النص ومغزاه مع مراعاة للفارق الزمني الذي يفصل بيننا وبينه.‏
وقد يكون النظر إلى هذا الموضوع من خلال أحد الخيارين مسلكاً مناسباً أو منهجاً ملائماً حيث يقوم الأول على إثبات أسس هذا العلم ووضع الإسهامات العربية تحت ما تنتمي إليه، في حين يقوم الآخر على إثبات البدايات الأولى من بدء اكتشاف هذه الظواهر والكتابة عنها وإرجاعها إلى أسبابها ثم الإفادة منها في حقول المعرفة الأخرى. ولعل طبيعة الأفكار وتطورها عبر فترة زمنية طويلة يفضي بنا إلى المضي مع الخيار الثاني واعتماده كنهج مقبول.‏
ويمكن من خلال هذا الخيار عرض الموضوع وفق الخطوات التالية:‏
آ ـ البدايات وخطوات التطور.‏


ب ـ رصد عملية التوزع السكاني.‏


حـ ـ تبلور هذا الجانب من المعرفة واستخدامه في فروع المعرفة الأخرى.‏


آ ـ البدايات وخطوات التطور:‏


ومما لا شك فيه أن العرب قد أسهموا في العلوم المختلفة إسهاماً كبيراً فصححوا ما كان خاطئاً وأتموا ما كان ناقصاً وقاموا بأعمال النقل والترجمة عن اليونان وغيرهم.‏


كما عملوا على لم شتات المعرفة فضموا بعضها إلى بعض وصبوها في أطر منهجية تشمل مختلف المقولات المتعلقة بفرع من فروع العلم ولم يقتصر دورهم على ذلك بل ابتكروا العلوم الجديدة وأتوا بمقولات حافظت على جدتها وأصالتها حتى الآن.‏


وإذا كان علم التوزيع السكاني قد تبلور في العصر الحديث على يد عدد من العلماء الأجانب فإن العرب قد ضربوا بسهم وافر فيه منذ مئات السنين وبنوا على مقولاته في استنباط بعض الآراء والتطبيقات، ولم يدر في خلد العرب أن هذا الجانب من العلم سيكون مستقلاً بل كانوا يعدونه من الأبحاث الجغرافية التي تعرف إليها العرب عن طريق الترجمة وليس هذا بمستغرب عنهم فما زال هذا الجانب السكاني يعالج كموضوع جغرافي في المؤلفات الحديثة.‏


ورغم أن العرب عانوا من التوزيع السكاني إثر تهدم سد مأرب وامتدوا إلى البقاع المختلفة من الجزيرة العربية لم يقم منهم من يدرس هذه الظاهرة أو يشير إليها أو إلى أثارها إشارة علمية ولكنهم تحدثوا عنها في أسمارهم ورووها في أخبارهم وطبعوها في تراثهم فضربوا الأمثال وقالوا الأشعار وما المثل المعروف (تفرقوا أيدي سبأ) إلا دليل على ذلك وإشارة واضحة إلى هذه الظاهرة.‏


وقد تجددت هذه الظاهرة بصورة أخرى وبأسباب مختلفة مع الفتوحات التي قامت من الجزيرة العربية حيث امتد معها في الشرق والغرب وعلى مساحات واسعة من المعمورة فأناخوا في الأمكنة التي طاب لهم فيها المقام أو اقتضتها أحوال الفتوح أو اضطرتهم إليها البيئة الملائمة.‏


وتبرز أول إشارة إلى أثر البيئة في توزيع السكان العرب عند اختيارهم للبيئات الملائمة لتمصير المدن ونفورهم من البيئات غير الملائمة التي لم يعتادوا عليها في صحرائهم أو بلادهم الأصلية.فيروي ابن قتيبة الدينوري المتوفى سنة 276 هـ نصاً في عيون الأخبار يبين فيه عدم سكنى العرب في المدائن وانتقالهم إلى الكوفة واتخاذها دار إقامة لهم فيقول: " لما اجتوى البلد العرب وآذاهم الغبار والذباب".‏


كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص أن العرب لا يصلحها إلى ما يصلح الإبل والشاء وقد أشار عليه من رأى العراق من وجوه العرب باللسان ـ وظهر الكوفة يقال له اللسان. فكتب إلى سعد بذلك.‏


ولم يعالج المسائل السكانية أو يشر إليها بشكل علمي من حيث الربط بين الأثر والمؤثر وبيان العلل والأسباب إلا في القرن الثالث الهجري حيث كانت أولى بداياتها على يد العالم العربي الموسوعي الجاحظ الذي لم يقرر شيئاً إلا بعد تجربته والتثبت من صحته واستنباط قوانينه من ظاهراته فاتخذ لمنهجه شعاراً "وهو ليس يشفيني إلا لتثبت".‏


وقد ظهرت في كتاب الحيوان للجاحظ أولى الإشارات العلمية إلا أثر البيئة في توزيع السكان وطباعهم وخصائصهم فنجد عدداً من النصوص المتعلقة بهذا الموضوع. فالجاحظ يؤيد ما يذهب إليه عن طريق تعليل الظواهر والصفات المعينة بأثر المناخ والبيئة على الإنسان والحيوان والطباع إذ يقول "ولا ننكر أن يفسد الهواء في ناحية من النواحي فيفسد ماؤهم وتفسد تربتهم فيعمل ذلك في طباعهم على الأيام".‏


كما عمل ذلك في طباع الزنج وطباع الصقالبة، وقد رأينا العرب وكانوا أعراباً حين نزلوا خراسان كيف انسلخوا من جميع تلك المعاني. وترى طباع بلاد الترك كيف تطبع الإبل والدواب وجميع ماشيتهم. وترى جراد البقول والرياحين خضراً وديدانها خضراً أو نراها في غير ذلك.‏


ونرى القملة في رأس الشاب الأسود الشعر سوداء ونراها في رأس الشيخ الأبيض بيضاء... وإذا كانت في رأس الخضيب نراها حمراء فإن نصل خضابه صار فيها من بيض وحمر. وقد نرى حرة بني سليم وما اشتملت عليه من إنسان وسبع وبهيمة وطائر وحشرة كلها سوداء.‏


وفي هذا القرن ظهر عالم عربي اشتهر بالطب والحكمة هو أبو بكر محمد بن زكريا الرازي (251 ـ 319 هـ) تعرض إلى أثر السكان في النواحي الاقتصادية وأظهر دور تعاون السكان وتأمين المعيشة حيث عقد فصلاً في كتابه "رسائل فلسفية في الطب الروحاني" تحت عنوان ـ في الاكتساب والاقتناء والإنفاق ـ يبين فيه أن حسن العيش يأتي من التعاون وارتفاق الناس لبعضهم بعضاً وألمح الماحة مفيدة إلى أثر كثرة الناس في تقسيم العمل لتأمين عيشهم وحاجاتهم وقيام مجتمعهم وتطوره وبذلك سبق الاقتصادي المعروف آدم سميث في هذا المجال مئات السنين فقال " وذلك أنه لما اجتمع ناس كثيرون متعاونون متعاضدون اقتسموا وجوه المساعي العائدة على جميعهم فسعى كل واحد منهم حتى حصلها وأكملها فصار لذلك كل واحد منهم خادماً ومخدوماً وساعياً ومسعياً له فطاب للكل بذلك العيشة وتم على الكل بذلك النعمة وإن كان في ذلك بينهم بعد بعيد وتفاضل غير أنه ليس من أحد إلا مخدوم مسعي له مكفي حوائجه. ومن المعروف أن الرازي كان أول العرب الذين حاولوا الاستفادة من خبراتهم ومعارفهم في الحياة الواقعية بتبيان أثر المناخ والموقع على الناحية الصحية. فعندما انتقل إلى بغداد رأى السلطان العباسي "عضد الدولة" أن يستغل موهبته ونبوغه فاستشاره في بناء البيمارستان العضدي في بغداد في الموضع الذي يجب أن يبنى فيه، فذهب الرازي إلى نواح يطلب أصحها هواء وأطهرهاجواً فعلق قطعة من اللحم في جهات مختلفة فالموضع الذي بقيت فيه قطعة أطول مدة دون أن تفسد فذلك هو المكان الصحي الذي اختاره لبناء البيمارستان العضدي.‏


وقد أورد المسعودي وهو المؤرخ الكبير والجغرافي المشهور الذي توفي سنة 346 هـ أن أشهر علماء العرب الذين تكلموا في معمور الأرض ومغمورها هم الكندي ـ مروان بن المنجم ـ محمد بن كثير الفرغاني وثابت بن محمد بن جابر البتاني... وقد أرجع المسعودي في تأريخه "مروج الذهب" أسباب عدم سكنى المناطق الشمالية والجنوبية إلى إفراط الحرارة وإفراط البرودة فقال: "المواضع التي لا سكن عند هذه الطائفة عدمت السكنى لعلتين إحداهما إفراط الحر وإحراق الشمس والعلة الأخرى ارتفاعها (أي الشمس) فاكتنف تلك الأرضين البرد واستولى عليها القر وإفراط البرد. وقد ذكر الدكتور عمر فروخ في كتابه تاريخ العلوم الإنسانية عند العرب فقال: وفي كتاب التنبيه والإشراف للمسعودي أشياء من الجغرافيا الإنسانية وإشارة إلى أحوال العمران. وهذا فن من فنون المعرفة وضع أسسه ورتب قواعده فيما بعد عبد الرحمن بن خلدون. كما يذكر المسعودي أثر المناخ من الحرارة والبرودة واختلاف منازل الناس من أقسام الأرض في ألوان البشر وفي النشاط الجسماني وفي الذكاء.‏


وقد جاء في رسائل " إخوان الصفا" في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري حول القسم المعمور من الأرض بأن القسم المنكشف من الأرض من نصف الكرة الشمالي، هو المعمور فقط وأفاضوا في أحد نصوصهم في الكلام عن أثر المناخ وأنواع الأرض واختلاف الترب والموارد وانعكاساتها على الإنسان والحيوان وطبائعهم ويبدأ هذا النص بما يلي:‏


"اعلم يا أخي بأن تراب البلدان والمدن والقرى تختلف وأهويتها تتغير من جهات عدة فمنها كونها في ناحية الجنوب أو الشمال أو الشرق أو الغرب أو على رؤوس الجبال."‏


ويحدد أيضاً أخوان الصفا مكان العمران وتواجد البشر على ظهر البسيطة فيشيرون إلى القسم الواقع شمالي خط الاستواء فإن القسم الجنوبي خراب لا عمار فيه فيقولون: "وهذا النصف المكشوف مما يلي خط الاستواء والنصف الآخر هو الربع المسكون مما يلي الشمالي من خط الاستواء".‏


ثم يذكرون أن العمران ليس موزعاً بالتساوي على سطح هذا القسم المسكون فمن أجزائه ما يقع بين العمران والمدن والقرى ومنها ما هو في البراري والقفار ومنها ما هو في الجزائر والبحار. وكذلك يعللون أسباب عدم قيام العمران وسكنى البشر في الأجزاء الباقية من الكرة الأرضية ويرجعون ذلك إلى صعوبة التضاريس وقساوة المناخ حراً وبرداً وانتشار المياه المتلاطمة وقيام الجبال الشامخة فيقولون: فأما ثلاثة أرباعها الباقية فمنعهم من سلوكها الجبال الشامخة والمسالك الوعرة والبحار والظلمة مثل ما في ناحية الشمال تحت مدار الجدي فإن هناك برداً مفرطاً لأن ستة أشهر يكون الشتاء هناك ليلاً كله فيظلم الهواء ظلمة شديدة وتجمد المياه بشدة البرودة ويتلف الحيوان والنبات وفي مقابل هذا الوضع في ناحية الجنوب حيث مدار سهيل يكون نهاراً كله ستة أشهر صيفاً فيحمى الهواء يصير ناراً سموماً ويحترق الحيوان والنبات من ـ شدة الحر فلا يمكن السكنى ولا السلوك هناك وأما من ناحية المغرب فيمنع السلوك فيها البحر المتلاطم أمواجه وشدة ظلماته وأما ناحية المشرق4 فيمنع السلوك هناك الجبال الشامخة. فإذا تأملت وجدت الناس محصورين في الربع المسكون من الأرض".‏


ولعل أولى التقسيمات العلمية للسكان حسب الحضر والبدو واتصاف كل قسم بخصائص تختلف عن القسم الآخر قد وردت في كتابات أبي حيان التوحيدي المتوفى سنة 404 للهجرة.‏


أما بالنسبة لأولى الكتابات الاقتصادية المتعلقة بأثر السكان في الأسعار فتعود على ما يبدو إلى القاضي المعتزلي "أبي الحسن بن عبد الجبار بن أحمد الهمداني" المتوفى سنة 415 هـ فقد جاء في كتابه "المغني" تحت عنوان الكلام في الأسعار والرخص والغلاء". أن كثرة السكان التي عبر عنها بكثرة المحتاجين تؤدي إلى الغلاء فيقول ـ أما الغلاء فقد بينا صفته إنما يضاف إليه متى قل الشيء في الأيدي مع الحاجة إليه أو كثرة المحتاجين إليه وإن كان واسعاً.‏


وفي مطلع القرن السادس الهجري ازدهرت العلوم الجغرافية على يد العرب حيث ترسخت أفكار الخوارزمي وتبلورت على يد جغرافي عربي كبير هو " الشريف الإدريسي" المتوفى سنة 560 هـ الذي ألف كتاباً دعاه نزهة المشتاق في ارتياد الآفاق عالج فيه بعض القضايا الجغرافية المتعلقة بالسكان. وتبعه العالم الأندلسي ابن سعيد الغرناطي الذي قال بوجود تسعة أقاليم مضيفاً على الأقاليم السبعة إقليماً واحداً جنوبي خط الاستواء لا يسكن تليه الأقاليم السبعة المعروفة وإقليماً ثامناً شمالي الإقليم السابع لا يسكن لشدة برده.‏


كانت هذه بعض الإلماعات الفكرية التي أشارت بشكل علمي إلى الآثار الجغرافية والبيئية والاقتصادية على بعض الظواهر السكانية وآثار الظواهر المختلفة فيها وقد شكلت هذه الآراء والإلماعات أساساً علمياً هاماً لمن أتى فيما بعد من العلماء فأفادوا منها وبنوا عليها أفكارهم وابتكاراتهم فيما حصلوا من علوم وأشادوا من مناهج.‏


ب ـ رصد عملية التوزيع السكاني:‏


تقوم التعدادات برصد عملية التوزع السكاني ومعرفة حجم السكان. وقد اهتم العرب بعد السكان منذ بدايات الأولى للدولة العربية لسببين رئيسين أحدهما معرفة أعداد العرب وأماكن تواجدهم، حيث جاء ما يؤكد ذلك في حديث مأثور، وثانيهما معرفة عدد سكان البلاد المفتوحة ومواردها ومساحة أراضيها وغلالها وخصائصها سكانها.‏


كما وجد لدى العرب ما يشبه الآن بسجلات الإحصاء الحيوي "سجلات النفوس" فيذكر المؤرخون (زيدان وتاريخ التمدن الإسلامي) أن الخلفاء أولوا الإحصاء عناية خاصة اقتداء بالمأثور فجعلوا على كل قبيلة من قبائل العرب رجلاً يصبح كل يوم فيدور على المجالس فيقول: هل ولد فيكم الليلة مولود وهل نزل بكم نازل (أي هل حصلت وفاة) فيقال ولد لفلان غلام ولفلان جارية ويسميه وعياله وإذا فرغ من ذلك عاد إلى الديوان وأثبت الأسماء.‏


وقد قام العرب بالتعدادات مع بداية الفتوحات وكانوا يجددون تدوين الإحصاءات كل مدة وفي كل ولاية على حدة فقد ذكر أبو يوسف صاحب كتاب الخراج أنه "بعد معركة القادسية على زمن عمر بن الخطاب وضع عياض بن غنم على الجماجم فوضع على كل جمجمة مدين قمحاً وقسطين خلا وجعلهم جميعاً طبقة واحدة.‏


كما يذكر ابن الحكم القرشي في تاريخه "فتوح مصر والمغرب وأخبارهم" أن العرب قاموا بعد السكان "فكان ما أحصي بمصر أعلاها وأسفلها من جميع القبط فيما أحصوا وكتبوا أكثر... من كذا".‏


كما يذكر البلاذري في فتوح البلدان أن المسلمين قد أحصوا في مصر فيقول "وأحصي المسلمون فألزم أهل مصر لكل رجل منهم جبة صوف وبرنساً أو عمامة وخفيه..." وكتب عليهم كتاباً بذلك.‏


كما يذكر أبو يوسف في كتابه الخراج أنه لما ولي عبد الملك بن مروان بعث الضحاك ابن عبد الرحمن الأشعري على العراق فاستقل ما يؤخذ منهم فأحصى الجماجم وجعل الناس كلهم عمالاً بأيديهم وحسب ما يكسب العامل في سنته. وقد ذكر المقريزي في الخطط والآثار أن هشام ابن عبد الملك (سنة 107 هـ) أمر عبد الله بن الحجاب عامله على خراج مصر أن يمسحها فوجد أراضيها مما يركيه النيل 30000000 فدان ولا يستغرب هذا الرقم لأنه كانت مساحة مصر آنذاك 187 مليون فدان كما ذكر المؤرخون.‏


ولم يقتصر العرب على القيام بالإحصاءات العامة السكانية والزراعية وإحصاءات الدخل بل قاموا بإحصاءات متخصصة كإحصاء الرهبان الذي تم في زمن عبد العزيز بن مروان وإحصاء المغنين الذي قام به جماعة من بغداد فقد أورد الدكتور زكي مبارك في كتابه النثر الفني عن كتابه حكاية أبي القاسم البغدادي ما نصه "ولعهدي بهذا الحديث سنة ست وثلاثمائة وقد أحصيت أنا وجماعة بالكرخ أربعمائة وستين جارية في الجانبين وعشر حرائر وخمس وسبعين من الصبيان البدور يجمعون من الحسن والخدمة والظرف ما يفوق حدود الوصف هذا سوى ما كنا لا نظفر بهم ولا نصل إليهم لعزتهم وحرسهم ورقبائهم وسوى من كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء والطرب إلا إذا نشط في وقت أو ثمل في حال وخلع العذار في هوى حالفه وأضناه".‏


ويذكر الجاحظ في كتاب الحيوان ما يفيد أن العرب بدراسة الظواهر السكانية عن طريق العينة فقاموا بدراسة أثر شرب الخمر في طول العمر فيذكر أن جماعة عدوا أربعين فتى من فتيان قريش وثقيف أعذار عام واحد فأحصوا عشرين من قريش وعشرين من ثقيف وتوخوا المتجاورين في المحلة والمتقاربين في الدور من الوفرين على النبيذ والمقصورين على التنادم وأنهم أحصوا مثل ذلك العدد وأشباه ذلك من السن ممن لا يذوق النبيذ ولا يعرف شراباً إلا الماء فذكروا أنهم وجدوا بعد مرور دهر عامة من يشرب النبيذ حياً ومن لا يشرب قد مات عامتهم.‏


وخلاصة ما في الأمر فإن العرب قد قاموا بإحصاءات متعاقبة ودونوها في كل مرة وفي كل ولاية على حدة وأول تدوين في مصر مثلاً دونه عمرو بن العاص ثم دون عبد العزيز ابن مروان (تولى إمارة مصر 65 ـ 86 هـ)، ثم دون قرة بن شريك (سنة 90 ـ 96 هـ)، ثم بشر بن صفوان سنة 101 هـ.‏


وآخر إحصاء أحصوا به العرب في الأمصار كان في خلافة هشام بن عبد الملك سنة 105 ـ 127 هـ) ولكن هذه الإحصاءات لم تصل إلينا فقد ضاعت في جملة ما ضاع من آثار بني أمية ولما تولى بنو العباس أهملوا أمر العرب حتى إذا بويع المعتصم بالله سنة 218 هـ بعث إلى عماله في الأمصار أن يسقطوا من دواوينهم العرب ويقطعوا العطاء.‏


وتزودنا المصادر السريانية بمعلومات متصلة عن إحصاءات أهل الذمة وتبين أن العرب قاموا بأربعة تعدادات ومن أهم من عالجوا هذا الموضوع هو التلمحري (تلمحره ـ موضع في سورية على نهر البليخ (الجزيرة) والتلمحري ت 849 م ولده في تلمحره ـ بطريرك السريان 818 ـ كتب تاريخاً كبيراً فقد معظمه تناول الفترة بين 582 ـ 842 فاعتمده المؤرخون اللاحقون ولخصوه مراراً. وميخائيل السوري (ميخائيل الكبير 1126 ـ 119) بطريك اليعاقبة له بالسريانية كتاب الحوليات في تاريخ الكنيسة والشرق وهو مرجع قيم.‏


ويستفاد مما تقدم أن العرب عرفوا التعداد بنوعيه التعداد السكاني والتعداد الزراعي وإحصاءات الدخل ودونوا ذلك كما طبقوا نظام التسجيل الحيوي وقاموا بالإحصاءات المتخصصة واستخدموا أسلوب العينات في دراسة بعض الظواهر السكانية. ولو بقيت سجلات الإحصاء حتى الآن لو قفنا على صورة مفيدة لتوزيع السكان.‏


ج ـ تبلور هذا الجانب واستخدامه في فروع المعرفة الأخرى:‏


لعل ابن خلدون والمقريزي وأحمد بن الدلجي هم من أشهر الذين اهتموا في الجانب السكاني واستخدموه في تأييد مقولاتهم وعلومهم حسب الأهمية والسبق الزمني. وإذا كان التسلسل الزمني يقتضي أن نبدأ أولاً بابن خلدون يليه المقريزي وصولاً لابن الدلجي فإن اتساع جانب ابن خلدون واستخدامه لعلم التوزع السكاني كمدخل ضروري ومنهجي لعلمه الجديد العمران ثم بيانه لأثر السكان في بعض الظواهر وأثر بعض الظواهر في السكان يحملنا على الوقوف وقفة أطول ويجعلنا نقدم المقريزي والدلجي عليه في التسلسل:‏


1 ـ المقريزي (766 ـ 845 هـ):‏


تعتبر كتابات المقريزي في الميدان السكاني مرحلة متطورة وتقترب اقتراباً ملحوظاً من كتابات ابن خلدون وقد يعود ذلك إلى توفر المصادر التي أفاد منها الاثنان كما ترجع أيضاً إلى تأثير التلميذ فقد درس المقريزي على ابن خلدون ولازمه أثناء وجوده في مصر. ويبدأ المقريزي في كتابه الاعتبار في ذكر الخطط والآثار بتحديد المنكشف من الأرض وبيان أن المعمور من الأرض هو القسم الشمالي وإن القسم الجنوبي خراب لا عمران فيه حيث يقول: فأما المنكشف من الأرض مما يلي من خط الاستواء فهو خراب والنصف الآخر الذي يلي الشمال من خط الاستواء فهو الربع العامر وهو المسكون من الأرض. وإذا كان المقريزي قد تبنى آراء الأقدمين في هذا الصدد إلا أنه يبين أسباب تركز السكان في هذا القسم وأرجعه إلى اعتدال الوسط، وامتاز المقريزي عمن سبقه ببيان أماكن التجمع السكاني وتحديد شكله ونمطه على نحو ما يتحدث عنه الجغرافيون المعاصرين ولكن بشكل آخر وبتشبيه لا يخلو من طرافة وابتكار إذ يأخذ عنده التمركز السكاني شكل طائر رأسه الصين وجناحه الأيمن الهند والسند وجناحه الأيسر الخزر وصدره مكة والعراق والشام وذنبه الغرب (أوروبا شمالي أفريقيا) ويتفق مع ما قرره المعاصرون من حيث المناخ في النبات والحيوان. وقد ربط المقريزي بين الوضع المناخي لكل إقليم وبين عدد المدن الكبيرة التي يحتويها الإقليم حيث يستفاد مما كتب أن المدن الكبيرة تتزايد حسب درجة اعتدال الإقليم. فالإقليم الأول يحوي 50 مدينة والإقليم الثاني 54 مدينة والإقليم الثالث 128 مدينة الإقليم الرابع 214 مدينة والإقليم الخامس 200 مدينة والإقليم السادس 90 مدينة والإقليم السابع 22 مدينة. ولم يخف عن المقريزي أثر الوضع الاقتصادي في مختلف طبقات المجتمع فقد عالج في كتابه "إغاثة الأمة في كشف الغمة" مستويات الأسعار وخاصة أسعار المواد الغذائية وأثر تقلباتها على مختلف طبقات المجتمع كما وصف ما رآه علاجاً لهذه الأحوال الاقتصادية.‏


2 ـ أحمد ابن الدلجي (770 ـ 838 هـ):‏


اشتهر ابن الدلجي في معالجة القضايا الاجتماعية كالفقر والفقراء وبخاصة في كتابه الفلاكه والمفلكون وتعرض إلى مسائل سكانية في غاية الأهمية. فقد أورد نصاً من حيث القوة والضعف وهو بذلك يتفق مع بعض ما أورده المعاصرون الذين كتبوا عن أثر الحرارة والبرودة في الإنسان والحيوان والنبات وبعض الظواهر الطبيعية ثم تكلم عن اختلاف الصفات ونوه بأن من كان من السكان يميل إلى ناحية الجنوب فهم أتم ذكاء وفهماً ومن كان يميل إلى ناحية الشرق فهم أقوى وأشد ذكورة من كان يميل إلى ناحية الغرب غلب عليهم اللين والرزانة ومن الملاحظ أن ابن الدلجي قسم التجمعات السكانية حسب موقعها من خط الاستواء ومدار السرطان ومجموعة بنات نعش حسب الترتيب التالي:‏


ـ المجموعة الأولى: وهم السودان وتسامت مساكنهم خط الاستواء.‏


ـ المجموعة الثانية: وهم أهم الهند واليمن وبعض أهل المغرب وفارس والصين وتقع مساكنهم أقرب محاذاة إلى مدار السرطان.‏


ـ مجموعة الثالثة: وهم أهل العراق والشام وخراسان وفارس والصين وتقع مساكنهم على مدار السرطان إلى محاذاة بنات نعش.‏


ـ المجموعة الرابعة: وهم الترك والصقالبة وتحاذي مساكنهم بنات نعش.‏


والشيء الهام في هذا التوزيع السكاني أنه يقوم على معيار جغرافي فلكي، ثم يسمى البلدان التي تقع في كل مجموعة بأسمائها المعروفة في ذلك العصر وهي تقترب اقتراباً وثيقاً إلى ما يعتبره المعاصرون أماكن للازدحام السكاني.‏


وفي معرض مناقشة الحرف العلمية وكونها كمالات نفسية وطاعة من الطاعات يشير ابن الدلجي إلى الآثار الاقتصادية للسكان حيث يبين أثرهم. فكلما كبرت المدن وازداد عدد سكانها كما ازدادت صنائعها ونفقت أسواقها وذلك خلافاً للقرى والمدن الصغيرة التي لا يوجد فيها كما يوجد في المدن الكبيرة بسبب قلة عدد سكانها.‏


ابن خلدون (732 ـ 808 هـ):‏


يتفق الباحثون العرب والأجانب أن ابن خلدون قد تعرض إلى نواح وقضايا سكانية بيد أنهم لم يعطوها الأهمية الواسعة إذ أشاروا إليها عرضاً بين تضاعيف كتابتهم حينما حاولوا أن يبحثوا عند علم الاجتماع وفلسفة التاريخ ولكنهم لم يشيروا إلى أنه أول من استخدم علم السكان كمدخل أساسي وضروري في المنهج الذي اتبعه في كتابه علم العمران وبيان أثر السكان في القضايا الاجتماعية بعلمه الجديد العمران.‏


فقد اهتم ابن خلدون بتوزيع السكان على وجه البسيطة فتكلم عن الأرض وكرويتها وخطوط الطول والعرض فيها وتقسيمها إلى سبعة أقاليم وبيان أي إقليم أعمر بالسكان وأغرى للسكان ودور السكان في اقتضاء الحاجات لما في طباعهم على المعاش".‏


وعلى هذا فمتطلبات منهج علم العمران ونسق معالجاته اقتضت من ابن خلدون أن يكتب عن الأرض وشكلها وملاءمتها العيش ثم توضيح كيف يتوزع عليها البشر وما هي دوافع وعوامل هذا التوزيع وأي الأقاليم يحظى بجذب الناس، وأي الإقليم لم يحظ بذلك، كما أن اجتماع الناس ومساكنة بعضهم لبعض يتطلب منهم التعاون والتآلف لاقتضاء الحاجات وتبادل المنافع حتى تقوم المجتمعات وينهض العمران، ويتطور هذا العمران كلما تطورت علاقة المجتمعات البشرية مع ظواهر الحياة ومقوماتها من زراعة وحرف وصناعة وسلطة إلى أن تتحقق وتتأثل الحضارة.‏


وهكذا فالمقدمة السكانية التي أوردها ابن خلدون ومهد بها إلى علم العمران هي مقدمة متلازمة عضوياً بل هي جزء مدخلي إلى علمه الجديد المبتكر وأساس من أسسه.‏


وعلى هذا يبدأ ابن خلدون أول ما يبدأ بتعريف علم العمران ثم ينتقل إلى بحث القضايا السكانية ببيان الاجتماع الإنساني وتوزيع السكان غير المتساوي على وجه المعمور مبيناً أن الخلاء والقفار أكثر من المناطق المعمورة وأن الأرض من جهة الشمال أكثر عمراناً من جهة الجنوب فيقول "اعلم أنه تبين في كتب الحكماء الناظرين في أحوال العالم أن شكل الأرض كروي وأنها محفوفة بعنصر الماء كأنها عنبة طافية عليه فانحسر الماء عن بعض جوانبها لما أراد الله من تكوين الحيوانات فيها وعمرانها بالنوع البشري الذي له الخلافة على سائرها... ثم إن هذا المنكشف من الأرض فيه القفار والخلاء أكثر من عمرانه والخالي من جهة الجنوب أكثر من جهة الشمال... وإنما المعمور فيه أميل إلى الجانب الشمالي على شكل مسطح كروي ينتهي من جهة الجنوب إلى خط الاستواء ومن جهة الشمال إلى خط كروي ينتهي وراء الجبال الفاصلة بينه وبين الماء".‏


كما يبين ابن خلدون أن أنماط التجمع السكاني ليست واحدة في جميع الأقاليم السبعة بل تختلف عن بعضها بعضاً من إقليم إلى آخر حيث يقل السكان في بعض الأقاليم ويكثر عددهم في بعضها الآخر.‏


أما بالنسبة إلى العوامل المؤثرة في التوزيع السكاني، فقد وصف المعاصرون أن التوزيع السكاني يتأثر ويتجدد نمطه بعوامل تتصف بالتعقيد والتغيير وهذه العوامل هي العوامل الجغرافية (المناخ وشكل الأرض والتربة والعوامل الأخرى مع الترابط بين المناطق).‏


والعوامل الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية، وقد تعرض ابن خلدون إلى هذه العوامل بشكل أو بآخر ووصل في بعضها إلى حد لا بأس به من القرب من مقولات المعاصرين. فقد أشار في معرض بحثه حول العوامل الجغرافية إلى طبيعتها المركبة وإلى أثرها في تمركز السكان وتوزعهم وعامل التضاريس وأثر التربة، ففي الأقاليم التي يشتد فيها الحر يقل عدد السكان وفي الأقاليم التي يفرط فيها البرد يقل عددهم أيضاً في حين أنهم يكثرون في المناطق المعتدلة وتكثر معهم مظاهر العمران. كما أن التربة غير الصالحة لا تنبت زرعاً ولا عشباً ويبين أن اعتدال الطبيعة والتربة يؤديان إلى الخصب والنماء وبالنتيجة إلى قيام العمران وتكاثر السكان. ومن الملاحظ أن مدلول اعتدال الإقليم عند ابن خلدون لا يدل على اعتدال المناخ بل يشمل عدداً من التوافيق التي تدل على الطبيعة المركبة للعامل الجغرافي. وما سمي الإقليم معتدلاً عنده إلا لاعتدال حرارته وتربته وتوفر معادنه وموافقه تضاريسه وقد يشذ أحياناً عنصر عن العناصر.‏


وبعد أن تكلم ابن خلدون عن التوزيعات السكانية على مستوى العالم انتقل في بحثه حول طبيعة العمران إلى تقسيم السكان إلى قسمين بدو وحضر تمشياً مع المنهج الذي يقتضيه علمه الجديد العمران لأنه ينصب على دراسة العمران في المجتمعات القائمة سواء أكانت حضرية أم بدوية. وقد وضع معايير علمية في التفريق بين القسمين وهذا المعايير أقرب ما تكون إلى المعايير المعاصرة ونستطيع أن نلتمس ذلك من نصه الذي يعرف فيه العمران فيقول: "العمران هو التساكن والتنازل في مصر أو حله للأنس بالعشير واقتضاء الحاجات لما في طباعهم من التعاون على المعاش"... ومن هذا العمران ما يكون بدوياً وهو الذي يكون الضواحي والجبال والحلل المنتجعة في القفار وأطراف الرمال ومنه ما يكون حضرياً وهو الذي في الأمصار والقرى والمدن.‏


وإذا شرعنا في التماس المعيار الذي استند إليه المفكر العربي في تقسيمه للمجتمعات نجد أن المعيار الاقتصادي هو المعتمد إذ يقول: "إن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش... فمنهم من يستعمل الفلح من الغراسة والزراعة ومنهم من ينتحل القيام على الحيوان من الغنم والبقر والمعز... ويلي ذلك الإشارة إلى الحضر ومعناه الحاضرون أهل الأمصار والبلدان ومن هؤلاء من ينتحل في معاشه الصنائع ومنهم من ينتحل التجارة وتكون مكاسبهم أغنى وأرفه.‏


ويستفاد من نصوص ابن خلدون أنه قام بتصنيف تدريجي للريف والحضر فقد قسم البدو إلى الفلح وهم سكان القرى والجبال والشاوية ورعاة الإبل.‏


إذن فالتدريج الريفي عنده هم الفلح والشاوية ورعاة الإبل في البادية.‏


أما معيار التوزيع الحضري فكان على حظ مقدار المدينة من العمران فذكر أن المدن على أربعة أنواع فمنها الصغيرة ومنها المتوسطة ومنها الكبيرة ومنها العملاقة التي تجاوز الحد ويقابلها في التعبير عنده زخر بحر العمران واستبحر العمران وخرج عن الحد العمران وقد اعترف الرحالة الأجانب بقيام بقيام مثل هذا المدن (401).‏


ويعتبر ابن خلدون من أبرز المفكرين الذين يبنوا أثر السكان في النواحي الاقتصادية والاجتماعية فقال "إن تفاضل الأمصارو المدن في كثرة الرزق لأهلها إنما هو في تفاضل عمرانها. ولم يخف عليه قانون العرض والطلب وأثر ذلك في الأسعار فعمل على بيان أسباب غلاء الصنائع والأعمال في المدن وقال بأن ذلك يعود إلى استبحار العمران ثم إذا كان القطر مستبحراً موفور العمران كثير حاجات الترف توفرت حينئذ الدواعي على طلب تلك المرافق والاستكثار منها كل بحسب حاله فيقصر الموجود منها عن الحاجات قصوراً بالغاً ويكثر المستامون لها وهي قليلة في نفسها فيزدحم أهل الأغراض ويبذل أهل الرفه والترف أثمانها بإسراف في الغلاء لحاجتهم إليها أكثر من غيرهم فيقع فيها الغلاء كما تراه (ص 363).‏


ويفرق ابن خلدون في هذا الصدد بين الحاجي والكمالي فعندما يكثر عدد السكان يقل سعر الحاجات الضرورية بسبب حاجة الناس الملحة إليها واجتهادهم في تأمينها وعلى هذا يظل عرض هذا النوع من السلع مرناً وبالمقابل فإن أسعار الحاجات الكمالية ترتفع بسبب كثرة الطلب عليه ومحدودية العرض. أما إذا قل عدد السكان وتراجع العمران فإن الأمر سيكون معكوساً فيقول "اعلم أن الأسواق تشتمل على حاجيات الناس فمنها الضروري وهي الأقوات ومنها الحاجي والكمالي مثل الفواكه والماعون والمراكب... فإذا استبحر العمران وكثر ساكنه رخصت أسعار الضروري من القوت وما في معناه وعلت أسعار الكمالي وإذا قل المصر وضعف عمرانه كان الأمر بالعكس" (363).‏


وإذا كانت هذه الحالة هي الوضع الطبيعي عنده إلا أنه يختلف الأمر عندما يدخل على هذا الوضع أمر غير طبيعي كوقوع الآفات السماوية وقيام الاحتكار فعندها يقل العرض وترتفع الأسعار. وبهذا إشارة هامة من ابن خلدون إلى تعطل القوانين الطبيعية التي تحكم الأسواق بسبب تدخل عارض غير طبيعي كالاحتكار وغيره.



مصطفى العلواني : مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 23 - السنة السادسة - نيسان "ابريل" 1986 - شعبان 1406 :



هناك تعليق واحد :

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية