آفاق التوسع الفلاحي


آفاق التوسع الفلاحي 

الدكتور عبد الله العوينة
كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط





آفاق التوسع الفلاحيوآثاره البيئية في الوطن العربي
مقدمة: 
يعتبر الوطن العربي من أقدم المجالات التي اشتغل فيها الإنسان بالزراعة والرعي المنظم للماشية. بل قد قامت على النشاط الفلاحي حضارات راقية، مثل حضارة النيل، أو أرض ما بين الرافدين، أو الحضارات الجبلية في الشام والمغرب العربي.
وقد أدى التوسع الفلاحي ودقة التقنيات التي رافقته، إلى تحولات في المشهد والبيئة، من أشهرها تحول الصحاري إلى واحات، وتحول السفوح الوعرة إلى جنان متدرجة. كما أن الرعي المتنقل في الصحراء وهوامشها مثل تكيفا عجيبا مع البيئة الجافة، حيث سمح بالحفاظ على الثروات النباتية واستمرار تجددها.
كما أن التوسع الزراعي الذي كان ملازما لفترات الرقي الحضاري والازدهار السكاني، تلازم مع تمديد وتطير أساليب ري الأراضي الجافة، وتصريف الماء عن الأراضي المغمورة أوقات الفيض. وهكذا اقترن التطور الحضاري بتطوير تقنيات التمكن من الماء، وقاية واستعمالات، من بينها تقنيات الحفاظ على الماء من السيل أو التبخر، رجاء في الرفع من استفادة النباتات منه. وفي تفادي السيل المباشر حد من خطورة الجريان في الرفع من استفادة النباتات منه. وفي تفادي السيل المباشر حد من خطورة الجريان التي يتسبب في انجراف الأتربة كما يتسبب في ضياع التجهيزات والمشيدات.
في الوقت الحاضر، صار للتوسع الفلاحي مدلول آخر، صار مبنيا على مفهوم الحاجة إلى المزيد من الإنتاج، جريا وراء ضمان الغذاء، من أجل الحصول على اكتفاء غذائي نسبي. ذلك أن الوطن العربي يشمل رقعة زراعية لا تتعدى 9.4 % من مساحته الإجمالية، الشيء الذي يجد المساحة بالنسبة للفرد الواحد في 0.6 هكتار. وهو مقدار هزيل جدا، ناتج عن جفاف أغلب أراضي الوطن العربي ووعورة الباقي منها. لهذا السبب فإن العجز الغذائي مهم. ويخص مواد استراتيجية مثل الحبوب واللحوم والزيوت والسكر. فالأمة العربية تستورد أكثر من نصف احتياجاتها من الحبوب وخمس احتياجاتها من اللحوم. وللحد من هذا العجز، عملت كثير من الدول العربية على سن برامج استثمار زراعية طموحة، جعلت البعض منها يتمكن من دخول صف المصدرين لبعض المواد الزراعية، مثل شمال إفريقيا بالنسبة للخضر والفواكه وبعض المزروعات الصناعية.
وتنبني هذه البرامج الزراعية أساسا على تكثيف الفلاحة للرفع من المحصول، إما عن طريق تحسين التقنيات أو عن طريق تمديد قنوات الري.
لكن لوحظ كذلك بأن التوسع الزراعي على حساب الأراضي السهوبية المستعملة كمراعي، اعتبر أحد سبل الرفع من الإنتاج. فتحولت كثير من أراضي الرعي المتنقل إلى مزارع دائمة، بعضها يحمل مزروعات بعلية خفيفة، والبعض الآخر زراعات مسقية بعد النجاح في اكتشاف واستخراج مياه باطنية. هذا التوسع الذي يحمل في طياته أهدافا تنموية لا تناقش، قد تكون له عواقب بيئية خطيرة إذا لم تراع المنظومات البيئية المعقدة، وتم الاستعمال بشكل جائر.
والأراضي الجافة هي مجالات حيث تركز الأمطار في وقت محدود، يجعل النباتات تتكيف مع هذا التركز، وتنمو بأسرع ما يمكن لتفادي حصول خصاص يكون مآله ذبولها وهلاكها. فهي تنمو في أقل من ثلث السنة، أي في أقل من 120 يوما. بل تنزل مدة الإنبات إلى ما دون ذلك في الصحاري القاحلة جدا. وهذا ما يجعل التربة الزراعية عارية مدة طويلة تتعرض خلالها إلى مختلف آليات الاقتلاع والإزالة.
وضمان النماء المستديم للزراعة في هذه المجالات يتوقف على صيانة التربة الجيدة القابلة لخزن الماء وقت الشح، وعلى تطبيق تقنيات زراعية تستهلك أقل ما يمكن من الماء مع ضمان إنتاجية مرتفعة، أو تقنيات رعي تحافظ على جودة المراعي وتنوع منتوجها النباتي.
والهدف من هذا المقال التنبيه إلى مخاطر سن سياسية تنموية غير وقائية للموارد الطبيعية.

i - واقع الفلاحة في الوطن العربي: ضيق الرقعة وصعوبة التوسع: 
يتمتع العالم العربي بموقع متميز يمنح له فرصة التنوع المناخي والتكامل بين بيئات مختلفة، الشيء الذي ينتج عنه تنوع الإنتاج واختلاف فصول المحصول.
لكن جل الأراضي تشكو من الجفاف. وتندمج المجالات الجافة في الوطن العربي أساسا ضمن النطاق الحار وهوامشه المتوسطية شمالا، أو المدارية جنوبا، وهي تتلقى أقل من 100 أو 150 مم سنويا، وتضاف إليها المجالات نصف الجافة الهامشية والتي تستقبل أقل من 500-600 مم.
جدول 1 : نسبة الأراضي الجافة في الوطن العربي 
آفاق التوسع الفلاحي وآثاره البيئية
http://www.4geography.com/vb/attachment.php?attachmentid=1036&stc=1&d=1313707137

المصدر: الكتاب المرجع في جغرافية الوطن العربي، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.

ويشتمل الوطن العربي على ما مقداره 1393 مليون من الهكتارات وتتميز هذه الأراضي بغلبة المجالات القاحلة وغير المنتجة داخلها إذ تغطي حوالي 67% من المساحة الإجمالية، مكونة من صحاري أو قمم جبلية وعرة. ولا تمثل الأراضي الزراعية (52 مليون هكتار) سوى 4% من المساحة الشمولية، الشيء الذي ينذر بمحدودية الإنتاج. أما المراعي الدائمة فهي أوفر حظا وتغطي 311 مليون هكتار (22% من المساحة). ومن الواجب أن نضيف إليها حوالي 80 مليون من الهكتارات تغطيها الغابات ومراعي أخرى غير دائمة (6% من المساحة).
الجدول 2 : مساحة ونسبة الأراضي حسب نوعيتها بآلاف الهكتارات في الوطن العربي.
آفاق التوسع الفلاحي وآثاره البيئية

http://www.4geography.com/vb/attachment.php?attachmentid=1037&stc=1&d=1313707035

المصدر: منظمة الأغذية والزراعة، المكتب الإقليمي، القاهرة، 1994

لكن هذا التوزيع يختلف حسب الأقطار، وذلك تبعا لموقفها. ففي البلدان الصحراوية كدول الخليج العربي، تتسم الأراضي المنتجة بمحدوديتها، عدا في المملكة العربية السعودية، حيث تغطي المراعي 40% من المساحة الإجمالية. وترتفع نسبة الأراضي المنتجة في الشرق الأدنى لتصل إلى أقصاها (79%) في سوريا التي تغطي بها الأراضي المنتجة (30 مليون هكتار من المراعي في الجزائر، 21 مليون في المغرب، أكثر من 21 مليون من الهكتارات المستعملة في الزراعة في دول شمال غرب إفريقيا الثلاث). لكن شساعة القسط الصحراوي من هذه البلدان، يجعل نسبة الأراضي المنتجة لا تتعدى 18% في الجزائر.
وينفرد السودان، أوسع قطر عربي، باحتوائه على أراضي منتجة شديدة التنوع. فهو يضم 12.5 مليون هكتارا من الأراضي الزراعية، أي أكثر من خمس الأراضي الزراعية العربية. ويضم إلى جانبها مراعي صحراوية، ومراعي عشبية مدارية، وغابة مدارية في أقصى جنوبه. وهذا يجعل من هذا البلد، القطر الذي يحتوي على الإمكانات الطبيعية لتنمية الزراعة الأكثر امتدادا وتطورا. والمقارنة مع مصر تبين شساعة الفرق على مستوى الإتاحات، حيث لا يضم هذا البلد الأخير سوى 2.5 مليون من الأراضي الزراعية، بينما تغيب الأنواع الأخرى من الأراضي المنتجة، ورغم ذلك، وبسبب ارتفاع الإنتاجية، استطاعت مصر أن ترقى إلى درجة عالية على مستوى المردود الزراعي.
وهذا يدل على أن امتداد المساحات المنتجة ليس وحده الكفيل بضمان الإنتاج المرتفع. فالكثافة الزراعية عامل أساس لتحديد هذا الإنتاج. ولا شك أن عامل ماء السقي في الدول العربية التي تشكو غالبا من الجفاف، له مفعول كبير، حيث يسمح بمردود عال من جهة ومن تعدد المحصول في نفس الأرض مرتين أو ثلاثا في السنة الواحدة (كما هو الحال في دلتا النيل).
وتمثل نسبة الأراضي المسقية من مجموع الأراضي الزراعية 100% في مصر. وانخفاض هذه النسبة إلى ما دون ذلك بكثير في دول الخليج لا يعني أن بعض الأراضي تستعمل بعلية، بل يدل على أن قسطا هاما من أراضي هذه الأقطار يبقى مستريحا، وذلك لارتفاع تكلفة الري، خاصة في المجالات حيث تستعمل تقنية تحلية مياه البحر لهذا الغرض. وهكذا لا تستعمل من الأراضي الصالحة للزراعة سوى 50% في البحرين، 25% في الكويت والإمارات، و36% في السعودية. أما في الشرق الأدنى والمغرب العربي، فإن الأراضي البعلية تمثل المساحات الغالبة، في مجالات تتلقى تساقطات كافية للحصول على مردود زراعي سنوي. لكن في هذه البلدان كثيرا ما تم تمديد الأرض الزراعية البعلية على حساب المراعي والغابات، الشيء الذي ينذر بحدوث آليات تدهور للتربة.
لكل هذا تعتبر الموارد الزراعية والرعوية في الوطن العربي محدودة بسبب شح التهاطلات وندرة المياه القابلة للاستعمال من أجل السقي. ويبقى قطاع الرعي، يشغل جل المساحات. وهذا ينم عن إمكانية إنتاج حيواني لا بأس بها، تثبتها أعداد الماشية التالية (22 مليون من الأبقار، و33 مليون من الغنم والماعز في السودان، إضافة إلى 29 مليون من الجمال، 6 مليون من الأبقار في الصومال، 21 مليون من الغنم والماعز في المغرب، 11 مليون من الغنم في السعودية...). لكن إنتاجية هذا القطيع من الحيوانات تبقى محدودة ومعتمدة أساسا على الغذاء الذي توفره المراعي السهوبية والصحراوية.
والمعروف أن الوحدات العلفية التي تنتجها هذه المراعي الجافة قليلة وقابلة للتراجع في سنوات الجفاف، بينما تخضر المراعي نسبيا في السنوات الممطرة. إلا أن ارتفاع عدد رؤوس الماشية يتسبب في تدهور هذه المراعي وتناقص مردودها.
كما أن الاحتياطي من الأراضي القابلة للزراعة محدود جدا. فقد ارتفعت الرقعة الزراعية في المغرب الأقصى من 7.9 مليون هكتار خلال السبعينات إلى 9.2 مليون في التسعينات. وقد تم غالبا على حساب السهوب والمراعي الجماعية. إلا أن إمكانيات تمديد الأرض الزراعية إلى ما فوق ذلك يعتبر صعبا، لأن هذا التمديد لن يتم إلا على أراضي شديدة الهشاشة والحساسية. وبالتالي سوف تكون له عواقب بيئية وخيمة.
والاحتياطي الوحيد من الأراضي الذي يمكن اعتباره مهما هو ذاك الذي يحتويه القطر السوداني حيث لا يستغل حاليا سوى خمس الأراضي القابلة للزراعة. إلا أن عدم الاستقرار لم يسمح أبدا بإقامة مشاريع زراعية تذكر، بل عرفت البلاد أزمات إنتاجية شديدة كان من جرائها خصاص قومي عام، بل مجاعات إقليمية خطيرة.

والمقارنة بين الساكنة والموارد الفلاحية يثبت أكثر محدودية الإمكانات المتوفرة 



الجدول 3 : السكان والأرض الزراعية
آفاق التوسع الفلاحي وآثاره البيئية

http://www.4geography.com/vb/attachment.php?attachmentid=1038&stc=1&d=1313707035

المصدر: منظمة الأغذية والزراعة، المكتب الإقليمي، القاهرة، 1994.
ذلك أن النمو الديموغرافي خلال العقود الأخيرة جعل نصيب المساحة الزراعية لكل فرد يتضاءل بشكل سريع. هذا النصيب يصل إلى أقصاه في السودان بمقدار نصف هكتار للفرد الواحد، ويتراوح في دول المغرب العربي بين 0.31 و0.5 وينزل إلى 0.1 هكتار في الدول الصحراوية مثل السعودية أو موريتانيا أو الدول الجبلية مثل لبنان. 

وينزل إلى ما دون ذلك في مصر، البلد الذي يعتمد فيه التوسع الزراعي على تمديد الري، وهو ما يتم فعلا بسبب إقامة مشاريع ضخمة للسقي في الصحراء وسيناء.
هذا النمو السريع في الساكنة (مثلا مرور عدد سكان مصر من 54 مليون نسمة سنة 1985 إلى 65 مليون اليوم) يخلق وضع عدم توازن بين الحاجة إلى الغذاء وإنتاجه. كما أن النمو الحضري يتزايد بوثيرة سريعة بسبب الهجرة القروية ويستنزف اليد العاملة للأرياف، الشيء الذي يؤدي إلى انخفاض الإنتاج نحو بعض البقاع المفروغة، كما هو الحال في السودان والصومال.
أما الاعتماد على الموارد الزراعية في الإنتاج القومي العام فهو جد مختلف حسب الأقطار. ففي بلدان الخليج العربي حيث الدخل القومي مرتفع (فوق 6000 دولار للفرد في السنة) لا تساهم الزراعة إلا بأقل من 5% من قيمة الناتج الإجمالي والوضع صحيح كذلك بالنسبة لليبيا. أما في البلدان المتوسطة الدخل القومي، مثل مصر، والجزائر، والعراق والمغرب، حيث يتراوح نصيب الفرد ما بين 500 و6000 دولار، فإن الاعتماد على الإنتاج الزراعي يكون مهما عادة (ما بين 10 و27% ). وهو يساوي 12% في الجزائر، 18% في العراق، 19% في المغرب، 21% في مصر و27 % في سوريا. وفي البلدان ضعيفة الدخل القومي (أقل من 500 دولار للفرد) ترتفع حصة الفلاحة من الناتج القومي الإجمالي (37% في موريتانيا والسودان، 65% في الصومال).
وهذا ينبئ بحدوث كوارث بيئية هامة في الدول التي تعتمد كثيرا على الفلاحة للرفع من إنتاجها القومي. ذلك أنه، بحثا عن الحفاظ على مدخول الفلاحة مرتفعا، وجريا وراء الرفع من الإنتاج، تضطر هذه المجتمعات إلى التكثيف من الاقتلاع والاستغلال، وهذا لا يمكن أن يتم - في هذه البلدان التي لا تتمتع بالتقدم التكنولوجي الكافي - إلا على حساب الموارد الطبيعية وبالتالي على الرأسمال الذي تمثله.
كما تشير نسبة مساهمة الفلاحة في الاقتصاد القومي إلى مدى تأثر هذا الاقتصاد بكل ما يطرأ على المنتوج الفلاحي من تغيرات مؤقتة من جراء كوارث طبيعية، كالجفاف أو الفيضانات، ومن تغيرات على المدى الطويل، تتمثل في عدة جوانب:
- تناقص المحصول الزراعي ببعض المواقع الهشة بسبب التصحر أو تدهور الأتربة، 
- اللزوم إلى التخلي عن بعض الأراضي بسبب تمليحها من جراء سقي غير متقن،
- نفاذ الموارد المائية لبعض الفرشات الباطنية بسبب الضخ المفرط الذي طبق عليها.
في كل هذه الحالات، تدهور الأتربة أو المياه ينذر بتضاؤل المنتوج المحلي وقد تكون له عواقب فيما بعد على المنتوج القومي إذا ما اتسعت رقعة التدهور.
ولقد انهارت النظم التقليدية القائمة على الزراعة المقلالة (زراعة بأساليب عتيقة في إطار مشارات مجهزة وبمردود ضعيف) أو على الرعي المتنقل، بعد أن انخفضت إنتاجية التربة وتلاشى الغطاء النباتي الموفر للكلأ. وقد اقترن ذلك بالمنافسة التي مثلتها الزراعة العصرية المحلية من جهة واستيراد المواد الغذائية من الخارج من جهة ثانية.
وهكذا صارت الفلاحة تتسم بالازدواجية بين قطاعين أولهما متأزم اقتصاديا واجتماعيا، والثاني يستخدم تكنولوجيا متطورة ورؤوس أموال عالية. إلا أن كليهما قد يكون له تأثير سالب على البيئة الطبيعية.
- القطاع التقليدي المقلال، في جبال وسهوب الوطن العربي، قائم على أسس التكامل بين زراعة محدودة المردود، ورعي تكميلي يدر على صاحبه مداخيل مؤقتة أساسية تسمح له بمواجهة المتطلبات العاجلة، واقتطاع للخشب من الغابة للتدفئة وإيقاد النار. فهو يتم على حساب الموارد الطبيعية أساسا بحثا عن المزيد من المردود للرفع من مستوى العيش.
- والقطاع العصري في السهول المسقية قائم على أساس التفاعل مع سوق الاستهلاك الوطنية والأجنبية ويبحث على الرفع من المدخول عن طريق التصدير.
وللاستجابة لهذا الهدف فإن الإنتاج مطالب بالتكثيف عن طريق استعمال المزيد من ماء الري والمزيد من المخصبات والمبيدات الحيوية. وهذا ما يفسر النزعة نحو تلوث مياه الفرشات الباطنية بموارد النيترات خصوصا وبعدد من المركبات الكيماوية السامة، ونحو تمليح أراضي المجالات المسقية.
وإغلاق الفجوة بين القطاعين يقتضي تصحيح التعامل مع الطبيعة في كلتا الحالتين. فبالنسبة للقطاع الأول، الإصلاح الاجتماعي عن طريق الرفع من الاهتمام بالمجالات العطوبة والهامشية، وذلك بتجهيزها على مستويات وسائل النقل والمواصلات، والتجهيز المدرسي والصحي، كفيل بأن يرد لها الاعتبار ويسمح لسكانها بإقامة زراعات ثمينة (فواكه - خضروات) بمردود جيد، وبقيمة خاصة اعتبارا لجودة بعض المواقع على المستوى الإيكولوجي، أو اعتمادا على تفادي استعمال المواد الكيماوية التي صارت معتادة في الإنتاجات العصرية.
أما بالنسبة للقطاع العصري فإن الحل يكمن في محاولة تحقيق توازن دائم. وقار بين الرغبة في الرفع من الإنتاجية والموارد التي يقوم عليها المحصول. وهذا يقتضي تهيئة على المستوى المجالي والمؤسساتي أي على مستوى السياسة الفلاحية والتجارية.
ii - إشكالية تدهور الأراضي والتصحر:
تشهد العديد من الأراضي في الوطن العربي توسعا زراعيا غير محافظ على الثروات يسمح بانطلاق مسلسل للتدهور قد يصل إلى بلوغ درجة التصحر. وهذا يدعونا إلى التذكير بخواص البيئة الجافة وما تتسم به من هشاشة.
1.2 - الأراضي الجافة، خواصها: 
تتلقى الأراضي الصحراوية العربية أقل من 100 مم من الأمطار سنويا، وتضاف إليها المجالات نصف الجافة الهامشية والتي تستقبل أقل من 300-400 مم. عنف التشميس وارتفاع الحرارة مسؤولان عن قوة التبخر وبالتالي ضعف حضور المياه السطحية. فالتشميس السنوي يتعدى 3250 ساعة في وسط الصحراء ولا ينزل دون 3000 ساعة سنوية إلا في الهوامش المتوسطية. هذا الصفاء الجوي يسمح بتسجيل حرارات جد عالية قد تصل إلى 50 درجة تحت المخبأ، لتصل حتى °78 فوق الرمال أو الصخور العارية. وحرارات الليل تبقى عالية في المجالات المدارية، بينما تنخفض في الهوامش الشمالية حيث تسجل حرارات دنيا تحت الصفر، وتتعد أيام الصقيع. أما قلة الأمطار فهي راجعة لديمومة الضغط الجوي المرتفع وندوة وصول اضطرابات جوية من أصل قطبي أو مداري. وتغطي الصحراء الإفريقية - العربية مساحة 12 مليون كلم 2 وتمتد على مسافة 7500 كلم بين المحيط الأطلنتي والخليج العربي (أبراهامس وآخرون، 1990 ). وهي صحراء دائمة الجفاف قد تنزل أمطارها إلى ما دون 10 مم سنويا في بعض أجزاء الصحراء المصرية. 
أما المظاهر الصحراوية فهي موروثة عن فترات مطيرة، كانت فيها المجاري أوفر وأعم، خلال الهلوسيين، والرباعي والثلاثي الأعلى ويتضح ذلك من خلال توفر أودية وخوانق في المناطق الجبلية والهضبية، وحقول من الجلاميد والحصى تكون الرق الصحراوي الغريني عند سافلة الأودية الكبرى. وكلها أشكال غير نشيطة حاليا، بها عتبات مملوءة بتراكمات رملية.
ذلك أن آليات النقل الريحي وترسيب الرمال معممة في مجالات ممتدة. فهناك التراكمات الواسعة (عروق) والسطوح المنحوتة من طرف الرمال. أما عروق الجنوب (موريتانيا - السودان) فهي تتميز باستقرارها النسبي، الشيء الذي تدل عليه ظاهرة التحام الرمال، وتعرضها للتفسخ والاحمرار، تحت ظروف أرطب من الحالية. وقد عرفت هذه العروق المثبتة في سنوات الجفاف، تراجعا للغطاء النباتي أدى إلى إعادة تحريك رمالها.
وفي الهامش الشمالي من الحزام الجاف العربي، توجد صحاري أصل جفافها راجع لموقعها وراء حاجز تضاريسي. تلك حالة عدد من المنخفضات الداخلية في شمال إفريقيا، مثل السهول العليا المغربية الجزائرية، وسهول الشام والعراق، وهي مجالات توجد عند عروض متوسطية، تتميز حرارتها بالاعتدال وبنزول رياح جافة إليها على إثر مرور اضطرابات تصيب المرتفعات التي تحدها.
2.2 - تدهور الأراضي الهامشية والتصحر:
تصيب الأراضي غير الصحراوية آليات تدهور جد متنوعة، يدخل ضمنها تراجع المراعي، وتأثر الأراضي الزراعية وخاصة المسقية منها. وهذه العوامل مجتمعة تهدد ساكنة مهمة بتضاؤل المردودية والمدخول، كما تهدد المنظومات الحيوية بالتقهقر، والإفقار.
والتصحر هو النهاية القصوى لهذا التدهور، عندما يضطر الإنسان إلى مغادرة تلك المجالات القاحلة، بعد نضوب كل إمكانات الحياة بها. وهكذا يصبح التصحر نتاجا لاستعمال مفرط، دهور الموارد وقضى عليها. والإنسان هو المسؤول أصلا، لكنه يصبح بعد ذلك ضحية.
في سنة 1977 اقترح مؤتمر الأمم المتحدة التعريف التالي للتصحر واعتبر أنه تضاؤل تهدم الإمكانات البيولوجية للأرض بشكل يؤدي إلى بروز مظاهر صحراوية، في وقت كانت فيه الحاجة إلى مزيد من الموارد والإنتاج لإشباع الحاجيات المتزايدة للسكان (منظمة الفاو، روما). أما تعريف 1992 فهو كالتالي: "التصحر عبارة عن تدهور الأراضي في المنظومات البيئية الجافة، نصف الجافة وشبه الرطبة، تحت تأثير عوامل متعددة تضم إلى جانب الأنشطة البشرية التغيرات المناخية (مؤتمر الأمم المتحدة حول البيئة والتنمية). وهذا التعريف الثاني نتاج اصطدامات فكرية وسياسية بين دول الجنوب والشمال ويضم في طياته اتهاما للمعطيات المناخية الكونية ونوعا من تبرئة الإنسان. كما يضم هذا التعريف ظاهرة استحالة الرجعة في إطار الظروف الاقتصادية والتنمية الحالية. ذلك أن التصحر يؤدي إلى المجاعة في المناطق الفقيرة (السودان - الصومال) بينما تأثيره الاقتصادي محدود في البلدان الغنية، وله مفعول بيئي واجتماعي في البلدان المتوسطة.
وامتداد المجالات المتصحرة لا يتم بالإلزام عند الهوامش المباشرة للصحراء، بل على شكل جيوب بعيدة في بعض الحالات. ذلك أن التدهور يصيب بعض النقاط الهشة من سطح الأرض، حيث تتخذ الآليات الطبيعية سرعة وعنفا خاصين بسب الظروف المحلية للمجال. هذه الجيوب قد تتصل فيما بينها بعد ذلك مؤدية إلى تعميم ظاهرة التصحر في الهوامش الأصلية للصحراء.
ومن بين مؤشرات التدهور هذا: تراجع الغطاء النباتي تحت وطأة الاستغلال إلى حين انطلاق عوامل انجراف مائية تقتلع التربة، أو عوامل ريحية تقتلع من تلك التربة عناصرها الدقيقة الخصبة. من هذه المؤشرات كذلك تمليح الأراضي تحت وطأة نمط سقي غير رشيد لم يرافقه تصريف دائم للمياه في مجالات أصلا غنية. كما أن نزول مستوى الفرشة المائية الباطنية وتجفيف القطاع الترابي، يعتبر مؤشرا هاما لانطلاق مسلسل التصحر. وتوالي السنوات الجافة (مثلا الثمانينات في السودان - كردفان رهين بإبراز ميكنزمات التصحر).
لقد اعتبر الرعي من الأسباب الأساسية لتوسع ظاهرة التصحر باعتبار أن المراعي موجودة بحاشية الصحراء وتضم أراضي جد هشة. لكن الأبحاث الحديثة أظهرت عكس ذلك بمعنى أن التصحر يصيب أساسا الأراضي التي بحثت وتستعمل للزراعة.

3.2 - التصحر في العالم، محاولة تقويم: 
حسب معطيات برنامج الأمم المتحدة للبيئة، مجموع الأراضي المتصحرة لبغ 950 مليون هكتار في نهاية الثمانينات، بينما توجد 4500 مليون هكتار أخرى مهددة بالتصحر. وإذا اعتبرنا المجالات الجافة وحدها، فإن 61% من 3.3 مليار هكتار من الأراضي المنتجة قد بلغت حد التصحر. ويضاف إليها الأراضي التي هي في طور التدهور والتي تضاءلت إنتاجيتها.
أما عن عدد السكان الذين تصيبهم آفة التصحر، فهم يقدرون بحوالي سدس ساكنة الأرض (حوالي 900 مليون من السكان). وحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة لقد مرت تكلفة إصلاح الأراضي المتدهورة من 26 إلى 42 مليار دولار في السنة ما بين 1980 و1991. أما الخسارات السنوية الناجمة عن تدهور الأراضي في المجالات الجافة فهي تقدر بستة وعشرين مليار دولار وهو ما يمثله تراجع الإنتاجية الفلاحية.
4.2 - الجفاف والتصحر في الوطن العربي: 
لقد عرفت الصحراء العربية - الإفريقية وهوامشها عدة مراحل جفاف خطيرة منذ بداية القرن، كانت أخطرها الفترة ما بين 1985 و1988.
- بالنسبة لعدد من البلدان يجب اعتبار -لتفسير هذه الظاهرة- ظرف الأزمنة الاقتصادية والأسباب السياسية مثل عدم الاستقرار (حالة السودان والصومال).
- بالنسبة للرعي، تدهور المراعي يجب اعتبار تزايد أعداد الماشية وعدم تطبيق مبدأ التناوب عند استعمال المراعي، وبالنسبة لتضاؤل الموارد المائية في الفرشات الباطنية يجب اعتبار تكاثر الآبار وتزايد الضخ.
- في حالات كثيرة سياسات فلاحية غير متكيفة، مثلا التشجيعات المعطاة للزراعات غير الغذائية (القطن - الفول السوداني). وهي زراعات وحيدة تنهك التربة ولا تساهم في تغذية السكان والماشية.
- تمليح الأراضي من بين الأسباب للتصحر مثال ذلك ما أصاب أراض واسعة من سهول العراق، فكثافة القنوات وآثار المباني المهدمة في سهول الفرات ودجلة، تدل على زراعة كانت نامية في منطقة صحراوية حاليا. وقد تأكد بأن تمليح الأرض وترسب الغرين هما سبب الأزمة التي أصابت الحضارات القديمة. وتوجد ظاهرة التمليح كأصل لتدهور الأراضي موصوفة في عدة نصوص تاريخية. والقنوات المبنية بانحدار ضعيف جدا هي الأصل في التدهور. لأنها كانت تمتلئ بسرعة بالأوحال. وتتطلب المزيد من اليد العاملة ومن مجهود الإصلاح. أما السقي المفرط بدون ضمان التصريف فقد تسبب في تراكم الأملاح في التربة وبالتالي تحولها إلى أرض عقيمة.
- استمرار النمو الديموغرافي المفرط بشكل يتعدى الإمكانات الإنتاجية للغذاء. والنمو الديموغرافي يتسبب في الضغط المتزايد على الأرض (حرث أراضي غير صالحة، هامشية)، تضاؤل كثافة الغطاء النباتي، تراجع المدة المخصصة لاستراحة الأراضي، وبالتالي تناقص خصوبة الأراضي ومدى مقاومتها لمكنزمات التدهور والإزالة. العوينة 3
ودراسة الصور الجوية توضح أن المجالات نصف الجافة هي الأكثر تضررا بآليات التصحر. لأن هذه المناطق الصاحة نسبيا هي التي تتركز بها الماشية ويجتمع بها الرعاة والمزارعون الفارون من المناطق الأكثر جفافا. فهي إذن قابلة لأن تتحول من أراضي منتجة في إطار رعي متنقل إلى أراضي قاحلة تماما بعد زرعها بعلية وتعقيم أتربتها ونضوب مياهها واقتلاع كل غطائها النباتي.
5.2 - العلاقة بين التصحر ، مستوى النمو والمجاعة: 
المجاعة في بعض الدول العربية - الإفريقية (الصومال - السودان) نتائج سلسلة من التطورات السالبة والتي انطلقت بجفاف نهاية الستينات في الساحل الإفريقي. وقد تأثر القرن الإفريقي خاصة خلال الثمانينات. هذه المجاعات ليست نتاج تناقص المطر وحده. فالمزدوج جفاف - مجاعة لا يتم إلا في حالة تهيئة غير متزنة للمجال وعدم انتظام الإطار الاقتصادي والسياسي. والتصحر يصيب خاصة البلدان الفقيرة حيث الإمكانات المالية والتقنية محدودة وحيث الاختيارات السياسية لا تضع التنمية في المقام الأول. ولذا فالخطوات اللازم إتباعها هي قبل كل شيء سياسية واقتصادية واجتماعية.

خاتمة :
لقد توالت على بلدان الوطن العربي عدة تجارب (الفاو، 1992) تسعى إلى تنمية الأراضي الجافة، تنمية زراعية ورعوية، تهدف إلى سن أنظمة ريفية مستديمة، في مجالات تتسم بالهشاشة من جهة وبارتفاع الساكنة من جهة ثانية. ومن أهم هذه التجارب، تلك البرامج التي أعدتها منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة والتي كان الهدف منها في نفس الوقت، البحث عن توازن بين الضغط السكاني وإنتاج الغذاء وإيقاف مسلسل تدهور التربة والغطاء النباتي.
وهذا الهدف ينبني على سن أنماط لاستعمال الأراضي، تتوخى الرفع من المردود المحلي لكل نوع من الأراضي والإنتاج الشمولي للبلد، بشكل مستديم أي غير مهدد لاستمرار الإنتاجية وبدون آثار سلبية على جودة وتوازن الأوساط البيئية. وهذا يقتضي تدخلا شموليا يراعي كل المعطيات في تعقيدها وتداخلها:
- فهو أولا تدخل تقني متكيف مع الظروف البيئية الجافة ومع هشاشة الأراضي، بحيث لا يستوردها كما هي، تقنيات صالحة في المجالات الرطبة، ويطبقها بدون تكييفها مع الأوضاع المحلية.
- وهو تدخل يراعي الواقع البشري والاجتماعي ولا يتعارض مع استراتيجيات المجتمعات البشرية المختلفة داخل الأرياف العربية، بل يدخل هذه الاستراتيجيات ضمن رؤيا شمولية مستقبلية.
- وهو يهيء الجوانب المؤسساتية والقانونية الكفيلة بتسهيل التطورات الإيجابية ويزيل المعوقات التنظيمية من أجل ضمان نجاح التهيئة والإعداد.
- وهو أخيرا يشرك المجتمع المحلي في الاختيارات وكذا في تطبيقها ضمانا لرضى السكان عن أساليب التهيئة وتشجيعا لهم على تنفيذها، بل توسيعها وإنجاحها. ويمكن القول، إن هذه البرامج تجعل الإنسان العربي في مقدمة أهدافها، وتؤكد على ضرورة سن تنمية شمولية اقتصادية واجتماعية وثقافية.



مراجع: 

- أبراهام أ.د. وبارسونز أ.ج.، جيومرفلوجية البيئة الصحراوية، شامبان وهول، لندن، 1994، 674 صفحة.
- منظمة الفاو، روما، تحسين إنتاجية الأراضي الجافة، نايروبي كينيا، 1987.
- منظمة الفاو، روما، المفاتيح الاستراتيجية للتنمية المستديمة في الأراضي الجافة، 60 صفحة، 1992.
- مؤتمر الأمم المتحدة حول البيئة والتنمية، ريو دي جانيرو، البرازيل، 1992.

ليست هناك تعليقات :

جميع الحقوق محفوظة 2013 | أعلن معنا | يوسف ادعبد االله | خريطة الموقع | سياسة الخصوصية