مفهوم البيئة في الفكر الجغرافي

مفهوم البيئة في الفكر الجغرافي


مفهوم البيئة لا يَعني دراسةَ البيئة الطبيعية لذاتها، كما هو الشأنُ عندَ البيولوجيِّين أو الإيكولوجيِّين؛ بل هو مفهومٌ أعمقُ، حيث يدلُّ على عَلاقة التأثير المتبادل بيْن الإنسان ومحيطه البِيئي، وقدِ احتلَّ هذا المفهوم -ولا يزال- مكانةً كبيرةً في عِلم الجغرافيا.

وقد دَخَل إليها بفعْل احتكاك وتأثُّر الجغرافيا بالعلوم الطبيعيَّة، خاصَّة وأنَّ العالِمَيْن اللَّذين أدخلاَ هذا المفهوم إلى الجغرافيا كانَا مِن علماء الطبيعة، سواء تعلَّق الأمر بـ"ألكسندر فون همبولت" (عالم طبيعي وفيزيائي)، أو بـ"كارل ريتر" (عالم طبيعي ونباتي).

هذا المفهومُ سوف يُستعمل أكثرَ في الفِكْر الجغرافي منذ النصف الثاني من القرن 19؛ بفعْل تأثُّر الجغرافيِّين بنظرية "دارون" حولَ النشوء والتطوُّر، والتي تقوم على أساس العلاقات المتبادلة بيْن الكائنات الحيَّة والوسط البيئي؛ لذلك فإنَّ الجغرافيِّين حاولوا تطبيقَ هذه النظرية، انطلاقًا من دراسة العلاقة بيْن الإنسان والوسط الطبيعي، وقد تبلور هذا المفهومُ أكثرَ بعد ميلاد علم الإيكولوجيا (Ecologie) على يدِ البيولوجي الألماني "إرنست هيكل" - كما رأينا آنفًا[1].

وتجدُر الإشارةُ إلى أنَّ مفهومَ البيئة في الفِكر الجغرافي قد عَرَف تذبذبًا قبل أن يستقرَّ على مضمونه الحالي، ففي نهاية القرن 19 كانتْ كلمة البيئة في الجغرافيا مرادفةً لكلمة الإيكولوجيا في العلوم الطبيعيَّة، فإذا كانتِ الإيكولوجيا تدرس العلاقةَ بيْن الأحياء ومسكنها الطبيعي (biotope)، فإنَّ مفهوم البيئة في الجغرافيا آنذاك كان يدرس "الأرْض باعتبارها موطنَ الإنسان"؛ أي بعبارة أخرى: دراسة تأثير بيئة الأرض على الإنسان؛ ممَّا أدَّى إلى نشوء المدرسة الحتمية الطبيعية في الجغرافيا (Déterminisme).

خلال النصف الأول من القرن 20، ازداد مفهومُ البيئة في الجغرافيا اتساعًا، بحيث لم يعُدْ يقتصر على دراسة تأثير البيئة الطبيعية على الإنسان؛ بل أصْبح يشمل كذلك دراسةَ عَلاقة الإنسان ببيئته البشرية، وهو ما عبَّر عنه الجغرافيُّ الأمريكيُّ "باروز Barrows"سنة 1923 بقوله: "الجغرافيا هي علمُ الإيكولوجيا البشرية، إنها ترْمي إلى توضيح العَلاقة بيْن البيئات الطبيعية والإنسان، وإنَّه لَمِن الحِكمة أن ينظرَ الجغرافيُّون إلى هذه المسألة من حيثُ تكيُّف الإنسان مع بيئته أكثرَ من التأثير البيئي، إنَّ محور الجغرافيا هو دراسة البيئة البشرية".

وإذا كانتِ الجغرافيا خلالَ الخمسينيات والستينيات قد تخلَّت -ولو مؤقَّتًا- عن مفهوم البيئة؛ بفعْل ظهور مفاهيم وانشغالات جديدة (دراسة الأنشطة الاقتصادية والبشرية...)، فإنَّها سرعانَ ما جدَّدتِ اهتمامها بهذا المفهوم منذ بداية السبعينيات؛ بفعْل ظهور "أزمة البيئة"، ولكن هذه المرَّة بمنظور آخرَ، وهو دراسة تأثير الإنسان على البيئة، وهكذا أصبحتْ جغرافية البيئة اليومَ تعالِج مظاهرَ اختلال التوازن البيئي، ودور الإنسان وانعكاسات أنشطته على ذلك، وبذلك أصبح للبيئة في الفِكْر الجغرافي المعاصر مفهومٌ أكثر اتساعًا وشمولية.

ويُمكن تعريفُ البيئة -على تعبير الدكتور محمد بلفقيه- كما يلي: "البيئة هي نسيجٌ من التفاعلات المعقَّدة التي تحدُث بين جميع مكونات المحيط الطبيعي، من كائنات حيَّة، والتي تكوِّن ما يُسمَّى بالرابطة الحياتية Biocénose (إنسان، حيوان، نبات...)، وعناصر غير حية، والتي تكون ما يسمى بالمحيا Biotope (التضاريس، المناخ، الماء، الهواء، التربة...)، ويشمل هذا المفهوم البيئةَ المستحدثة من طرف الإنسان Noosphère، والتي تكوِّن ما يسمَّى بإطار العيش Cadre de vie، ويُطلق على جميع عناصر ومكوِّنات البيئة، وما يَسُود بينها من علاقات نِظامية اسم: المركَّب البيئي Ecosphère، ويشتمل هذا المفهوم كذلك على المشاكل البيئية المتعلِّقة بتدهُّور الغلاف الحيوي La biosphère للأرْض؛ بفعل أنشطة الإنسان المخلَّة بالتوازن الطبيعي[2].


















أ- من الجغرافيا الوصفيَّة إلى الجغرافيا البيئية:
توازَى تطوُّر عِلم الجغرافيا مع تطوُّر الفِكْر والممارسة في مجال قضايا البيئة؛ ليتطوَّر المنظورُ البيئي إلى عِلْم مستقل، له مفرداتُه وأدواته، ولُغته الخاصَّة التي تَجمع بيْن الهموم البيئيَّة والمعارف الجغرافية، مع الاستفادة مِن علوم حيويَّة مختلفة، فظهر ما يُعرَف بالنُّظُم البيئية.

وقدْ كان للجغرافيِّين إسهاماتُهم المعتبَرة في هذا المجال منذ أنْ صاغ Haggett & Strahller تعريفاتٍ للإيكولوجيا، إلى أنْ أصبح هناك فرْعٌ جغرافيٌّ خالص يهتمُّ بدَور العنصر البشري في البيئة الطبيعية، فظهر "علم الجغرافيا البيئية"، كمساحة وسيطة وصاعدة بيْن العلوم، تستحقُّ اهتمامًا أكبر[3].

ب- البيئة نحو علم يتحرَّك:
وقد أورد صاحبُ كتاب "المدخل إلى البيئة البشرية" (ميشال باربو) Michel barbault في "مذكرة حولَ علم البيئة بفرنسا": "إنَّنا ننتقل الآن من علم بيئة ثابت وتفسيري، إلى عِلم بيئة متحرِّك مندمج ومتنبئ، إنَّنا في الحقيقة نتحوَّل إلى علم بيئة تطبيقي"[4].

استدلَّ العلماءُ الذين دافعوا عن موضوعِ البيئة كعِلمٍ قائم الذات، بأنَّ الشروط الثلاثة المطلوبة في أيِّ علم.

وهي: "الموضوع"، و"المناهج"، و"النتائج"، متوافِرة فيه، وقسَّموا مجالَ اهتمام هذا العلم إلى قسمين:
علم البيئة الأساس: ويهتمُّ بدِراسة العلاقات بين الكائنات ومحيطها.

علم البيئة التطبيقي: يدرس النُّظُم وتصنيفاتها.

إنَّ العلم يقدِّم تفسيراتٍ وقتيةً ومرحلية، ويقترح مناهجَ لتطويرالتفسيرات، وتعديل فجوة اللايَقِين، وهذا يعني أنَّ العلم يُسهِم في اختيارات المجتمع، لكنَّه لا يملك أيَّة شرعية لدعْم خيار على آخر، ففي كلِّ لحظة على البشر أن يبنوامشروعَهم؛ أي: أن يختاروا برنامجًا للمصالحة تكون له آثارٌ مأمولة على المستويين؛ المحلي والعالمي.

ج- البيئة والمدارس الجغرافية الكبرى:
أثار موضوعُ البيئة نقاشًا ساخنًا، وجدلاً كبيرًا في أوساط الجغرافيِّين منذ القرن 19 إلى اليوم، ممَّا أفرز مدارسَ جغرافية بيئية مختلفة:
أ- مدرسة الحتمية الطبيعية: والحتمية البيئية مِن الناحية الجغرافية تَعْني ضرورة تكيُّف الإنسان مع محيطه الطبيعي، حتى يُكتبَ له البقاء، تأثَّرت بفكر تشارلز دارون Darwin 1858 وزميله ألفريد ولاس A.Wallas عن التطوُّر العضوي، والبقاء للأصلح، حيث اعتنق هذه الفِكرةَ مِن الوجهة الجغرافية الألمانيُّ راتزل 1882 Ratzel، ومِن بعده ديفيز Davis وسامبل Sambel، وأخيرًا هنتنجتون Huntington بالولايات المتحدة الأمريكية، وهي فكرةٌ تتجاهل القدراتِ التقنيةَ والعلمية التي سهَّلت لدول صغيرة محدودة الموارد - مثل اليابان.

ب- مدرسة الحتمية الحضاريَّة: ويُمكن اعتبار عام 1922 بدايةَ الانتفاضة والثورة على الحَتْم البيئي، وذلك على يَدِ الفرنسي بول فيدال دي لابلاش، خلال كتابه "مبادئ الجغرافيا البشرية"، ثم جاء كارل ساور Sawar في 1925 بالولايات المتحدة مؤسِّسًا لمدرسة جديدة مناهضة للحَتْم البيئي، أطلق عليها مدرسة اللاندسكيب (هيئة الأرض/ المشهد) Landscape، التي تهدف إلى أنَّ الأرض وما بها من موارد ملْك الإنسان؛ أي: إنَّ قيمتها تتحدَّد وَفق حاجته لها، واستغلاله إياها، بما يعني الحرية الكاملة للإنسان، ومناقضة مبدأ الحتْم السابق.

ج- مدرسة التفاعُل المتبادل: إذا كانتِ المدرسة الأولى تركِّز على الجوانب الطبيعية، وتهمِّش الجوانب البشرية، والثانية تعمل على العكس، فإنَّ مدرسة التفاعل المتبادل ترى أنَّ ذلك مناقضٌ للحقيقة العلمية، ولمنطق التفكير الجغرافي، الذي يتناول الظواهرَ في علاقتها التفاعليَّة.

فالفصلُ بيْن ما هو طبيعي وما هو بشَري هو تشويهٌ للحقائق، وهو شيءٌ مفتَعَل، كما أنَّه لا يُمكِن الفصْل بيْن الأسباب والنتائج؛ لأنَّ ما هو نتيجةٌ يمكن أن يُصبح سببًا، والعكس صحيح.


[1] Donald McTAGGART, décembre 1988, LA GÉOGRAPHIE MODERNE ET LA PENSÉE ÉCOLOGIQUE, CAHIERS DE GÉOGRAPHIE DU QUÉBECVol. 32, no 87321-326
[2] محاضرات الأستاذ محمَّد بلفقيه للموسم الجامعي 1996- 1997.
وبلفقيه محمد، 1991، الجغرافيا القول عنها والقول فيها،1 البحث عن الهوية، دار النشر العربي الإفريقي، الرباط.
[3] عادل معتمد عبدالحميد، المحيط الجغرافي والطبيعي: تطور دراسة النظم البيئية، موقع إسلام أون لاين، 08/12/2003.
[4] ميشال باربو، السنة1984، "مذكرة حول واقع البيئة بفرنسا "، مجلة رسالة البيئة، العدد 15، ص39.

ليست هناك تعليقات :

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية